بقلم: عماد عجوة

البساتين والحدائق بمختلف أغراسها وأشجارها مصدر الصحة والجمال، وحيثما وُجدت البساتين وأشجارها كانت الحياة، وحيثما انعدمت صارت الأرض صحراءَ مقفرةً لا ظلَّ فيها ولا خيرَ ولا جمالَ، وللبساتين وأشجارها قيمةٌ في حياة المدينة، ويندر أن نجد وعيًا متكاملاً بفوائدِ الانتفاع بالنباتات المستعملة في تصميم الحدائق والبساتين، فهي تحفظ التربة من الانجراف، وتحمي الأرض من التآكل، إلى جانب الاحتياجات المتزايدة إليها لتوفيرِ الأخشاب اللازمة للصناعات الخشبية كالأثاث وأعمال النجارة والبناء.

 

وتعد البساتين والحدائق بأشجارهما رئة التنفس للمدينة، لما تقوم به من دورٍ أساسي في الصحة العامة للسكان؛ حيث تقوم بتحويلِ ثاني أكسيد الكربون إلى الأكسجين، مما يساعد على تجديدِ الهواء وتنقيته، ويؤدِّي إلى ترشيح الجوِّ منه وتخفيض تلوث الهواء نتيجة لعملية التمثيل الضوئي، ولا يتوقف تأثير البساتين بأشجارها عند هذا الحد، فإحاطة المباني بمجموعاتٍ من الأشجار دائمة الخضرة والشجيرات يحقِّق لها هدفيَن أساسيَّيْن، أولهما اعتراض أشعة الشمس قبل وصولها إلى سطح الأرض، مما يؤدِّي إلى إيجادِ المناطقِ المظلَّلة التي تقي من حرارةِ الشمس، وخاصةً في فصل الصيف.

 

وثانيها أنها تعمل على تقليل سرعة التيارات الهوائية المحملة بالأتربة والرمال التي تملأ جو القاهرة، خاصة أثناء العواصف الرملية ورياح الخماسين، فتقوم الأشجار بامتصاص قدرٍ كبيرٍ من الأتربة العالقة في الجو والتقاطها على الأوراق والتخلص منها عند سقوط المطر أو بواسطة الماء الذي تفرزه الأوراق.

 

ولثمار الفاكهة التي تنتجها البساتين قيمتها الغذائية؛ لما تحتويه من عناصرَ معدنية وفيتامينات، فضلاً عن بعض السكريات والأحماض العضوية والألياف، كما أن بعضها غني بالكربوهيدرات والزيوت والبروتينات، مما يرفع من القيمة الغذائية، ووفَّرت البساتين وأشجارها وأزهارها أيضًا خواصًّا ومزايا طبيةً وعطريةً؛ حيث استخدمت أوراقها وثمارها في الكثير من العقاقير الطبية، أما النباتات الطبية والعطرية فاستُخدمت في صناعةِ الدواء، ومنها ما يستخدم في أوصاف علاجية، فأشجار الجميز مثلاً عدَّد ابن سينا فوائده، فيذكر أن لبنه وعصارة ورقه يقلعان آثار الوشم، كما استخدم لبن الجميز كملزق للجراحات، وهكذا نجد الأهميةَ الكبرى صحيًّا واقتصاديًّا وطبيًّا وغذائيًّا للبساتين والحدائق، والتي شكَّلت مع مصادرِ المياه بالقاهرةِ حياة اجتماعية راقية.

 

وقد عُرفت زراعة البساتين في جميع المدنيات القديمة، ويذكر كُتَّاب الكلدانيين والعرب الذين أخذوا عنهم أن سيدنا آدم عليه السلام هو أول من علَّم الإنسان فنَّ الزراعة، ويذكر المسعودي أن سيدنا آدم عليه السلام لمَّا خرج من الجنة وهبط إلى الأرض كان معه أصنافٌ من بذور الحبوب وأشجار الفاكهة المشهورة، فزرعها وعلَّم أبناءه طرق زراعتها، لذلك يرجع تاريخ فلاحة البساتين إلى تاريخ البشرية نفسها.

 

الإسلام وحثه على زراعة البساتين

لقد حثَّ الإسلام على أن يعمِّرَ الناس الأرضَ بالغرس والزرع المثمر، فيما يُعرف بالبساتين والحدائق، والتي ورد ذكرها في الكتب السماوية، فوردت في أكثرَ من موضع في القرآن الكريم الذي لم يدعْ كبيرةً ولا صغيرةً إلا أحصاها، ورسمت كثيرٌ من الآيات فكرةَ الجنة عند المسلم، ولذلك كان الاهتمام بزراعة الحدائق والبساتين، واشتمالها على أنواع الأشجار التي تضمنتها الآيات الكريمة؛ حيث تضمَّنت الآيات العلاقةَ الوثيقةَ بين الماء والزرع، سواء الماء المُنزَّل من السماء أو الخارج من باطن الأرض، وكذلك ما تنتجه الأرض من زرع ونبت ومن هذه الآيات:

 

يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ في ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (سورة الأنعام:99) ويقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (سورة الأنعام:141) ويقول تعالى: ﴿يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ في ذَلِكَ لأيةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة النحل:11) ويقول تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ (سورة يس:33: 35).

