المفتي: د. حسين شحاتة الأستاذ بجامعة الأزهر خبير استشاري في المعاملات المالية الشرعية

 

- معنى البيع بالأجل

هو أن يبيع الرجل الشيء بثمن مؤجل السداد، وهو عكس البيع النقدي، أي تسليم الشيء المبيع الآن، وسداد ثمنه بعد أجلٍ معلوم مرة واحدة أو على أقساط، مثال ذلك أن تشتري سيارة من معرض للسيارات وتتسلمها، وتسدِّدَ ثمنها للمعرض بعد فترة زمنية أو على أقساط حسب الاتفاق.

 

- أدلة جواز البيع بالأجل

لقد جاء في القرآن الكريم ما يثبت شرعيةَ بيع الأجل، فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (البقرة:282)، ولقد ورد في تَفْسِيرِ هذه الآية أنها نزلت في المعاملات الآجلة.

 

وصحَّ عن النبيِّ أنه اشترى بالأجل، فَعَنْ عائشة رضي الله عنها قالت: "تُوُفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونةٌ عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير" (رواه مسلم)، وعنها أنها قالت: "اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهودي طعامًا بنسيئة- أي بالأجل- ورهنه درعًا له من حديد" (متفق عليه).

 

ولَقَد أجاز جمهور الفقهاء البيع بالأجل لحاجة الناس إليه، وحتى يكون بيع الأجل صحيحًا نافذًا يجب أن يستكمل أركان البيع وشروطه ومن أبرزها: تعيين الثمن والأجل، فإذا تراضى الطرفان (البائع والمشتري) على الثمن والأجل المحددين كان البيع صحيحًا نافذًا.

 

- حكم أن يكون ثمن البيع الأجل أعلى من ثمن البيع النقدي

لقد أجاز الفقهاء أن يكون ثمن البيع بالأجل أعلى من ثمن البيع النقدي الحال، وقالوا إن هذا البيع صحيحٌ، حيث لا يوجد دليلٌ شرعي معتبرٌ ينص على حظرْه أو منعه؛ حيث إن الأصل في المعاملات الإباحة، والأصل براءة الذمة حتى يأتي الحاظر أو المانع، كما أن الإنسان له مطلق الحرية في معاملة الأشخاص، فيبيع لمشترٍ معين بثمن يختلف عن الثمن الذي يبيع به لمشتر آخر، فله مطلق الحرية في أن يبيع بالنقد بثمن يختلف عن ثمن الأجل أو التقسيط، وهذا كلُّه يدخل في عموم قوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة :275).

 

- ما الفرق بين البيع الآجل والاقتراض بفائدة لشراء سلعة ما؟

يتساءل كثيرٌ من الناس عن الفرق بين شراء سلعة من تاجر بالأجل والاقتراض من البنك بفائدة لشرائها.

 

* التكييف الشرعي لعملية شراء سلعة بالأجل: فرضًا ثمنها نقدًا مبلغ 10000 دينار إسلامي، وثمنها لأجل سنة 11000 دينار، يكون التكييف الشرعي لهذه لعملية: عقد شراء سلعة بالأجل، وهذا جائز شرعًا.

 

* التكييف الشرعي لعملية اقتراض مبلغ من البنك مقدراه فرضًا 10000 دينار إسلامي على أن يسدد بعد سنة بفائدة 10%، يعني 11000 دينار اسلامي، ويستخدم هذا القرض لشراء سلعة ما، التكييف الشرعي لهذه العملية هو: عقد قرض بفائدة وهو غير جائز شرعًا.

 

والفرق بين العمليتين السابقتين هو:

يحكم العملية الأولى عقد شراء سلعة: بائع ومشترٍ، وموضوع العقد هو: السلعة، وصيغة العقد: شراء بالأجل أي أن هناك سلعةً وسيطةً في التعامل، وهذا جائزٌ شرعًا؛ لأن اللَّهَ أَحَلَّ الْبَيْعَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، بينما يحكم العملية الثانية عقد القرض: مقترض ومقرض، وموضوع العقد: القرض، وصيغة العقد: قرض بفائدة، وهذا محرمٌ، حيث إن كلَّ قرضٍ جرَّ نفعًا فهو ربا"، ولقد أجمع فقهاء الأمة الإسلامية أن فوائد القروض وما في حكمها هي الربا بعينه.

 

وبالرغم من أن العمليات الحسابية والمالية للعمليتين السابقتين فيهما تشابه، مما يسبب خلطًا على الناس،إلا أن الأولى جائزةٌ شرعًا؛ لأنها عقد بيع والثانية غير جائزة شرعًا؛ لأنها عقد قرض بفائدة، مثلهما مثل النكاح الذي يتم على سنة الله ورسوله، والسفاح المخالف لشرع الله ولسنة رسوله، وبالرغم من تماثل العلاقة الجنسية في الحالتين، فالولد في الحالة الأولى يأتي من نكاح وفي الحالة الثانية يأتي من سفاح (ابن زنا).

 

فأحيانًا يكون الفرق بين الحلال والحرام شعرةٌ بسيطةٌ، لا يعرفها إلا مَن يفقه دينه، ويتقي الله عز وجل، ولقد ختم الله سبحانه وتعالى آيات الربا بقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّي كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ (البقرة:281).