تحقيق- هدى سيد

مع التقاء الزملاء في العمل كل يوم، واعتياد الحديث في أمورٍ عامة قد يتطرق البعض إلى ذكر الخصوصيات وما يدور في المنزل فيُفاجأ الزوج أو الزوجة بأنَّ ما يعتبره أسرارًا أصبح يدور على الألسنةِ تلوكه وتردده على سبيل التسلية وتزجية الوقت أحيانًا وعلى سبيل النميمة أحيانًا أخرى، هذا دون أن يدرك أحد الطرفين خطورة ما يمكن أن يترتب على ذلك، فقد يحدث أن يعلن زوج أو زوجة أمام زملاء العمل عن عدم راحته في بيته فيستغل ذلك أحد معدومي الضمير ليدخل إلى قلب المتحدث ويُثير نقمته على شريك حياته ويدفعه للتخلص من هذه العلاقة ذات الميثاق الغليظ ليدخل في تجربة أخرى تكون نتيجتها في الغالب خراب بيت وتدمير أسرة.

 

في البداية تقول علا أحمد (سكرتيرة): بالطبع لا بد أن يكون هناك تعامل يومي بين الزملاء في العمل، ولكن يجب أن يكون هناك حدود لا نتعداها حتى لا تعود بنتائج سلبية وتتسبب في نشر الإشاعات، ويجب أن يكون الحديث في حدود العمل ونتجنب التطرق إلى خصوصيات البيوت.

 

وتضيف: وإن كنت أرى من حولي يتحدثون في أمورهم الخاصة لكني أحرص على عدم الخوض في الحديث حتى لو أصرَّ البعض على معرفةِ ما يكدرني إذا بدا عليَّ الضيق.

 

مجالس الزملاء

هيثم محمد (مندوب مبيعات) يؤكد أن مجالس الزملاء لا تخلو من أحاديث في الخصوصيات، لكنه يقول أنا لا أشارك حتى أصبح زملائي يعلمون عني ذلك؛ فلا يحاول أحد معرفة خصوصياتي.

 

ويرى محمد عبد الله (مدرس) أنه لا يمكن أن يكون الناس كلهم بنفس الطباع والأخلاق، ولكن المرء يحاول الالتزام بمبادئ وأخلاق تأسس عليها حتى وإن كان في أشد البيئات فسادًا، وقد يصل الأمر إلى أكثر من حدود الزمالة لكني أضع حدودًا لكل شيء، فرفع الكلفة بين الزملاء يؤدي إلى مشكلات كثيرة.

 

وتقول م. ش (مدرسة): لقد سببت لي هذه الأحاديث مشكلات كثيرة، فللأسف ثقتي الزائدة في زملائي أدَّت إلى حرماني من ترقيةٍ كبيرةٍ كنت أنتظرها ولم تعد أسرار بيتي فقط عرضةً لحديث المدرسة كلها، بل تطوَّر الأمرُ إلى فقدان الثقةِ فيَّ كمدرسةٍ ومسئولةٍ عن أجيالٍ مما سبب لي أضرارًا معنويةً وأدبيةً كبيرة.

 

البيوت أسرار

وحول رأى الدين يوضح د. أحمد الشحات موسى- أستاذ علوم القرآن بجامعة الأزهر- أن كل بيت له أسراره التي لا يجوز خروجها عن إطار البيت، وكما أوصى النبي- صلى الله عليه وسلم- كلا الزوجين أنَّ ما يحدث بينهما يجب ألا يتعدى نطاق المنزل، وهذا أمر من شأنه حفظ حرمات البيوت.

 

ومن ثَمَّ فإن الإنسان في عمله لا يجوز له إفشاء أسرار بيته الخاصة، ولقد اهتمَّ الإسلامُ بهذا الأمر حرصًا على مصلحة البيوت والأبناء، والحديث بين الزملاء في العمل يجب أن يكون في إطارٍ عام ولا ينبغي التطرق لأحاديث خاصة يكون فيها شيء من كشفِ أسرار البيوت، وقد أشار إلى هذا المعنى النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- حيث قال: "لا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تنافسوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا".

 

ويضيف د. الشحات: إنه يجب المحافظة على الأخلاق والمشاعر الإنسانية بين الزملاء، وإذا كان من الضروري المشاركة في أي مجاملاتٍ فيجب أن تكون في الإطارِ الجماعي للزملاء بشرط عدم تخطي الحدود ولا بد أن يُحاط الزوج أو الزوجة بها علمًا إذا كان أحد زملائهما.

 

ويجب على الزملاء ألا ينفردوا في أحاديث جانبية لأنها كثيرًا ما تُثير الشائعات والأقاويل التي قد تضر سمعة الأشخاص وكذلك سمعة مكان العمل.

