بقلم: محمد عبده

من المؤهلات المهمة التي يعتبر المنتمي إلى الدعوة في حاجةٍ إليها في طريقه داخل الصف، لين الجانب والتآلف مع إخوانه على الطريق، وألا يكون من أصحاب الطبيعة التصادمية التي تفتعل المشاكل مع الآخرين، وألا يستطيع احتواءهم، يقول تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159)، فالغلظة والقسوة تتنافى مع اللين والرحمة واجتماع القلوب التي يجب أن يتصف بها صاحب الدعوة، فاستنهاض الهمم يلزمه البشاشة في الوجه والصفح والاستغفار والمشاركة في الرأي.

 

فالألفة واللين من الوسائل التي تجمع القلوب وتوحد الصفوف، فصاحب الدعوة لا يسع الناس بماله أو جاهه أو سلطانه، ولكنه يسعهم ببسطِ الوجه وحسن الخلق.

 

فمن الألفة واللين خفض الجناح والتواضع للإخوان على الطريق "إِنَّ اللَّهَ أوحى إليَّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحدٌ على أحد، ولا يبغي أحد على أحد".

 

ومن الألفة واللين الاستماع إلى الآخرين والإقبال عليهم عندما يتحدثون وألا نقاطعهم، وإذا أخطئوا نُصحح لهم دون تسفيهٍ أو تجريح.

 

ومن الألفة واللين التيسير على رفقاء الطريق وعدم التعسير عليهم، فالتشديد يُفرِّق ولا يُجمِّع، يُبغِّض ولا يُحبِّب.

 

ومن الألفة واللين أن نُفسح لهم في المجالس، وأن نُكرمهم ونُحسن إليهم "ما من مسلم يدخل على أخيه فيلقى إليه وسادة إكرامًا له إلا غفر الله له".

 

ومن الألفة واللين أن يسعى صاحب الدعوة في خدمةِ إخوانه والسهر على راحتهم، ومشاركتهم همومهم وأفراحهم.

 

فالمنتمي إلى الدعوة مهمته الأساسية جمع القلوب على الله، ولن يكون ذلك إلا عندما يكون هذا القلب الكبير الذي يحضنهم ويسع صدره آمالهم وآلامهم، وأن يُحسن معاملتهم ويرفق بهم، روى مسلم عن عائشة- رضي الله عنها- عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "يا عائشة، إنَّ الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يُعطي على ما سواه".

 

شيء آخر نود الإشارة إليه أنَّ الداعيةَ الذي انتمى إلى الدعوة يعلم جيدًا أنَّ من الأسباب الرئيسية التي أثَّرت فيه، وجعلته يلتزم طريقَ الدعوة بشاشة الوجه ولين الجانب فيمن كانوا يدعونه، ولو رجع بذاكرته إلى الوراءِ لوجدَ أنَّ العابسين في وجهه، والمتشددين في أحكامهم، والمتجهمين هم الذين نفرُّ منهم ولم يكن حريصًا على الاحتكاكِ بهم.

 

فالقدرة على احتواء الآخرين مطلب تكتمل به شخصية صاحب الدعوة، وحاجة من احتياجات الطريق حتى تستطيع الدعوة مواصلة السير، واستيعاب الطاقات وتشملها، فالطريق طويل والدعوة التي تُنفِّر الناس منها ولا تعبأ باحتوائهم لن يكتب لها النجاح، وكيف تنجح وهي منبوذةٌ من الآخرين، مكروهة منهم.

 

 الصورة غير متاحة
 
واحتواء الآخرين يعني قدرة صاحب الدعوة (الداعية) على جذبِ الناس وضمهم إلى سفينةِ الدعوة، فالداعية الناجح هو القادر على الوصول بدعوته وفكرته إلى الناس والتأثير فيهم على اختلاف طبائعهم، وصاحب الدعوة الذي لا يتوفر فيه الحد الأدنى من القدرة على احتواء الآخرين قد لا تجعله فقط عاجزًا عن جذب الناس إلى دعوته، بل قد تجعله مسيئًا للدعوة مسببًا الحرج لها، كما أنَّ المقصدَ من حاجتنا أثناء السير في  الطريقِ إلى احتواء الآخرين سواء كانوا من خارجِ الدعوة أم من داخلها، هو عدم استعدائهم للدعوةِ، وتحي