- المنتجون: الناس تُفضل الضحك على التفكير.
- الخبراء: الانهيار الاقتصادي والاجتماعي انعكس على الفن.
- المشاهدون: نسعى للضحكِ لتخفيف الهموم.
تحقيق: روضة عبد الحميد
"اضحك كركر" هو شعار أفلام السنيما التي تحقق أعلى الإيرادات؛ بغض النظر عن المضمون أو القصة أو الفكرة أو الأبطال أو الإنتاج بل وبغض النظر عن الأدبِ والرقي في نوع (القفشة) ومستواها أحيانًا!! فالمهم هو الوصول للهدف أو الغاية وهي "الكركرة"؛ فالسنيما الكوميدية تؤمن بمبدأ "كلما ضحك الناس أكثر دفعوا أكثر"؛ فالفيلم يقاس نجاحه بحجم الكركرة فيه!!؛ واللافت للانتباه أن السنيما الكوميدية تحتل نصيب الأسد بينما تحتل السياسية نصيب الفأر؛ أما التاريخية فليس لها أي نصيب حاليًا من الأساس في الأفلام.
بل أصبحت القاعدة أنه إذا أراد الفنان الناشئ أن يصعد سلم الشهرة بسرعة الصاروخ فليتقلد بدرع الكوميدية ويقوم بها "بسفاهة واستخفاف وبلا قصة" أحيانًا كثيرة بل غالبًا حتى!!
والغريب أن الأفلام الكوميدية يكون الإقبال عليها عاليًا جدًّا أي إننا يمكن أن نوصل من خلالها فكرة أو نحيي قضية أو نبعث برسالة، ولكن للأسف هذا لا يحدث ولا يمكن، والسبب ببساطة أن ذلك قد يكون من أسباب انخفاض الإيرادات.. لا تستغرب فالمشاهدون أصبحوا يفضلون الكوميديا الهابطة، ولا داعي للعجب فضغوط الحياة جعلتهم يستسهلون وأصبحوا كسالى عن التفكير!!
![]() |
وإذا حاولنا أن نحصر الأفلام الكوميدية مقابل التاريخية أو السياسية في آخر عقد سنذكر في طليعتها أعلى إيرادات تقريبية في تاريخ السنيما المصرية حتى موسمها تقريبًا-صعيدي في الجامعة الأمريكية 26.951 م- همام في أمستردام 23.169 اللمبي 31 م جاءنا البيان التالي 7.346 م والناظر 15.869م- وبلية ودماغه العالية 14.047 م- حرامية x كي جي تو 10.068- صاحب صاحبه 7.025 مليون- شورت وفانلة وكاب 6.420 مليون- صعيدي رايح جاي 6.133 مليون ومحامي خلع 6.041 مليون وإسعاف 6.000 مليون تقريبًا عبود على الحدود 10.384 مليون عوكل 20 م وفول الصين العظيم ويا أنا يا خالتي وطرئيعوا.....
في المقابل- أيام السادات الذي حقق 12.338 وناصر 56 فحسب!!!
ولكن ما السر وراء نصيب الأسد؟
ولماذا يفضلها الشباب والمُسنون والأطفال حتى؟
ولماذا بدون قضية يستحسن ويحقق إيرادات أعلى؟!!
في البداية تقول فاطمة محسن 26 سنة أنها غالبًا تشاهد الفيلم الكوميدي مع موجةِ حر الصيف بسبب حاله الملل؛ وأنها تختار ذلك خصوصًا لأن السنيما لا تقدم حلولاً فمن الأفضل أن تشاهد مشكلات المجتمع بشكلٍ لا يخرجها مكتئبة ومهمومة ولكن تضحك!؛ ولكنها لا تفضل الأفلام منزوعة الفكرة وكاملة الضحك بمعنى أن فيلم بلية مثلاً تعرض لقضية اجتماعية وهي أطفال الأحداث ولكن في إطار كوميدي..
