![]() |
تحقيق- مروة مصطفى
مكالمة على المحمول تطورت إلى صداقة بين رجل وامرأة، عَرَفَا عن بعض أدق التفاصيل، ووصلت علاقتهما إلى تبادل الزيارات المنزلية، وفي مرة سألها عن سبب تقبلها لهذا الوضع فردَّت عليه أن من يقبل أن يخونَ غيره لا بد أن يعاقبه الله بخيانة زوجته مع غيره، فاستفزته الكلمة فقتلها وأخفى جثتها في كرتونة وألقى بها في مكان مقطوع لتتحول الجريمة إلى لغز يحله رجال المباحث.
ومن الجريمة السابقة إلى نيابة قصر النيل التي أسرعت إليها إحدى المذيعات لتقديم بلاغ ضد أحد زملائها في قناة (دريم) الفضائية، تتهمه بإرسال صور وكلمات خادشة للحياء إلى تليفونها المحمول، وفي التحقيقات التي أشرف عليها رئيس نيابة قصر النيل أكدت المذيعة أن رسائل زميلها تحولت في فترة قصيرة من الحب والإعجاب إلى شتائم وألفاظ خادشة للحياء، فقرَّرت النيابة وضع تليفون زميلها تحت المراقبة، وبالفعل تمَّ تسجيل أكثر من رسالة تم إرسالها من تليفونه إلى تليفونها، وعندما تمت مواجهته بالتسجيلات اعترف بالواقعة، وفي نهاية التحقيقات قرَّر رئيس النيابة إخلاء سبيل المتهم بكفالة قيمتها 500 جنيه على ذمة القضية.
خراب بيوت
ويحكي لنا ناصر محمد (موظف) قصته مع معاكسات المحمول فيقول: بدأت الحكاية باستقبال مكالمات متكررة بمجرد فتح التليفون يتم إغلاق الخط، وبعد شهرين عرفت أنها امرأةٌ من سوريا تريد أن تتعرفَ عليَّ وتطلبَ صداقتي، وأقنعني بعض أصدقائي أن أردَّ على مكالماتها فهي لن تؤذيَني في شيءٍ، وفعلاً أخبرتها باسمي (اسم وهمي طبعًا) وظلت مكالماتها تتكرَّر لأكثرَ من 3 شهور، وفي إحدى مكالماتها وهي تحكي لي عن نفسها قالت لي كلمةً خادشةً للحياء، وكانت زوجتي تعلم بأمر هذه المعاكسات، فلما أخبرتها بما قالته لي في التليفون ترصدت لمكالماتها وانهالت عليها سبًّا وتوبيخًا، وهدَّدتها إن لم تقطع مكالماتها ستبلغ جهة مسئولة وتطلب تسجيل هذه المكالمات لمعاقبتها، ولولا أنها كانت تعلم بقصة هذه المعاكسات من البداية لتسبب هذا الموضوع في خراب البيت، وخصوصًا أنها نصحتني مرات أن أغيِّرَ رقم التليفون، ولكني لم أستجبْ لصعوبة تغيير الرقم وخصوصًا بعد أن انتشر في نطاق عملي.
أما حسام حمدي (طالب بمعهد سياحة وفنادق) فحكايته بدأت بالرنات المتكررة بعد منتصف الليل، فيقول: طبيعي إن رأيت رقمًا غريبًا على تليفوني أن اتصلَ لأعرفَ لمن هذا الرقم، فقالت لي أنا هايدي وأنت مين؟ مش أنت اللي طالب!؟ وبعد جدال عمن بدأ الاتصال طلبت أن تتعرَّفَ عليَّ لأبادلها الرنات، وبالتدريج أخبرتني برقم تليفون بيتها لنأخذ راحتنا في الكلام، وفي مرة كنت أتصل بها على الموبايل فإذا برجل ردَّ عليَّ وهدَّدني بأنه سيبلغ عن رقمي إذا عاودت الاتصالَ بها مرةً أخرى فأحسست بالإهانة، وقرَّرت أن أسبب لها مشكلةً في البيت، فانتهزت فرصة معرفتي لرقم تيلفون بيتها واتصلت بها فردَّت عليَّ والدتُها وأخبرتها بأنني أحد أصحابها ودائمًا أتصل بها وتتصل بي، والعجيب أن والدتها أخذت الأمور (عادي) ووعدتني أنها ستبلغها فور عودتها إلى المنزل، وكأنه أمرٌ مألوف بالنسبة لهم، ومن يومها قطعت اتصالها بي، وأنا أيضًا انتهزت هذه الفرصة لأتخلَّصَ من معاكساتها المتكررة.
