وسط صمت يصل إلى حد التواطؤ في العالمين العربي والإسلامي وحتى الدولي، انتهى التحقيق الأممي بشأن العنف بميانمار إلى التحذير من تعرض 600 ألف مسلم أراكاني لخطر الإبادة الجماعية.
ويكشف التقرير عن أن هناك 7 دول تدعم حكومة ميانمار بالسلاح من أجل الإجهاز على المسلمين واستكمال جرائم الإبادة الجماعية وهي "الصين والهند وإسرائيل وروسيا والفلبين وكوريا الشمالية وأوكرانيا.
وتعدّ حكومة ميانمار المعروفة أيضًا باسم "بورما" أقلية الروهينجا المسلمة "مهاجرين غير نظاميين" من بنجلادش، في حين تصنفهم الأمم المتحدة "الأقلية الأكثر اضطهادًا في العالم". ومنذ 25 أغسطس 2017، يشن الجيش في ميانمار وميليشيات بوذية حملة عسكرية ومجازر وحشية ضد الروهينجا في إقليم أراكان.. أسفرت هذه الجرائم المستمرة عن مقتل الآلاف من الروهينجا، حسب مصادر محلية ودولية متطابقة، فضلاً عن لجوء قرابة مليون إلى بنجلادش، وفق الأمم المتحدة.
واشتمل التقرير الصادر في 17 سبتمبر 2019م، والذي أشرف عليه فريق أممي قاده مرزوقي داروسمان والذي تم تقديمه إلى الجلسة الـ42 لمجلس حقوق الإنسان، في مكتب الأمم المتحدة بجنيف السويسرية، حول "أوضاع المسلمين في إقليم أراكان بميانمار" على العناصر الآتية:
أولاً: التحذير من تعرض 600 ألف مسلم في ميانمار، منهم 120 ألفًا يعيشون في معسكرات بمقاطعة أراكان، لخطر الإبادة الجماعية.
ثانيًا: سياسات الاضطهاد ضد المسلمين في ميانمار لا تزال مستمرة"، والحكومة هناك تمارس الاضطهاد المنهجي والمنظم ضد مسلمي أراكان"، وأن أعمال العنف التي ارتكبتها الحكومة ضدهم هناك أدلة تؤكد أن هذه الجرائم "تم تنفيذها بهدف الإبادة الجماعية" ضد الأقلية المسلمة.
ثالثًا: ميانمار لم تف بالتزاماتها إزاء منع الإبادة الجماعية بموجب الاتفاقات الدولية، وأن خطر تكرار تعرض المسلمين هناك لها لا يزال قائمًا.. أضف إلى ذلك أن الحكومة الميانمارية لا تبذل جهدًا لمنع الإبادة، ولا تقوم بالتحقيق والمحاسبة، وتتحمل مسئولية أعمال الإبادة الجماعية حيال مسلمي أراكان.
رابعًا: الأخطر في التقرير الأممي أن المجتمع الدولي لا يمارس ضغوطا كافية على حكومة ميانمار، في إشارة إلى تواطؤ دولي، بل يؤكد أنه لا وجود لإرادة سياسية لدى مجلس الأمن، لتعبئة المجتمع الدولي من أجل وضع حد للانتهاكات التي تمارسها ميانمار ضد مسلميها.
خامسًا: يؤكد التقرير الأممي أن مسلمي أراكان تعرضوا، في سبتمبر 2018، لـ4 ممارسات من أصل 5 تندرج في إطار الإبادة الجماعية. وأن الروهينجا ما زالوا عرضة لكثير من الانتهاكات التي تمارسها الحكومة والجيش من قبيل القتل والاغتصاب والاغتصاب الجماعي، والتعذيب والتهجير وبقية الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تضمنها تقرير البعثة لعام 2018.
مليون مسلم ضحايا الاضطهاد
وفي 25 أغسطس 2019م، خصصت صحيفة "الواشنطن بوست" الأمريكية افتتاحيتها لتسليط الضوء على الاضطهاد الديني الذي تتعرض له الأقلية المسلمة "الروهينجا" في ميانمار.
وتحت عنوان "لميانمار حصانة كبيرة ومحاسبة قليلة"، أشارت "واشنطن بوست" في افتتاحيتها إلى مرور سنتين على مأساة مسلمي الروهينجا منذ قيام الجيش بحملة تطهير عرقي للمسلمين الروهينجا في إقليم أراكان، قتل فيها وحرق واغتصب وهجر أكثر من 745.000 مسلم بحثوا عن ملجأ عبر الحدود في بنجلاديش؛ ما خلّف كارثة إنسانية كبرى حسب الأمم المتحدة.
وبحسب الافتتاحية، فإن تقرير بعثة تقصي الحقائق كشف أن جماعة يطلق عليها "تاتماداو" مسئولة عن مئات حالات الاغتصاب الجماعي أثناء الحملة، وأن حكومة ميانمار "مذنبة بناء على ميثاق الإبادة لفشلها في التحقيق ومعاقبة مرتكبي أفعال الإبادة".
وذكر التقرير أن هذه الجماعة "تاتماداو" حصلت على دعم مالي من شبكة شركات أجنبية ومحلية عددها 200؛ ما وفر لها الدعم الحيوي للميليشيات التي ارتكبت هذه المذابح، وعلى رأس هذه الشركات شركتان هما شركة ميانمار الاقتصادية القابضة المحدودة وشركة ميانمار للتعاون الاقتصادي واللتان تملكان 120 شركة على الأقل من تلك التي دعمت الجماعات المسلحة لممارسة القتل.
ويدير الشركتين الكبيرتين مسئولون عسكريون، بالإضافة إلى شركات أخرى من الصين وكوريا الشمالية وروسيا قدمت السلاح إلى تاتماداو، ويقول تقرير الأمم المتحدة: إن تاتماداو اعتمدت على شركات صديقة لتقديم التبرعات إلى الجيش. وهناك أكثر من 10 ملايين دولار قدمتها تاتمادوا من خلال احتفالات ثلاثة منفصلة.
ففي حفل جمع تبرعات عقد في 1 سبتمبر 2017، وهو الأسبوع الذي بدأت فيه حملة التطهير العرقي، برر القائد الكبير، الجنرال البارز، مين أونغ هلينغ، أفعال تاتماداو من خلال وصفه الروهينجا بـ"البنغاليين"، وهي شيفرة حاقدة لطالما استخدمت لتبرير اضطهاد وقمع الروهينجا وتصويرهم كأناس غرباء، وتم استخدام بعض المال لبناء جدار بين ميانمار وبنغلاديش، وهو حاجز قصد منه منع الروهينجا من العودة إلى بلادهم.
ولاحظ تقرير الأمم المتحدة عن الاغتصاب الجماعي أن "أبرز مسؤولين عسكريين لا يزالان في منصبيهما رغم دعوة بعثة الأمم المتحدة للتحقيق معهما ومحاكمتهما لو اقتضى الأمر بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وإبادة".
وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على عدد من جنرالات الجيش البورمي الكبار، بمن فيهم مين أنغ ملينغ، إلا أن تقرير الأمم المتحدة يدعو لعمل المزيد، بما في ذلك عقوبات اقتصادية ضد قاعدة تاتماداو الاقتصادية، خصوصا الشركات الداعمة لها من الخارج.
لكن صحيفة واشنطن بوست تنعى التواطؤ الدولي بالتأكيد أنه "بعد عامين من موجات الحريق والعنف الذي ابتلع الروهينجا، لا تزال هناك حصانة كبيرة للقتلة ومحاسبة قليلة لا تفضي إلى شيء ملموس".