 

كما يقول الله تعالى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُـونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ (سورة عبس:25 : 32) وعن أهمية المياه الجوفية يقول الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ في الأرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابِ بِهِ لَقَادِرُونَ فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (سورة المؤمنون:18: 19) ويقول تعالى:﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا﴾ (سورة النازعات: 30 ،31).

 

وكذلك حثَّت الأحاديث النبوية على زراعة البساتين والأشجار المثمرة، فيقول النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ غَرَسَ غَرْسًا فَأَكَلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ إِلاَّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ"، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُبْشِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً في فَلاَةٍ يَسْتَظِلُّ بِهَا ابْنُ السَّبِيلِ وَالْبَهَائِمُ عَبَثًا وَظُلْمًا بِغَيْرِ حَقٍّ يَكُونُ لَهُ فِيهَا صَوَّبَ اللَّهُ رَأْسَهُ في النَّارِ" (رواه أبو داود في كتاب السنن)، ومن الأحاديث النبوية أيضًا التي تحث على زراعة الأشجار قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا قامت الساعة ووجد أحدكم في طريقه نواة بلح فليزرعها وقوله: "من قطع شجرة فليغرس مكانها".

 

ولذلك ومن هذا المنطلق الإسلامي بلغت فلاحة البساتين شأنًا عظيمًا لدى المسلمين، ففي مصر مثلاً يعتبر العرب المسلمون أولَّ من أدخلوا نباتاتِ الأشجار والفاكهة الآسيوية، ولهم السبق في نشر زراعة الفواكه الحمضية من مناطقِ البحر المتوسط وأسبانيا، وانتشرت البساتين بعواصم مصر الإسلامية وظواهرها، وقدَّم لنا المؤرخ المصري تقي الدين المقريزي عرضًا رائعًا لبستان خماروَيْهِ بن أحمد بن طولون، وما يحتويه من أنواع الشجر والرياحين، حيث حُمل إليه كل صنف من الشجر المطعم العجيب وأنواع الورد وزرع فيه الزعفران، واستخدم عنصر المياه والشجر في سيمفونية عجيبة الصنع.

 

فكُسيت قامات النخيل بالنحاس المذهَّب, وجُعل بين أجساد النخيل والنحاس ما يزيد من الرصاص أُجريَ فيها الماء, فينحدر منها في فساقيٍّ يتصل بها مجارٍ مائيةٌ معدة لسقي البستان وغرسه بكافة أنواع الأشجار المحلية والمستوردة.

 

وقد أُهديَ إلى خماروية نباتاتٌ كثيرة من خراسان, ومِن أبدع ما اتُّبع في البستان استخدام أسلوب التطعيم, وكان البستاني يُطعم شجر المشمش باللوز وغير ذلك, وكذلك أسلوب التقليم، فكانت أشجار البستان يتعهدها البستاني بالمقراض، لدرجة أنه كانت لا تزيد ورقة على ورقة أخرى، على حدِّ قول المقريزي، ويمثِّل موقع هذا البستان حاليًا المنطقة الواقعة فيما بين الجامع الطولوني وميدان صلاح الدين بالقلعة.

 

وكذلك سار الإخشيديون على نهج الطولونيين بالاهتمام بفلاحة البساتين، حيث أنشأ أمراؤهم بساتينَ فاخرةً, ومن أهمها في نطاق موضع القاهرة بستان كافور الإخشيدي الذي أنفق في تشييده الأموال الطائلة، ومع تأسيس الفاطميين لدولتهم في مصر وإنشاء القاهرة شهدت فلاحة البساتين تطورًا كبيرًا في الانتشار، فزرعوا البساتين ذات الأشجار الباسقة، وكانت حسنةَ الوضع بديعةَ التنسيق، ولم تكن حدائقهم وبساتينهم صغيرةً بأي حال, ولكنَّها كانت متسعةً، وزاد من إبداعها وجودها على شاطئ النيل والخلجان، كما زُيِّنت بمختلفِ أشجارِ الفاكهة والأغراس، وتخلَّلتها مناظرُ جميلةُ الموقع.

 

ويرجع الفضل للأيوبيين في إدخالِ زراعة البرتقال إلى مصر، وأشجار الفاكهة الحمضية مثل النارنج والترنج، ووفد على مصر في ظل الدولة الأيوبية العالم النباتي والعشاب الأندلسي الشهير ابن البيطار، الذي خدم في أيام الملك الكامل عدة سنين، كما تحدث العالِم عبد اللطيف البغدادي الذي وفد على مصر أيضًا عن نباتاتِ مصر وعن فلاحةِ البساتين بها، ولم تتأخرْ دولة المماليك بسلاطينها وأمرائها عن العنايةِ بشئون فلاحةِ البساتين، فقد انتشرت زراعةُ الفاكهةِ والزهور في داخلِ قصورِهم وحولها، كما امتلكوا بساتينَ عامة كبيرة المساحة، وعدَّد لنا كثيرٌ من المؤرخين المعاصرين للدولةِ المملوكية كثيرًا من بساتينهم وما غرس بها من أنواع أشجار الفاكهة والزراعات.

