وفاء مشهور

بقلم: وفاء مشهور
تجد كثيرٌ من الأمهات صعوبةً في تربيةِ النشء؛ لما تحمله الأساليب العصرية من مستحدثات في التربية، فوجدت الأم نفسَها وسط زحام من أساليب وأهداف أفرزتها نظمُ التعليم وطبيعةُ المرحلة، فاختلطت عليها أولويات التربية الإسلامية، وحين نسمع أو نقرأ عمَّا يخططه أعداء الإسلام لغزو عقل المرأة والطفل، فإن ذلك يدفعنا إلى استشعار أهمية العلم بأصول وثوابت تربية النشء، بحيث نجمع بين الأصالةِ والتجديدِ، أصالة في الأهداف والأسس التي نريد تحقيقها عند تربية النشء، مع تجديدٍ في الوسائل المستخدمة بما يناسب العصرَ الحديث، فنستطيع أن نواجهَ المستحدثات التي تؤثر على تربية النشء، نأخذ المفيدَ منها الذي لا يتعارض مع التصور الإسلامي للتربية.
ولذلك فإن من عوائق التربية الحديثة أن بعض فلسفة التعليم ونظمه مأخوذ من تصور التربية الغربية، فقد يتفق تصور الغرب لتربية الفتاة مع أهدافهم، إلا أنه لا يتفق مع الأهداف التربوية التي نريد أن نحققها مع بناتنا.
ويبدو واضحًا في الإعلام بأنواعه أن الفتاةَ تُرَبَّى بأسلوب "أنا حرة".. نعم هي حرة.. فهي عندهم تصادق مَن تشاء، وتفعل ما تشاء، ولكن ما الحرية؟ وهل الحرية بهذا المفهوم تناسب شريعة الإسلام؟ هل تتفق مع التصور الإسلامي لتربية البنت؟ وكيف تنشأ بناتنا على هذه المفاهيم الخاطئة للحرية؟!!
نعم.. إن للبنت أن تختارَ صديقاتِها، ولكن وِفْقَ قول الرسول الكريم: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل"، ولها أن تختار لبسها، ولكن وفق الشروط الإسلامية لزي الفتاة.. إذن لنا أن نجدِّدَ في أسلوبِ تربية النشء، ولكن بما لا يتعارض مع الثوابتِ الشرعية التربوية، فالعلم بأصول تربية النشء يحمي المربين من الانزلاق وراء بعض الأساليب والوسائل التربوية التي قد تتعارض مع منهج الرسول- صلى الله عليه وسلم- في التربية، ولقد ورد في حديث الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق"، فمصدر تربية المسلمين على مكارم الأخلاق مأخوذٌ من الكتاب والسنة، وكلما كان هناك ربط بين التصور الإسلامي لتربية النشء والأسلوب فإنه من السهل تحقيق الأهداف التربوية المطلوبة.
ولذلك فإن أخطر ما يهدِّد العمليةَ التربويةَ حاليًا أن فلسفةَ التربية التي يتبعها بعضُ المربين في بلادنا مأخوذةٌ من الغرب، فكثيرًا ما يكون لدى المربِّي تصورٌ سليمٌ عن تربية النشء، ولكن لا يوفق في اختيار الأسلوب الذي يجمع بين روح الأصالة والتجديد.
ولنأخذ مثالاً على ذلك: كالتصور الإسلامي لتربية الصبي بطريقةِ الصحبة والصداقة، وإشعاره بكيانِه، فقد يكون التصورُ واضحًا للمربِّي، ولكن هل أسلوبه مناسبٌ للتصور، ويجمع بين الأصالةِ والتجديد في التربية، فهل أعطَيْنا الصبيَّ مكانتَه في المجتمع وفرصتَه لأن يُعبِّرَ عن ذاتِه بما يتفق مع تعاليمِ الإسلام، في حين أننا نرى فلسفةَ التربية الغربية تَستخدم أساليبَ مختلفةً في توصيل هذا المفهوم، فهي تعطي الصبيَّ الحريةَ المطلقةَ دون حدود، فهنا لا فارقَ بين الحريةِ والجرأةِ المطلقة وبين الشجاعة والجرأة المصحوبة بأدب وكلمة حق، فهذا الولد الذي قال لعمر عندما هرب الأولاد لما رأوا عمر وبقي هو، فلمَّا سأله عمر قال: لم أكن مخطئًا فأهرب، ولم تكن الطريق ضيقةً فأفسحها لك، فهذه حريةٌ في إبداءِ الرأي، ولكنها بأدبٍ وحق وعدم انفعال.
أين الشاب الذي أُعِدَّ لأنْ يقولَ كلمةَ الحقِّ بأدبٍ وشجاعةٍ، في حين أننا أطلقنا له زمامَ الحرية في أشياءَ كثيرة، نتج عنها شابٌّ مجادل وجريءٌ، وفي نفس الوقتِ سلبيٌّ وجريءٌ على شرع الله، سلبي في عطائه للإسلام، فطريقة الإسلام في التربية هي معالجة الكائن البشري كله معالجةً شاملةً دون أن نغفل شيئًا، ولا يوجد نهجٌ آخرُ يعالج الإنسانَ بهذه الدقة وذلك الشمول مثل المنه