• هي في سطور

• السيدة "زينب" العطوفة والرحيمة بالمساكين.

• السيدة "زينب بنت خزيمة" الراضية الزاهدة.

• السيدة "زينب"... يقينها، وثقتها في الله.

• السيدة "زينب".. اللقاء والفراق.

 

• هي في سطور:
أم المؤمنين "زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية"، الزوجة الرابعة للنبيّ- صلى الله عليه وسلم-، وُلدت قبل البعثة المحمدية بثلاث عشرة سنة تقريبًا، وعاشت بداية الإسلام، فرأت الثبات والإخلاص والتضحية؛ مما زادها يقينًا بهذا الدين الذي يدعو إلى وحدانية الله، فسابقت بالدخول فيه، وكانت ممن قال فيهم ربهم ﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ...﴾ (التوبة من الآية 100).

وأختها لأمها السيدة "ميمونة" آخر زوجاته – صلى الله عليه وسلم – قيل إنها تزوجت "الطفيل بن الحارث بن عبد المطلب"، وتزوجها من بعده "أخوه عبيدة بن الحارث"، الذي استُشهد في عزوة بدر، وروى "ابن حجر" في كتابه الإصابة أن "عبد الله بن جحش"، الذي استشهد في غزة أحد هو آخر من تزوجها، ثم تزوجها النبيّ – صلى الله عليه وسلم – من بعده في شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة؛ لتحظى بشرف العيش في بيت النبوة، وقد تزوجها النبيّ– صلى الله عليه وسلم– جبرًا لخاطرها، رأفةً وشفقةً عليها، وهو المبعوث رحمةً للعالمين- صلى الله عليه وسلم- مدة شهرين أو ثمانية حسب اختلاف الأقوال، ثم ماتت بعد أن حظيت بشرف الأمومة للمؤمنين.

وكانت هذه المدة القصيرة التي صاحبت فيها النبيّ  صلى الله عليه وسلم، مع قلة مصادر البحث عنها- سببًا في قلة الكتابة عند كتّاب السيرة عنها – رضي الله عنها-.

 

السيدة "زينب" العطوفة والرحيمة بالمساكين:
أجمع المؤرخون على ذكر صفات موحدة فيها، فقد كانت من أرقّ النساء في الجاهلية، رحيمةً طيبةً كريمةً، ذات عطف بالغ على الفقراء والمساكين، تطعمهم وتتصدق عليهم وتحييهم برقتها وحنانها، حتى أطلق عليها لقب "أم المساكين"، ولما أسلمت وتزوجت النبيّ- صلى الله عليه وسلم- ازدادت عطفًا وكرمًا وجودًا وقضاءً لحوائج الناس، حين رأت سخاء النبيّ – صلى الله عليه وسلم – وإحسانه المتدفق على الفقراء، وترغيبه في الإنفاق، والارتفاع بالقلوب والأزواج إلى درجة الإيثار، ومن أقواله - صلى الله عليه وسلم – وحثه على ذلك:
عن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبيّ- صلى الله عليه وسلم-: "اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنىً، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغنَ يغنه الله" (أخرجه البخاري)، وقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "أفضل الأعمال أن تُدخل على أخيك المؤمن سرورًا، أو تقضي عنه دينًا أو تطعمه خبزًا"، وعنه- رضي الله عنه- أن النبيّ- صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا" (أخرجه البخاري)، وقال- صلى الله عليه وسلم- "صنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات والمهلكات، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة" (صحيح رواه الحاكم عن أنس).

وقد تأثرت- رضي الله عنها- بالنبيّ- صلى الله عليه وسلم- فسمت نفسها، وازداد قلبها رقةً، وطمعت في جنة عرضها السماوات والأرض، فلم تدَّخر لنفسها دينارًا ولا درهمًا، وآثرت الآخرين بكل خيرٍ، فكانت بحق أم المساكين والمؤمنين- رضى الله عنها.

 

السيدة "زينب بنت خزيمة" الراضية الزاهدة:
إن رصيد الخير الذي ملأ كيان أمنا الغالية جعل دنياها في يدها، ولم تجعل لها مكانًا في قلبها، وكانت تجود بكل ما لديها في ميادين الخير، ولم تبخل بشيء حتى أصابها الجهد والتعب وهي راضية غير ساخطة، فقد رضيت بالكفاف من العيش؛ لأن لديها ما يشغلها من هموم الآخرة أكثر من هموم البطن والشهوات، وكانت دائمًا تختار ما يدوم ويبقى على ما يزول ويفنى، ولم تستكثر من متاع الدنيا يومًا ما، ولم تتفتح عيونها على لذائذ المطاعم والشراب، بل فتحت عيونها على حياة الأوابين الزاهدين الراضين.