![]() |
هي ناقصة؟
ولكن باسم سمير (29 سنة محاسب) في مصرف فيرى أن تلك الأفلام هي الشيء الوحيد الذي يخرجه من الضيق والضغوط الكثيرة التي تحوطه؛ فهو مطلوب منه واجبات ومسئوليات عدة طوال الوقت، ولكن في رأيه أن هذه هي الحاجة الوحيدة التي يأخذها لنفسه لتخفف عنه تلك الضغوط، وهو يشاهد الفيلم السياسي الكوميدي ولكن السياسي الصِرف يقول عنه: "أنا تعبان وحدي ولا أحتاج لما يتعبني زيادة"!!، ويذكر أنه دخل وزوجته أحد الأفلام التي حققت إيرادات ضخمة وزوجته لم تضحك وكانت تنظر له باستغراب كلما ضحك، متسائلةً علام تضحك؟! فلم تجد أي شيء يضحك واستغربت حتى من الناس المحيطين بها، ولكنه قال لنا: "بفلوسي لازم احلل اللي دفعته"!!
أما مصطفى (27 سنة مهندس): فكان له رأي أكثر عمقًا، حيث يقول: إن السينما المصرية الآن في تدهور، وذلك ليس بسبب إقبال الجماهير على الأفلام التافهة، ولكن السبب أن السينما هي التي أفسدت ذوقَ الجماهير، مثلاً فيلم حقق أكبر إيرادات في الآونة الأخيرة خرجت الجماهير من هذا الفيلم وهي لا تعرف قصته؛ لأنه ليس له قصة أساسًا سوى أنه شاب سكران طول حياته في هرج وسكر ليس إلا!!، فالسبب هو أن الناس من كثرةِ التفاهة أصبحوا لا يتذوقون سواها بالإضافةِ إلى أنهم (إتبرمجوا) على الحاجات الخفيفة ذات الرتم السريع التي تسميQuick lunch؛ فلم يعد هناك قدرة احتمالية على دخول حاجة أفكر وأتشد فيها؛ ثم أن الكوميديا موجة فيها صاحب فكرة وفيها بياخدها "بهبل".
"اللايت" كوميديا
ورانيا مصطفى (محاسبة 23): تخبرنا أنها لا تحب الأفلام السياسية ولا التاريخية، وترى أنها "وجع دماغ على الفاضي"، ولكن على الجانب الآخر لا تحب الأفلامَ التافهه، حيث البطل يقوم بشخصية العبيط أو المتخلف أو السكران، حتى لو كانت كوميدية، ولكن الأكيد أنها تفضل الكوميدي غير التافه؛ لأن الناس (مودها مش حلو دايما وعاوزة ترفه عن نفسها؛ عشان كل هذا بيعتمد على الموود) باختصار تفضل اللايت كوميديا حيث تستحمل فكرة أو قضية مغلفة بالكوميدية.
بينما مصطفى عبد الله- مدير خدمة عملاء 29- فكان له رأي مختلف، فهو يفضل دخول تلك الأفلام؛ لأنه يرى فيها حياة طبقة لا يمكنه اقتحامها في الحقيقة، فمثلاً شخصية اللمبي وأطفال الأحداث وغيرها كل علاقته بهم ليست إلا مَن يمسح له سيارته أو يلمع له حذائه!!
السخرية
أما الممثل الكوميدي المصري محمد سعد الذي حقق إيرادات قُدِّرت بنحو 70 مليون جنيه في ثلاثة أفلام فقط هي "اللمبي" و"اللي بالي بالك" و"عوكل"، مما حدا بناقد كبير مثل سمير فريد أن يطلق عليه لقب "نجم نجوم السينما المصرية" بمقاييس الإيرادات، بالإضافة إلى أن اللمبي" حقق أكبر إيراد في تاريخ السينما المصرية حتى اليوم عندما حقق 31 مليون حيث بات يُشكِّل علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية على حدِّ قولهم!!، حيث إنه حطَّم كل الإيرادات التي تحققت لفيلم واحد من قبل، وكان يحقق في أيام عرضه الأولى مليون جنيه يوميًّا.
ويرجع السبب "إلى أن السخرية هي كوميديا المصريين "وتنبع من غمس آلامهم وأحزانهم في بحيرة ضحك كبيرة والنكت الرائجة في الشارع المصري دائمًا تجدها من قلب المأساة" وعن فيلم اللمبي" يقول" أعتقد أن اللمبي "كان يعبر عن مضمون بسيط وبلا أي تعقيد"!!