ويحكي لنا أحمد عبد النبي قصةَ صديقته التي ملَّ من معاكساتِها، وكان أكثر إيجابية من غيره، فقرر أن يحسم الأمر، وذهب إلى شركة المحمول ليعرفَ بيانات عن الرقم الذي يتصل به، وبعد إجراءات طويلة توصل إلى أن هذا الخط تم بيعه لأحد الأشخاص منذ أكثر من 3 سنوات ولا يعرف عن بياناته أي شيء، ففقد الأمل في الوصول إليه إلا عن طريق الشرطة، إلا أنه فضل عدم السير في هذا الطريق وتعمد صديقي أن يفتح عليه كلما يتصل حتى مل من نفسه وانقطع عن معاكساته.
الفراغ واللا مبالاة
ولكن قد يكون للمشكلة أبعادٌ أخرى عندما يتعرَّض لها شخصٌ مسئولٌ، فعن معاكسات المحمول التي لم تسلم منها د. ليلى محمد (استشارية اجتماعية) فتقول: حاولت إحدى النساء معاكسة ابني الذي لم يتجاوز الخامسة عشر من عمره، ونظرًا للصداقة التي نشأت بينه وبيني، حكى لي عما حدث، فأخذت رقم هاتفه، واتصلت بها، وسألتها عما تريد من ابني، فتلعثمت وأنكرت أن تكون قد اتصلت به، فانهلت عليها تهديدًا إذا كررت ذلك مرة أخرى، وفي اليوم التالي بالصدفة رنَّ هاتفي المحمول وأنا في عيادتي، فإذا بصوت يسألني عما إن كان أحد اتصل بهاتفه أم لا، ولما أجبته بالنفي سأل عن إمكانية التعارف، فأجبت بعدم الإمكان وأغلقت الخط، ولكنه عاد واتصل وسأل عن سبب غضبي وكأنه يعرفني منذ سنين، فقدمت له نفسي على أني مستشارة اجتماعية، وإذا أحب أن يحكي لي قصته كي أساعدَه، فبدأ بالاعتذار وحكى لي حكايته، وكان قد حدث لي معاكسات على الهاتف الأرضي (الثابت) ولكن أن يصل الأمر إلى الهاتف المحمول رغم ما فيه من كلفة عالية ومخاطرة بمعرفة رقم تليفونه فأعتقد أن هذا الفعل له أحد سببين، إما الفراغ أو اللامبالاة، أو الاثنان معًا.
أما داليا الشيمي- أستاذ الأمراض النفسية بجامعة عين شمس- فتقول: الأفضل أن نسميها فضائح المحمول وليست معاكسات فقط، والتي هي نتيجة مباشرة للفراغ وعدم التوجيه والاستثارة الدائمة، فالغزو الإعلامي الهابط شوَّه أفكار شبابنا وأفسد عقولهم، وجعل ثقافتهم (الهيافة)، فطبيعي أن نجد مثل هذه الحالات، وأبشركم بالمزيد مع كل أسف، فماذا ننتظر من شباب طاقاته معطلة، مفتقد للفرحة والاستمتاع بالنجاح والقدرة على إثبات الذات، وهو في حاجةٍ لمن يسمع له في الداخل حتى لا يلجأَ إلى من هم في الخارج، ولكنه لا يجد أمامَه غير أسرة غائبة من أجل توفير متطلبات الحياة، فمنذ الطفولة والأم تعوِّد صغيرها على مشاهدة فيلم كارتون اختارته له بنفسها- موهومة أنها تصرفت بحكمة- ولكنها بذلك عودته على المتعة البصرية وجعلت منه طوال العمر متلقيًا فقط.
