علي- أسوان

ما الحكم في رجلٍ يأتي إليه أحد الناس طالبًا شراءَ سلعة، فيقول: ليس عندي ما تريد، ولكن اذهب إلى فلان التاجر، فإن بيني وبينه معاملةً، فاشْتَرِهَا منه وخذْها إلى بيتك، وأنا سأنقده الثمنَ ألف جنيه مثلاً، ثم تُسَدِّدُهُ لي ألفًا ومائة، على خمسة أشهر، ولما قيل له: لماذا لا تنقل السلعة إلى مكانك.. قال ليس عندي مكان، ولا عندي من يعاونني.

 

كرم حامد- مصر - الفيوم

أتاجر في الأدوات الكهربائية بالتقسيط، فيأتي إليَّ (الزبون) يريد الشيءَ "الثلاجة مثلاً" وهي ليست عندي، فأذهب معه إلى المحلِّ الذي يملك الثلاجة فأشتريها أنا وأبيعها له في نفس الوقت، فهل هذا حرام؟؟

 

المفتي: فريق الفتوى بـ(إخوان أون لاين)

يجوز البيع بالتقسيط، لكن هذا الشكل من البيع لا يجوز، فليس للبائع أن يبيعَ السلع التي ليست في حوزته والتي لا تزال في حوزة التجار حتى ينقلَها إلى بيتِه أو إلى السوق؛ والدليل ما أخرجه البخاري أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْتَاعُونَ جِزَافًا يَعْنِي الطَّعَامَ يُضْرَبُونَ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ.

 

وفي رواية عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اشْتَرَوْا طَعَامًا جِزَافًا أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ.

 

وفي رواية مسلم عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ"، قَالَ: وَكُنَّا نَشْتَرِي الطَّعَامَ مِنْ الرُّكْبَانِ جِزَافًا، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ.

 

وما أخرجه أبو داود في سننه عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ ابْتَعْتُ زَيْتًا فِي السُّوقِ، فَلَمَّا اسْتَوْجَبْتُهُ لِنَفْسِي لَقِيَنِي رَجُلٌ فَأَعْطَانِي بِهِ رِبْحًا حَسَنًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِهِ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي بِذِرَاعِي، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَالَ: لَا تَبِعْهُ حَيْثُ ابْتَعْتَهُ حَتَّى تَحُوزَهُ إِلَى رَحْلِكَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِم.

 

ْوما أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن حكيمِ بن حزامٍ رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: يأتيني الرجل يريد السلعةَ ليست عندي، أفأبيعها عليه ثم أذهب فأشتريها، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تَبِعْ ما ليس عندك".

 

وعليه فلا يجوز أن يبيعَ الشخص السلعةَ التي ليست في حوزته.
أخرج البخاري من طريق عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ.

 

قال الحافظ في الفتح: قوله: (فهو الطعام أن يباع حتى يقبض) في رواية مسعر عن عبد الملك بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس: "من ابتاع طعامًا فلا يبعْه حتى يقبضَه"، قال مسعر: وأظنه قال "أو علفًا"، وقوله: (قال ابن عباس: لا أحسب كلَّ شيء إلا مثله)، ولمسلم من طريق معمر عن ابن طاوس عن أبيه "وأحسب كلَّ شيء بمنزلة الطعام"، وهذا من تفقُّهِ ابن عباس، ومَالَ ابنُ المنذر إلى اختصاص ذلك بالطعام، واحتجَّ باتفاقهِم على أن من اشترى عبدًا فأعتقه قبل قَبْضِهِ أن عِتْقَهُ جائزٌ، قال: فالبيع كذلك.

 

وتعقب بالفارق وهو تشوف الشارع إلى العتق، وقول طاوس في الباب قبله: "قلت لابن عباس كيف ذاك؟ قال: ذاك دراهم بدارهم، والطعام مرجأ ".. معناه أنه استفهم عن سبب هذا النهي، فأجابه ابن عباس بأنه إذا باعه المشتري قبل القَبْضِ وتأخَّر المبيع في يدِ البائع فكأنه باعه دراهمَ بدارهم، ويبيِّن ذلك ما وقع في رواية سفيان عن ابن طاوس عند مسلم: "قال طاوس، قُلت لابن عباس: لم؟ قال: ألا تراهم يتبايعون بالذهب والطعام مرجأ"، أي فإذا اشترى طعامًا بمائة دينار مثلاً، وَدَفَعَها للبائع ولم يقبضْ منه الطعام ثم باع الطعام لآخرَ بمائةٍ وعشرين دينارًا وقبضها والطعام في يد البائع فكأنه باع مائة دينار بمائة وعشرين دينارًا، وعلى هذا التفسير لا يختص النهي بالطعام، ولذلك قال ابن عباس: "لا أحسب كلَّ شيء إلا مثله".

 

ويؤيده حديث زيد بن ثابت: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُباع السلعُ حيث تبتاع حتى يحوزَها التجار إلى رحالهم". (أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان).

 

قال القرطبي: هذه الأحاديث حجةٌ على عثمان الليثي، حيث أجاز بيع كل شيء قبل قَبْضِهِ، وقد أَخَذَ بِظَاهِرِها مالك فحَمَلَ الطعام على عمومِه، وألحق بالشراء جميعَ المعاوضات، وألحق الشافعي وابن حبيب وسحنون بالطعام كلَّ ما فيه حق توفية، وزاد أبو حنيفة والشافعي فعدياه إلى كل مشترٍ، إلا أن أبا حنيفة استثنى العقار وما لا يُنقل، واحتجَّ الشافعي بحديثِ عبد الله بن عمر، وقال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن". (أخرجه الترمذي).

 

روى ابن ماجه في سننه من طريق عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَحِلُّ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ وَلا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ".

 

للمزيد بخصوص بيع التقسيط: أجاز جمهور العلماء البيع بالتقسيط، واستدلوا بقول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)﴾ (البقرة)، ولم يشترطْ سبحانه أن تكون المداينة بسعر الوقت الحاضر، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لَمّا قدم المدينة وأهلها يسلمون في الثمار السنة والسنتين.

 

أخرج البخاري من طريق مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْمُجَالِدِ قَالَ بَعَثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ وَأَبُو بُرْدَةَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالَا سَلْهُ هَلْ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْلِفُونَ فِي الْحِنْطَةِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُنَّا نُسْلِفُ نَبِيطَ أَهْلِ الشَّأْمِ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّيْتِ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، قُلْتُ إِلَى مَنْ كَانَ أَصْلُهُ عِنْدَهُ قَالَ مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ بَعَثَانِي إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْلِفُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ نَسْأَلْهُمْ أَلَهُمْ حَرْثٌ أَمْ لَا، وهنا لم يشترط عليه الصلاة والسلام أن يكون ذلك بسعر الوقت الحاضر.

 

وأخرج الحاكم والبيهقي بإسناد جيد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشًا فنفدت الإبل، فأمره أن يشتريَ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة

 

وشروط جوازه ما يلي:

 - أن يكون البائع مالكًا للسلعة، أي لا يجوز أن تكون السلعة في غير ملك البائع أثناء البيع.

- أن تكون السلعة مقبوضةً للبائع وهو حائزٌ لها.

- ألا يدخلَ في البيع أي شكل من أشكال الربا.

- ألا تكون السلعة المبيعة مؤجلة.

- أن يكون البيع بالتقسيط نافذًا، فلا يصح تعليق عقد البيع على أداء جميع الأقساط.

- ألا يشترط أن يزيد البائع الثمن عند التأخر عن الوفاء ببعض الأقساط، فإذا اشترط ذلك كان فائدةً ربويةً محرمة.