أما أحمد السبكي المنتج الذي تحتل الكوميديا من إنتاجة نصيب الأسد فأكد لنا بتلقائية سريعة أن السبب هو "أن الناس عايزة تضحك" أما تجنب لمحة السياسة والتاريخ فسببه أن الناس "مش ناقصة تفكر"، بالإضافة إلى أن الكوميديا ليس بها مخاطرة مالية بخلاف السياسي والتاريخي، وإن أقل فيلم كوميدي حقق معه إيراد 2 مليون كان ابن عز، وأعلى فيلم كان بوحة حيث حقق 30 مليون، والسبب في تلك الفجوة الربحية هو إن ابن عز كان "الضحك فيه قليل" وبوحة "الضحك فيه كان كتير".
ويتفق أسامة الرشيدي (مدير إحدى السنيمات) مع كلام المنتج السبكي، مؤكدًا أن الذي يحتل نسبة أعلى من برنامج العرض لديهم "هو الكوميدي طبعًا؛ وذلك لأن الإقبال عليها أعلى لأن الناس لا ينقصها هموم.. هكذا قال بتلقائية واضحة؛ ثم استطرد: وللأسف لم يعد هناك إنتاج تاريخي منذ فترة طويلة جدًّا، وأما عن الجانب السياسي فلم يوجد أيضًا إنتاج يمثله منذ آخر أفلام نادية الجندي تل أبيب".
شباك التذاكر!!
وعن معيار نجاح أي فيلم أوضح أن النجاح يتحدد من شباك التذاكر وليس الفكرة أوالإنتاج أو الأبطال؛ إنما فقط أي الإيرادات هي مقياس نجاح الفيلم أو هبوطه!!
وحول سبب إقبال الناس على الفيلم الكوميدي قال:" الذوق يتغير تبعًا لضغوط الحياة وزمان كان الواحد يتفاخر أنه بكى في آخر الفيلم!!، وذلك لأن الواحد كان كل شيء يجعل حياة الفرد في مجملها سعيدة؛ أما الآن فمن الممكن أن يتقاتل على شباك التذاكر من أجل أن يضحك خمس دقائق فقط، وذلك لأن ضغوط الحياة أصبحت ثقيلة فيشتاق للضحك، وحتى أصبح يفضل الضحك بدون قضية أو فكرة لأنها مش ناقصة هم!!
أما الناقد والمخرج محمد عبد العزيز- فقد أكد أن كثيرًا من الأفلام الكوميدية منقول عن أفلام أجنبية، بالإضافة إلى أن المنتجين يخافون أن يغامروا بـ6 أو 8 مليون؛ فأصبح عندنا حاله استسهال، وصار الفيلم مثل الوجبة الاستهلاكية، ويخاف أن يفكر في أي شيء جديد، وذلك كله يعتمد على ثقافة المنتج والنجم والمؤلف ووجهة نظر السيناريست، وللأسف في مصر أي فيلم كوميدي لا بد أن يكون (تافه) والناس تذهب إليه لتضحك فحسب؛ بينما في السنيما الأوروبية الأفلام الكوميدي بيكون لها أبعاد سياسية واجتماعية وكوميدية جدًّا.. فمثلاً في مهرجان الأفلام الأوروبية كان هناك فيلم يوناني كوميدي للغاية، ولكنه كان يناقش قضية أهالي تركيا اللأرثوزكس الذين هاجروا لليونان، حيث إن أعضاء نفس المذهب مطرودون من الحكومة التركية ثم يعانون الأمرَّين عكس ما تخيلوا تمامًا وينتهي الفيلم بعودتهم لتركيا حيث الوطن الحقيقي لهم.
محمود شكوكو
وكذلك في تاريخ السنيما نجد لدينا فيلم "عنتر ولبلب" الذي كان بطله شكوكو النجم الكوميدي رغم أن الفيلم كان له بعدٌ سياسيٌّ واضحٌ ولكن في القالب الكوميدي، حيث كان "سراج منير" قادم بالعادات الغربية على الحارة لينشأ مرقص (ممثل الاحتلال) ثم كانت المقاومة من شكوكو الذي أقسم أن يعطي له 7 أقلام على وجهه، وكان يهتف بالجلاء باعتباره دخيلاً عليهم؛ وكل ذلك في إطار كوميدي للغاية ومليء بالمفرقعات الكوميدية الظريفة، واللافت أن وقت ظهور ذلك الفيلم كان قبل الثورة أي متوافق مع الظروفِ السياسية بفكرته.
