رصدتها: أسماء أنور
الجفاء.. القطيعة.. المصالح.. بتنا نسمع عن هذه الكلمات بصورة لعلها تكون واضحة للعيان في الفترة الأخيرة بين من يحملون الدعوة على أكتافهم ويمضون قدمًا نحو تبليغها بصورة كان لا بد لنا معها من وقفةٍ للمراجعة والمحاسبة... فبين اتهام بالجفاء وتغليب المصالح فوق المشاعر والوصال الأخوي كان لا بد لنا من رصد هذه الظاهرة في أوساط الأخوة والأخوات العاملين في حقل الدعوة؛ لذا كانت لنا هذه الجولة في نفوس بعض الأخوة والأخوات للرصد فقط؛ أي أننا نقدم من خلالها مجرد شهادات وتجارب.
في البداية تؤكد (آلاء. ح)- كلية طب- هذا الغياب قائلة: نعم... أشعر بأن هناك جفاءً وغيابًا لروح الأخوة بيني وبين أخواتي خاصةً عندما أشعر بأنني في كل مكالمة هاتفية اتصل فيها للاطمئنان على أختٍ لي يصدمني سؤالٌ عن سبب اتصالي.. ولا بد أن يكون سببًا مقنعًا بعيدًا عن كوني أشتاقُ إليها أو أني أحبها في الله واتصل للاطمئنان عليها فقط..!!! وكأنَّ وراء كل اتصالٍ مصلحةً أو طلبًا..!!
المعنى نفسه تراه (آية . ع) الطالبة بكلية الإعلام وهي تحذر من أن آثاره على الصفِّ الدعوي بدأت تظهر بصورةٍ لا تخفى على الأعين الراصدة... وترى أنَّ السبب يعود إلى الانشغال إما الدعوي أو الشخصي أو لعل هناك سببًا آخر يمنع من التواصل بين الأخوات بعضهن ببعض.
وبوجهة نظرٍ تختلف بعض الشيء عن سابقيه يقول (أ . م) الطالب بكلية طب الأسنان: لا أستطيع أن أقول إنّ هناك غيابًا كاملاً لروح الأخوة بين الإخوة وبعضهم البعض، ولكنَّها في الحقيقة أصبحت "أخوَّة روتينية" تفتقد بعضًا من معانيها الرائعة، حتى توقَّفت عند حدود اللفظ، وتحوَّلت فينا معاني الأخوة من "إيمانية" إلى "روتينية"، حتى أصبح الأخ لا يرى أخاه إلاَّ في اللقاءِ التربوي أو في لقاءٍ آخر، وإذا ما توقَّف اللقاء مرةً أو مرتين، قد لا يلتقي الأخ بأخيه طيلة هذه الأسابيع!! ولا يدري بأفراحه أو أتراحه وضَعُفَ التواصي بيننا فيما هو خارج هذه اللقاءات.
أما زهراء رسلان فتقول: نعم هناك غيابٌ لروح الأخوة الحقة بين الأخوات في الوقت الحالي عند المقارنة بين واقع الإخوة أيام جيل الإمام البنا ومن بعده جيل آبائنا أجد بالطبع هناك خللاً ما.. وأجد نفسي أتساءل عن الأخوة أين هي حينما أحتاج أختي فلا أجدها جانبي في الفرح ولا أجدها حريصةً على الوقوفِ بجانبي في أوقاتي العصيبة، ويكفي أن أقول إنني أصبحتُ لا أجدُ أحدًا يهاتفني بعدما تزوجتُ ولا يسأل عني إلا أختٌ واحدةٌ أو اثنتان وكأنَّ رقمي سقط من مفكرة الأخوات.
جحود
وتقول (ل . ح): ربما لأننا أمام الزلات الصغيرة لإخواننا وأخواتنا ننسى الكثير من خيرهم وبرهم وفضلهم.. وأمام القليل من تفاصيل الأفكار التي لا نتفق عليها معهم، نتجاهل عمق الاتفاق والروابط التي تجمعنا.. فحين تجمعنا عقيدة واحدة ومشروع إسلامي واحد، علينا أن نتعالى عن بعض التفاصيل... وكذلك فتور الإيمانيات التي تجعل من يبتعد عن الله يبتعد كذلك عن رفقة الخير.. ومع ذلك أشعر بأنَّ كلمة جفاء كبيرة وقاسية جدًا فأنا لا أتخيل أن من الممكن حدوث جفاء بيني وبين مَن أحببت في الله حقًّا.. وإنما قد يحصل حرجٌ في موقف معين أو سوء تفاهم ليس أكثر.