ما سبق هي الأسباب والوقائع لمعاكسات المحمول ولكي تقوم هذه الشخصيات التي لا نعفيها تمامًا من المسئولية فلا بد أولاً من توفير الرغبة من الآخر، وعلينا أن نسمعهم ونتيح لهم فرصة تحقيق ذاتهم، ويجب احتواء مشاعرهم، وعلينا أن نقدِّم لهم فهمًا صحيحًا للدين يقوِّم الجوهر وليس المظهر فقط؛ لأنَّ ديننا الإسلامي وَضَعَ الحلَّ الأمثلَ لهؤلاء ليحفظوا أنفسهم، فنحن بحاجة إلى الرجوع إلى الدين من جديد لنفهمه فهمًا صحيحًا قبل أن نأمر أولادنا بالسواء النفسي الذي هو نتيجة السواء الديني.
إذن النيابة
ويقول محمد خميس (موظف في قسم خدمة العملاء بإحدى شركات المحمول): كثيرًا ما نتلقَّى شكاوى من العملاء بسبب معاكسات المحمول المتكررة، ويطلبون النصيحة ومعرفة كيفية التصرف، وننصحهم وقتها بالردَّ على التليفون ومحاولة معرفة أسباب الاتصال، وفي حالة الاستمرار في استقبال المعاكسات، فالحل وقتها الفتح عليه (فتح الخط) وتشغيل البريد الصوتي ليسحب من الرصيد، لعله يقلع عن معاكساته، وأحيانًا يكون الموضوع أكبر من ذلك، فيضطر العميل وقتها إلى تحرير محضر بقسم الشرطة، وبعدها يتم التواصل بيننا كشركة محمول ومباحث التليفونات، وبعد استخراج إذن من النيابة يتم مراقبة هذا الرقم بناء على طلب المشترك، ويتم تسجيل المكالمات وتحديد مكانها ومصدرها، ويتم تبليغ مباحث التليفونات بهذه المعلومات لاستكمال التحقيق تطبيقًا لقوانين حرية الأفراد، وبهذا ينتهي دورنا عند هذه الخطوة لتستكمله الشرطة.
حبس وغرامة
وعن الجانب القانوني يقول عاشور محمود المحامي: إن القانون يجرِّم معاسكات التليفون عمومًا، والتي يتدرج تحتها معاكسات المحمول، فمن حقِّ مَن يتعرَّض لمعاكسات متكررة على تليفونه أن يتقدَّم ببلاغ إلى قسم الشرطة، ويتم استخراج إذن نيابة بمقتضاه يتم مراقبة التليفون، وفي حالة إثبات معاسكات فإن صاحبَها يتعرَّض للعقوبة بناءً على المادة 303 من قانون العقوبات مكرر، والتي تحدِّد عقوبة بالحبس مدة لا تزيد عن سنة ودفع غرامة مالية تبدا من 2000 جنيه ولا تزيد عن 7 آلاف جنيه، وتنص مادة القانون على أنه: (إذا تضمن العيب أو القذف طعنًا في عرض الأفراد يعاقب بالمادة 308 من قانون العقوبات مكرر)، والتي تكون عقوباتها بالآتي:
الحبس مدة لا تقل عن 24 ساعة ولا تزيد عن 3 سنوات، ودفع غرامة مالية لا تقل عن 1000 جنيه ولا تزيد عن 5 آلاف جنيه، وتَتَحَدَّد العقوبة بناءً على نتيجة التحقيقات وتقدير حجم الضرر اللاحق بالمواطن المتضرر.