إن أمنا العظيمة كانت تحب الخير والسعادة للآخرين وتضحّي بمصلحتها الخاصة في سبيل المصلحة العامة، وقد هون عليها يقينها وإيمانها بالله شظف العيش إذا كان فيه إسعاد الآخرين، فكانت تكتفي بما يسد الجوع، ويستر العورة، وترضى بالقليل، وتتواضع للمساكين، وهي موقنة أن كل ذلك رصيد في ميزان حسناتها عند الله، لا يضيع منه مثال ذرة، سواء الخطوة التي تمشيها أو الدرهم الذي تنفقه، أو الجوع الذي تحسه حتى صدق عليها قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ* وَلاَ يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (التوبة 120،121).

ولا عجب أن نرى هذا النموذج الرائع من البذل والعطاء، وهي القريرة العين، والمحبة للجود والعطاء، وكل هذا من ثمرة الزهد الذي يورث راحة القلب وسخاء النفس بالمال.
وكان هذا ما يملأ قلبها ويسري في عروقها، فرضي الله عنها جزاءَ ما قدمت لدينها وربها والمساكين.

 

السيدة "زينب"... يقينها وثقتها في الله:
ترملت أمنا العظيمة ومات زوجها شهيدًا، فرضيت وسلَّمت أمرها لله، وأيقنت أن الله سيعوضها عن صبرها خيرًا، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر من الآية10)، واحتسبته عند الله متوكلةً عليه ﴿وَمَن يَّتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق من الآية3)، وكانت تشعر بإيمان عميق أن الله سيعوضها عن زوجها، وسيرزقها زوجًا خيرًا من زوجها الأول، ولكن مَنْ يكون هذا الزَّوج الكريم؟! وما المنحة الربانية لمن أسلمت وجهها لله القائل: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 112)؟، فقد فوضت الأمر لله البصير بعباده، وأحسنت وتوجهت تلقاء ربها، فأبدلها خيرًا، وأمّن حياتها من الخوف والحزن، وأسعدها بما لم يخطر على بالها لحظةً واحدةً، فتزوجت النبيّ- صلى الله عليه وسلم- بعد أن انقضت عدتها مباشرةً، وتولى أمرها ورعى شأنها- صلى الله عليه وسلم- بنفسه، وأصدقها- صلى الله عليه وسلم- أربعمائة درهم، وبنى لها حجرةً متواضعةً بجوار "عائشة بنت أبي بكر"، و"حفصة بنت عمر"- رضي الله عنهما-، ولم تشعر "عائشة" ولا "حفصة" نحو الوافدة الجديدة "زينب بنت خزيمة" بأية غيرة، أو أي شيء من دوافع الغضب؛ لأنها لم تكن راغبةً هي الأخرى في منافستهما، وقد سبقتاها إلى بيت النبيّ الكريم، وذلك لمودتها وحنانها وعطفها ورقتها معهما وإحسانها إليهما، فأكرِم وأعظِم بأمّنا الخيّرة الطيّبة.

 

السيدة "زينب"... اللقاء والفراق:
عاشت أمنا الغالية في رحاب بيت النبوة سعدت وسمت روحها، وكانت أجلّ أيام حياتها يوم أن التقت بالحبيب المصطفى- صلى الله عليه وسلم-، فتشبعت روحها من روحه، ونهلت من أدبه وخلقه ما شاء الله لها، وتعلمت من علمه، وازدادت إيمانًا على إيمانها، ولم تشعر يومًا- وهي بجواره- بنقص أو حاجة لشيء إلا الشوق إلى رضوان الله وجنته التي أعدها لعباده الصالحين، قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلاَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ* ...﴾ (الزخرف من 68)، وظلت حياتها وهي في بيت النبوة، صائمةً عابدةً حامدةً قانتةً، وشاء الله ألا يطول المقام مع النبيّ- صلى الله عليه وسلم- سوى شهور قليلة، حتى جاءت اللحظة التي صعدت الروح الكريمة إلى بارئها، وانتقلت إلى جوار ربها في الثلاثين من عمرها، راضيةً مرضية لتكون أول زوجة للنبي – صلى الله عليه وسلم – تموت في المدينة المنورة، وتدفن بالبقيع.

وقد جدد موتها الأحزان في قلب الرسول- صلى الله عليه وسلم- على "خديجة"- رضي الله عنها-، وفازت بصلاة الرسول- صلى الله عليه وسلم- عليها والدعاء لها، لكن قصر الأيام التي عاشتها معه، وانشغالها بالمساكين جعلها لم تروِ شيئًا عن النبيّ – صلى الله عليه وسلم –.

قال الذهبي- رحمه الله-: وما روت شيئًا، وقال "ابن الجوزي"- رحمه الله-: وما نعلمها أسندت شيئًا، فرضي الله عنها وأرضاها، وجعل الجنة متقلبها ومثواها.. آمين.