 

تجنب الاختلاط

ويوضح د. أحمد الشحات أنه إذا كان لا بد من الاختلاط بين الرجال والنساء في العمل في مكان واحد فيجب على كليهما الالتزام قدر الإمكان بغض البصر وعدم تتبع العورات وعدم الخضوع بالقول من النساء حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض والتزام الملبس الشرعي الذي لا يشف ولا يصف ولا يجسد ما تحته ويكون فضفاضًا غير مبهرج وللأسف فهذا لا نراه كثيرًا الآن، ومما لا شك فيه أن الإسلام اعتنى بالمظهرِ الطيب للإنسان وحرص عليه، ولكن مع عدم المبالغة ولفت النظر ومنع التبرج والتزين للمرأة حتى لا يفسد المجتمع المسلم.

 

ويشير إلى إمكانية تبادل الزيارات والمجاملات بين الزملاء والزميلات، وفي هذه الحالة يجب الحرص على عدم كثرة المخالطة والزيارة حتى لا تنعدم الكلفة ويكون بذلك مدخلاً للشيطان فيجب عدم تخطي حدود العمل بين الزملاء حتى لا تنهدم البيوت المستقرة ويجب كذلك تجنب ما يُثير حساسية الأزواج وغيرتهم.

 

ثقة بحدود

وتقول د. آمنة محمود أبو كيفة- أستاذ علم النفس التربوي بكلية التربية جامعة عين شمس- إنَّ بداية هدم البيت هو إفشاء السر حتى ولو كان صغيرًا فالبيت دعائمه السكن والمودة والرحمة، والسكن بمعناه الذي يشمل حفظ الأسرار والحياة الخاصة بعيدًا عن المتطفلين، وليس ذلك فقط، فحتى الأهل لا يستحب معرفتهم أسرار الحياة الخاصة للزوجين حتى تستمر الحياة هادئة ومستقرة، فإذا أُفشيت أسرار البيوت في مكانِ العمل وصارت مادةً خصبةً للحديثِ بين الزملاء، فلا شك سيضيع معها أمان البيت واستقراره، فالعمل مكان له خصوصياته وطبيعته، وينبغي ألا تزيد الثقة في أي شخص إلى درجة الثرثرة معه في مثل تلك الأحاديث.

 

فكل زوجين لهما طباعهما الخاصة وقد تختلف مزايا وعيوب كل زوجين عن الآخرين فحتى الثناء أو الشكر للزوج عنه حتى يُثير الحقد أو الحسد في قلوب الآخرين.

 

فهناك حدود للتعامل مع الزملاء منها احترام الكبير ومساعدة الصغير ونشر جو الإخوة والجدية مع المرؤسين.

 

ومناقشة القضايا العامة والأحداث الجارية لا بأسَ فيه سواء كانت فنية أو ثقافية أو سياسية أو حتى رياضية فيما لا يخرج عن نطاق الجدية والاحترام.

 

نقطة ضعف

وتحذر د. آمنة من خطورة مقارنة الزوج بزميلته التي تأتي إلى العمل في أحسن صورة والزوجة التي تلقى اهتمامًا وإنصاتًا من زميلها لأن هذا من شأنه أن يفتح بابًا لضعاف النفوس لاستغلال أي نقطة ضعف في الطرفِ الآخر ليدخل حياته من خلالها وبلا شكٍ سيؤدي إلى تنغيصها؛ لأن هذا هو بداية السخط على قدرِ الإنسان في حياته وعدم الرضا والقناعة بشريك الحياة.

 

ولكن لا بد أن يكون هناك التزامٌ ديني وخلقي بين الزملاء، ويجب أن يعلم كلا الزوجين أن هذا البيت يستحق منهما كل جهدٍ وتضحيةٍ حتى يحافظا على أمنه واستقراره.

 

وتذكر د. آمنة من بين هذه الحالات زوجة عانت من ارتباط زوجها بالسكرتيرة وزواجه منها ولم تتأثر هي فقط لما حدث بل تأثَّر الأبناء أيضًا مما أدَّى إلى إصابةِ ابنتها وهي في الثانوية العامة بحالةٍ نفسيةٍ وصلت بها إلى التبول اللاإرادي.

 

وقصة أخرى لطبيبٍ مشهورٍ متزوج من طبيبة كبيرة ومشهورة أيضًا تزوَّج من ممرضةٍ لا تتناسب مع مستواه العلمي والثقافي والاجتماعي مما أدَّى إلى هدمِ الأسرة والأبناء.

 

عمل المرأة

وتوضح د. حنان سالم- أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب بجامعة عين شمس- أن الآثار الاجتماعية المترتبة على خروج المرأة للعمل ليست إيجابية بنسبة 100%، وكذلك ليست سلبية بنسبة 100% فقد أفرزت متغيرات اجتماعية جديدة وشرائح جديدة في المجتمع تتعامل معها المرأة أو يتعامل معها الرجل.

 

وكل ينظر إلى العمل حسب طبيعة دوره فيه والعائد الذي يرجع عليه منه، وليست النسبة كبيرة في تسبب زملاء العمل في إفساد الحياة الزوجية ولكنها نسبة واردة وتعتبر استثناءً في مجال العمل.