بقلم: أحمد مصطفى

مع رحيل كل إنسان تطوى صفحاته مع الناس، ولا يبقى منها إلا المواقف الطيبة التي تترك في النفوس أثرا تظل الألسن ترددها كلما تذكرت صاحبها.

والمهندس محمد الصروي الذي تولى مسئولية المكتب الإداري لإخوان الجيزة سابقا كان مثالا لذلك الإنسان الذي ترك خلفه مواقف تربوية لا يعلمها إلا كل من عاشها وشاهدها فيه.

فالصروي من مواليد قرية ميت يعيش مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية، في أبريل 1943م، والتحق بكلية الهندسة جامعة القاهرة؛ حيث تعرف على الشهيد فاروق المنشاوي وعمل مع إخوانه على إحياء تنظيم الإخوان وتربية الشعب على معاني الإسلام الصحيح حتى كانت محنة 1965م.

* الجندية الحقيقية

كان المهندس الصروي مثالا للجندي الوفي لدعوته، الحريص على شأنها، فبعدما خرج من السجن في السبعينيات، عمل مع إخوانه على إعادة دعوة الإخوان وسط الناس، فحمل على عاتقه ذلك الأمر في محافظة الجيزة؛ حيث سعى في كل قرية وحي يحاول أن يجمع كل من كان له صلة بهذه الدعوة، حتى عادت الجيزة مرة أخرى إلى مسارها ونشاطها، خاصة مع وجود جامعة القاهرة بها، وتولى مسئولية المكتب الإداري بها، وحينما عاد صديقه الأستاذ السيد نزيلي وتم اختياره مسئولا عن مكتب الجيزة، سلم الصروي نفسه جنديا للدعوة يعمل في كل المجالات التي يكلف بها - رغم اصابته بمرض القلب - إلا أنه ما تأخر عن عمل دعي له.

* ثبات رغم المرض

واجه الصروي المحن منذ أن كان طالبا في الجامعة؛ حيث تم اعتقاله أول مرة من قبل رجال المباحث العسكرية يوم 28 أغسطس 1965م والتي ساقته إلى آتون السجون الحربية، ومورس ضده التعذيب النفسي عن طريق الاهانات اللفظية والبدنية والضرب بالسياط والمبيت مع الكلاب، ولقد عذِّب عذابًا شديدًا على يد الزبانية، حتى إن آثار التعذيب ظلت على جسده حتى توفاه الله، وقدم للمحاكمة والتي حكمت عليه بالسجن لمدة 12 عاما في 6/9/1966م.. وبصدور الحكم بالسجن فُصل من العمل لصدور حكم جنائي ضده وفق القانون.

 



* ضحكة وسط المحنة

يصف المهندس الصروي هذا الموقف بقوله: بعد التعذيب أثناء التحقيقات سمحوا لنا بالخروج في حراسة العساكر صباحا " للغيار " على الجروح.. وكان ذلك يتم بجوار " فسقية" المياه في السجن الكبير وهناك تعرفت على الإخوة عوض عبد المتعال، وحمدي صالح, وصبري عرفة الكومي, وعباس السيسي, وغيرهم كثير.. وفي يوم من الأيام غيّر العسكري مساري المعتاد أمام الزنازين إلى الاتجاه العكسي.. فمررت على زنزانة رقم (58) مكتوب عليها (الغلاية) وكثيرا ما كان الأخ الشهيد فاروق المنشاوي يحدثنا عن بشاعة التعذيب وتعدد أنواعه.. وأنه في حالة القبض علينا سوف يتم قتلنا لا محالة في ذلك(1).. فسألت الأخ عوض عبد المتعال متى يتم وضعنا للتعذيب داخل هذه الغلاية؟ .. وهنالك ضحك الأخ عوض ضحكة كبيرة في السجن.. وكانت هذه الضحكة سببا في سكينة كبيرة لي داخل فترة السجن.. فهذه الغلاية لغلي ملابس العساكر الذين يصابون بمرض الجرب.. وليست للتعذيب.

* التواضع

كان المهندس الصروي حييا حتى إنه يكاد إذا تعرض لموقف يجتهد أن ينهيه بنفسه حتى لا يكلف أحدا بالقيام به.

ويذكر أحد إخوان الجيزة أنهم كانوا في لقاء وجاءهم المهندس الصروي قبل وفاته بفترة، وبعد انتهاء محاضرته غادر المكان، لكنه فوجئ بأن إحدى عجلات السيارة فارغة من الهواء، وبالرغم من كبر سنه وعِظَم مكانته في قلوب إخوانه إلا أنه استحيا أن يخبرهم، فأنزل الأدوات وأخذ يغيِّر العجلة، حتى رآه أحدهم!! فأسرع إليه ليقوم بهذا العمل، لكن المهندس أبى إلا أن يشاركه في تغييرها.

ومن أقواله التي تدل على علوِّ همَّته في نشر دعوته قوله في انتخابات مجلس الشعب عام 2005م: "إننا لم ندخل الانتخابات لنفوز، ولكن شاركنا فيها لندخل كل بيت وكل شقة لنعرفهم بدعوتنا".

* حسن تصرف

في حوار لـ"إخوان أون لاين" عن ذكريات شهر رمضان ذكر المهندس الصروي موقفا ينم عن سرعة البديهة وحسن التصرف في أوقات الشدة، حيث يقول: من الطرائف ما حدث معي في عام 1995م حين شنت إدارة السجن حملةً ضاريةً صادرت خلالها السخانات الكهربية ووسائل الطبخ، وطلبتُ من زوجتي أن تُحضر لي أسلاكًا بديلةً للسخانات، فاشترت لنا 22 سلك سخان ووضعتها داخل القطائف، وأخبرتني بذلك، إلا أنني نسيت أن أخبر باقي إخواني فكان كل مَن يأكلها يكتشف وجود السلك تحت أسنانه، وأعجب الإخوان من هذا التصرف، قائلين إنه لا يأتي إلا من زوجة أحد المسجونين المحترفين.

* الرحيل

في يوم 10 رمضان 1426هـ شعر ببعض التعب انتقل على إثرها إلى المستشفى والتي قرر الأطباء إجراء عملية قلب مفتوح لتأزم حالته، وبدأت تتوافد جموع إخوان الجيزة على المستشفى ثم فاضت روحه الطاهرة إلى ربه ليلة الاثنين 14 رمضان 1426هـ الموافق 17 أكتوبر 2005 م، وحضر إلى المستشفى كل تلاميذه وكل أعضاء المكتب الإداري للإخوان المسلمين بالجيزة، وأم المصلين عيه الشهيد الأستاذ محمد مهدي عاكف  المرشد العام آنذاك عليهم رحمة الله جميعا.