تسامح
ويحكي محمد أسامة- مهندس- قائلاً: مررت بموقفٍ آلمني لأني كنتُُ أنا المخطئ فيه، وكان ذلك فترة الانتخابات الأخيرة عندما تكدست عليَّ الأعمال التي كنت بحاجة لإنجازها خلال أحد الأيام قبيل الانتخابات، وعندما انتهيتُ منها كنا قد تجاوزنا منتصف الليل ودخلنا في الساعات الأولى من الصباح، وكنتُ عائدًا للمنزل بالسيارة، وكان معي ثلاثة من الإخوة الكرام لأوصلهم إلى منازلهم في هذا الوقتِ المتأخر.. وحينما اقتربت من منزل أحد أحب إخواني إلى قلبي تكاسلتُ أن أوصله إلى بيته وأبيِّت إلا أن أنزله في مكانٍ يبعد عنه مما يجعله يسير على قدميه... قام الأخ ودون تردد بالنزول على الفور لكن مع نزوله أحسستُ بقسوةٍ شديدةٍ عاملتُ بها أخي في لحظةِ إرهاق نسيتُ فيها نفسي تمامًا.. وبعد ذلك عاتبت نفسي كثيرًا ولامني إخواني وذهبتُ أعتذرُ لأخي وقبل اعتذاري بحب، ولكن كلما رأيته بعد ذلك أتذكر بأني أخطأتُ في حقه خطأً ليس بالهين أبدًا أن يحدث في أوساط دعوة الحب والتعارف والإخاء دعوة الإخوان المسلمين.
وفي رأيه أنَّ أهم المظاهر التي يتخذها شكل غياب الأخوة أو الجفاء بين مَن يحملون همَّ الدعوة نسيان التراحم بين الأخ وأخيه، وبروز النقد اللاذع للآراءِ أثناء أخذ الشورى قبل الأعمال وافتقاد رُوح الأخ الخدوم لإخوانه القائم على راحتهم والاعتناء بهم وعدم استشعار لذة العمل لدين الله وغياب الأخ المرآة لإخوانه الذي يُهدي لهم عيوبهم ويبصرهم بأنفسهم- كل بمفرده- تحت ظلال الود والرحمة والشعور برتابة الأعمال وكأنها وظيفة جافة لا مفرَّ منها وهي ظواهر قد تكون لها أسباب أخرى لكن يظل عامل الجفاف الأخوي هو العامل الأساسي والرئيسي والأهم برأيي.
100%!!
وفي وجهةِ نظر أخرى يرى أحمد رشدي- مهندس- أنه بشكلٍ عامٍ لا يوجد جفاء في صفوف الإخوان بالشكلِ الذي يدق نواقيس الخطر ويتطلب العلاج الطارئ، وذلك لأنَّ عقيدة الجماعة المجاهدة هي عقيدة الإسلام الغرَّاء التي حرصت على توطيد أواصر التراحم والتكافل بين أفراد المجتمع، ومن ثمَّ كان التآخي في الله والحب فيه من أهم المبادئ التي نحرص على تفعيلها وتوكيدها على الدوام... إلا أنَّ هذا لا يعني وجود خلل ما بل على العكس يوجد بالفعل من لا يحرصون على رُوح المحبةِ والتآخي؛ لأنهم يرون ذلك ضربًا من إضاعةِ الوقت والتكاسل عن مدافعةِ أهل الباطل!!
وهناك مَن تدفعهم الضغوط إلى نسيانِ واجباتِ الأخوة في الله والانشغال بالنفس وهواها، وقد يحدث هذا الجفاء أحيانًا نتيجة اختلاف بيئة المنشأ أو اختلاف المستويات الفكرية والثقافية أو مجرد تباين وجهات النظر!!، كما تلزم الإشارة أيضًا إلى أنَّ الأرواح جنودٌ مجندةٌ ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، كما في الحديث، وأخيرًا فقد يتولد جفاءٌ غير مقصودٍ لغياب أخٍ نتيجة انشغاله بأعمال أخرى وتأخره في السؤال عن إخوانه ولربما مررت ببعض من هذه اللحظات لكن في مجملها كانت ناتجة عن سوء فهم زال بمجرد التوضيح، وهو ما ينبغي أن يكون درب الأخ المسلم في الحرص على صوِّن قلوب إخوانه والحفاظ على مودتهم، وبالمقابل التماس الأعذار لهم إن بدر منهم ما يسوء ما دام الهدف الأسمى يجمع هذه القلوب التي ترنو لرضا الله وجنانه بنصرة هذا الدين والسعي لرفعة وعزة هذه الأمة.