ضحكات عصبية
وأخيرًا يحلل الدكتور هاشم البحيري- الأستاذ بجامعة الأزهر- موضحًا أن موجة هذا النوع من الفن بدأت مع الحرب العالمية الأولى والثانية وفترات احتلال مصر المختلفة، وذلك لأنه ببساطة كلما كان هناك انهيار في المجتمع على المستوى الاقتصادي والاجتماعي تلقائيًّا انتشر الفن الهابط الذي سوف يجعلهم يكملون حياتهم مع ملاحظة أن الضحكات ذات الصوت العالي أحيانًا تكون ضحكات عصبيه، وذلك يرجع للتوتر داخل الإنسان ففي التوتر يحتاج الإنسان أن يخرج من ذلك الشعور بأسرع ما يمكن وبالتالي في هذه الحالة يريد الوجبات السريعة حتى يخرج من تلك الأزمة بأسرع ما يمكن.
وهنا لدينا حلول عملية ومنطقية جدًّا للخروج من ذلك الشعور وتلك الأزمة ولكن ما نختاره من حلول ونطبقها تدل على أن الانسان لا يفكر، وما نقوم به هو الحلول الضحلة جدًّا والسطحية؛ وهو أن نوقف الاكتئاب والضيق بتلك الأفلام التي تشبه المخدر الموضوعي؛ ولكن هو حل سريع ليس له أبعاد إنسانية أو منهجية في الفكر، فهو يشبه طريقة إسكات الأطفال بأن نشغلهم بشيء آخر دون إدراك لنموه النفسي؛ كذلك الشعب مطحون وعنده مشكلات "فنفرفشه" ونشغله بشيء دون حل مشاكله.
أما في منتصف القرن الماضي تقريبًا فقد كان الجمهور عنده الرغبة والقدرة على استيعاب الأفكار الجديدة وأن يفكر ويبدع ويتأمل الحياة ويستفيد من تجارب الآخرين؛ أما الآن فالمجتمع كله منشغل بإشباع الحاجات الأساسية؛ فالشباب يبحث عن عمل ويفكر في الزواج ولا يجد قوت يومه، بينما الأب منشغل بتوفير تعليم ومدارس جيدة لأبنائه ودروس خصوصية مهلكة له و...؛ فأصبح الجميع منشغلاً بالمشكلات الأساسية اليومية الحياتية الروتينية ولم يعد هناك قدرة على تشغيل المخ فلقد أصبحنا نعيش وفقط.
التوليفة
ويؤكد د. البحيري أن موجة ذلك الفن بدأت من أيام النكتة السريعة لحمادة سلطان الذي كان يقول 500 نكتة في الدقيقة ويتسع ثغرك لآخره، ولكن لا تتذكر أي نكتة منها بعد لحظة واحدة؛ لأنها لم تعلم في حياتك ولم تترك بصمة ذات قيمة.
وكلنا في الأساس نحتاج لتوليفة في حياتنا تتكون من شيء سعيد وشيء روتيني والحزن والاكتئاب وكلما يكون الإنسان مشغول في سد احتياجاته الشخصية فمخه لا يقدر أن يستوعب، إلا أن يصبح إنسانًا تابعًا يعيد ويقلد الآخرين ولا يكون مبدعًا؛ فكلما كان مشغولاً كان لديه القدرة والرغبة في الإبداع.
والحل لتلك المشكلة في يد الطبقة المثقفة التي هي أمل الأمم دائمًا وطوق النجاة في كل زمن، وإن كنا لا ننكر أن تلك الطبقة مطحونة حاليًا ولكن لا بد أن تقف قليلاً وتفكر ولا تفكر وتبدع ولا تصبح تابعة وتحاول إيجاد حلول ولا تفقد الأمل وتقدم الحلول المبدعة، ولكن لن تنجح إلا من خلال إستراتيجية منظمة.

