بكل صدق يعجز قلمي عن وصف هؤلاء المتظاهرين الصامدين في وجه رصاص وخرطوش وقنابل الشرطة، صامدون في وجه زمهرير الشتاء الذي جمد الدماء في عروق الكثيرين، صامدون في وجه آلة إعلامية جبارة ليس لها من هدف سوى شيطنتهم وتحريض بقية الشعب عليهم، صامدون في وجه أحكام قضائية جائرة تترى بالحبس والإعدام ضدهم أو تنتظر الكثيرين منهم، صامدون ضد أحوال معيشية ضاغطة تدفعهم للتفرغ للكد من أجل لقمة عيشهم، وبالتالي ترك هذه المظاهرات التي تستنزف طاقتهم.
لقد وصفتهم في مقال سابق بأنهم ثوار فوق العادة، ولازلت أعتقد انه وصف أقل من اللازم، على كل حال هم لاينتظرون من مثلي وصفا أو مدحا، هم خرجوا من بيوتهم -ويدركون أنهم قد لايعودون- ليس طلبا لمدح أو شو إعلامي بل طلبا لما يستحق التضحية فعلا، الحق والحقيقة، العزة والكرامة، الحرية والنهضة، وهم واثقون أن كل هذه المطالب هي من صلب الشريعة ومقاصدها (حفظ الدين والعقل والنفس والنسل والمال) وبالتالي فإن من مات دونها فهو شهيد، والشهداء لايموتون بل هم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما أتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
هل تتصور سلطة الانقلاب الحاكمة أنها قادرة على كسر إرادة هذه النوعية من البشر؟! لقد "ركبت"هذه السلطة"اعلى ما في خيلها" وجربت كل ما تمتلك من أسلحة، سواء نارية أو إعلامية أو قضائية، أو إقتصادية، أو إجتماعية أو نفسية الخ ضدهم فلم تزدهم إلا صمودا، ولم تزدهم إلا إقداما وطلبا لإحدى الحسنيين ؛النصر أو الشهادة.
هذه نوعية من البشر لاقبل لكم بها، فبقدر حرصكم على الحياة فإنهم يحرصون على الموت، ومن يحرص على الموت توهب له الحياة، بينما من يحرص على الحياة سيظل يركض فيها ركض الوحوش في البرية، وسيظل يلهث خلف سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
هذا هو جيل يناير الذي صهرته الثورة في أيامها الثماني عشر وما تلاها من أيام ومواقع في محمد محمود والعباسية والانتاج الإعلامي، ورابعة والنهضة والقائد ابراهيم، الخ، وازداد صهرا على مدى 19 شهرا حتى الآن ، هو الجيل الذي ذاق طعم العزة والحرية والكرامة فادمنها، وكما يقول العارفون "من ذاق عرف" ومن عرف اغترف ومن إعترف أدمن ، ولكم ان تتخيلوا ماذا يفعل المدمنون خاصة إذا كان الإدمان لأمور مشروعة؟!.
هذا الجيل لايصلح لمواجته السلاح وقد أطلقتموه، ولا الإعلام وقد جربتموه، ولا الأحكام الجائرة وقد أصدرتموها، هذا جيل لن يعود إلى بيته قبل أن يحقق هدفه؛ النصر او الشهادة، والمسألة بالنسبة له بسيطة فهو يسعى بالأساس للنصر، والنصر هنا يعني دحر الحكم العسكري واستعادة المسار الديمقراطي والارادة الشعبية، وإذا لم يتمكن من ذلك فهو لن يعدم الثانية " الشهادة " ولكن هذه الشهادة لن تكون- كما تعتقدون- شهادة موت بل شهادة حياة له ولفكرته، وتظل مددا لمن خلفه لاستكمال الطريق.
لامجال أمام عسكر الانقلاب لوقف هذه المظاهرات سوى التسليم بمطالب هؤلاء الصامدين، والعودة لثكناتهم، وتسليم الحكم للشعب صاحب الحق الأصيل في ذلك، وساعتها سيعود الأمن والإستقرار، وستتدفق على مصر الاستثمارات والسياحة، وستتحرك عجلات الانتاج بأقصى طاقاتها، وسيجد العاطلون فرصة للعمل، والجوعي رغيفا مناسبا، والأميون فرصة للتعليم، والمرضى فرصة للعلاج، وستصبح مصر "قد الدنيا" بجد.