الأخوة موجودة
ويتفق معه محمد النمكي- مهندس-: لا أشعر أبدًا بغيابِ روح الأخوة بين الإخوان إلا أن مشقة المتطلبات المادية للحياة وكثرة أوقات العمل أدَّى إلى قلةِ الفعاليات المشتركة التي يقوم بها الإخوان بسبب الحياة الطاحنة التي بات الأخ يعيشها سواء هو أو الأشخاص العاديين.. ولا أذكر أني مررت بموقف يعبر عن جفاء أو غياب لروح الأخوة بيني وبين إخواني بل على العكس تمامًا فالذاكرة حاضرة ومليئة بمئات المواقف الرائعة للإخوان، فأنا أذكر أنني كنت عائدًا من دمياط حوالي الساعة الحادية عشرة مساءً، واتصلتُ بأخٍ لي في الله لكي ينزل معي إلى السوق لشراءِ بعض الحاجيات التي كنت أحتاجها؛ وذلك الأخ يعمل من التاسعة صباحًا ولم يكن يومها قد عاد إلى منزله بعد إلا أنه لم يعتذر رغم أنني لم أكن ألومه لو فعل وأتى معي حيث كنت أريد الذهاب.. وأذكر كذلك أخًا كريمًا رحمه الله تعالى جمعني به عملٌ دعوي منذ عشرةِ أعوام تقريبًا وقد فرقتنا الأيام بعدها ليسافر إلى الخارج ولما عاد في إجازةٍ لمصر ظل يسأل عني لمجرد أن يسلم عليَّ ولما يئس من العثورِ عليَّ ترك لي السلام مع أحدِ الإخوة.. فهل بعد كل هذا يكون هناك جفاء؟؟!!
وتقول (ن . ع) مخرجة: لا أشعر بأن هناك غيابًا واقعيًّا لروح الأخوة بين الأخوات، بل على العكس أنا أشعر ولله الحمد بأن هناك روحًا من هذه الأخوة بصورةٍ واضحة... ومظاهر الجفاء- إن وُجدت- تبدو في عدم السؤال عن الأختِ في حال غيابها عن أي اجتماعٍ أو لقاء، أو في حال مرضها أو مرض أحد أبنائها، أو في حالِ مرورها بمشكلةٍ اجتماعيةٍ أو مالية أو من أي نوعٍ آخر، وأحيانًا حتى في حالةِ وفاة أحد أقاربها.. أما أسبابه فمنها أسباب واقعية مثل قلة الوقت والشغل الدائم وهناك أحيانًا أسباب غير مقنعة مثل أن فلانة لم تتصل بي حين تغيبت فلم أتصل بها الآن؟؟ وهذا غير مقبـول بتاتًا. وسبب مهم آخر هو عدم التماس الأعذار من الأخت لأختها في كثير من الأحيان.
وتتفق مع نفس وجهة النظر (م . ع) فتقول: أظن أن هناك روح أخوة ممتازة بين الأخوات ولكن ضمن مجموعات، أي مجموعة تتكون مثلاً من 3 أو 4 أخوات تربطهن صلة حميمة وأخوة ممتازة.. أما بشكلٍ عامٍّ فأرى أن هذه الروح ضعيفة الحضور وهناك بعد نسبي بين الأخوات لا يمكن أن نسميه جفاءً ولكن ممكن أن نقول حدودًا مصطنعة أو خطوطًا فاصلة، وبالتالي لا أظن أن هناك جفاءً ولكن بُعدًا نسبيًّا، مثلاً لا نعرف جيدًا كل الأخوات ولا نشعر بميل عاطفي أو نهتم جيدًا بما يحدث معهن كلهن... وأرى أن هناك أسبابًا متعددةً أهمها على ما أعتقدُ قلة النشاطات المشتركة خصوصًا نشاطات التزكية وأيضًا الميل إلى الخصوصية وفوارق العمر والاهتمامات والاختلاط دائمًا بنفس المجموعة مما يؤدي إلى الاستغناء عن التعرف على الأخوات الجدد.. بمعنى قلة الاختلاط بأخوات لا نعرفهن وقلة المبادرات إلى التعارف في حال الالتقاء.