 

رؤية المؤرخين لبساتين القاهرة

لفتت بساتين القاهرة وحدائقها أنظارَ المؤرخين والرحَّالة باتِّساعها وجمالها، وما تحويه من أجودِ أنواع الثمار والأشجار وشتى الأغراس، فأنشد إبراهيم بن القاسم الكاتب الملقب بالرشيق، وهو يتشوَّق إلى القاهرة، وقد خرج منها سنة 386هـ / 996م في أيام الخليفة الحاكم بأمر الله، قصيدةً يتغنَّى فيها بمصرَ والقاهرة وظواهرها بما تحويه من بساتين، فيذكر منها:

وبالمقس والبستان للعين منظرٌ           أنيقٌ إلى شاطئ الخليج إلى القصرِ         

فكم بين بستان الأمير وقصرِه               إلى البركةِ النضراءِ من زهر نضر         

تراها كمرآةٍ بدت في رفارفٍ                من السُّندس الموشى تنشر للتجر         

 

ويذكر الرحلة الفارسي ناصر خسرو- الذي زار مصر في الفترة من 439-442هـ / 1047-1050م- بساتين القاهرة بقوله: "وفي المدينة بساتين وأشجار بين القصور تُسقى من ماءِ الآبار، وبها بساتين لا نظيرَ لها".

 

وأفرد ابن مماتي المتوفَّى سنة 606هـ / 1209م بابًا في كتابه "قوانين الدواوين" تحدَّث فيه عن أصنافِ المزروعات، وذكر فيه أن الخراجَ عن أشجار الفاكهة يكون بعد اكتمالها أربع سنوات، ثم ذكر أوقات إدراك كل فاكهة وما تحتاج إليه الأشجار من عمال وسواقيين وخولة وأبقار وسواقي مياه، ثم ذكر مواعيدَ تقليم الأشجار وريِّها وعزيقها وتكاليف حراثها، وأفرد عبد اللطيف البغدادي المتوفَّى سنة 626هـ / 1231م جزءًا كبيرًا بكتابه عن النباتات والأشجار المزروعة بمصر والقاهرة، وذكر معلوماتٍ قيمةً عن أشجارِ اللبخ والنخيل والجميز والموز، وتحدَّث عن أشجارِ الحمضيات، وذكر منها الأترجَّ والليمون، كما تحدَّث عن اللوز والسدر والتيل، ومن الزهور ذكر البنفسج، وكلها أشجارٌ زُرِعت في بساتينِ القاهرة وجناينها، كما أسهب البغدادي في وصفِ أشجار البلسان ببساتين عين شمس بظاهر القاهرة الفاطمية.

 

ولفتت بساتين القاهرة نظرَ ابن سعيد المغربي (الرحَّالة الأندلسي المتوفَّى سنة 685هـ / 1286م) فيحدثنا عنها بقوله: "وفي القاهرة أزاهيرُ كثيرةٌ غير منقطعةِ الاتصال، وأكثر ما فيها من الثمرات والفواكه الرمان والموز والتفاح والخوخ والأجاص"، كما عدَّد أنواع الأزهار والرياحين ببساتين القاهرة، فذكر منها الورد والنرجس والنسرين واللينوفر والبنفسج والياسمين والليمون الأخضر والأصفر، وأنشد العلامة جلال الدين محمد الشيرازي المعروف بإمام منكلي بُغا القاهرة شعرًا يعبِّر فيه عن بساتين وحدائق وجناين القاهرة، فيذكر:

حي ربا مصر وجناتها                      وحورها العين وولدانها

ودورها الزهر وساحاتها                    وبين قصريها وميدانها

وأرضها المخصب أرجاؤها                 ونيلها الزاهي وخلجانها

ومنية السيرج لا تنسْها                      وقرطها الأحرى وكتانها

 

ويذكر ابن فضل الله العمري المتوفَّى سنة 749هـ / 1349م حاضرةَ مصر القاهرة، وبها البساتين الحِسان والمناظر النزهة والآدر المطلة على البحر وعلى الخلجان الممتدة، ويذكرها وبها العمائر الضخمة، ولها المتنزهات المستطابة، وهي من أحسن البلاد إبان ربيعها لما يحف خلجانها من زروع أَخرجت شطأها وفُتقت أزهارها، وحدَّثنا العلامة القلقشندي المتوفَّى سنة 821هـ / 1418م عن القاهرةِ ورياحينها وعدد منها الآس والورد والبنفسج والنرجس والياسمين والنسرين وأزهار الحمضيات والريحان على اختلاف أنواعه، ثم ذكر من فواكهها الرطب والعنب والتين والرمان والخوخ والمشمش والبرقوق والتفاح والكمثرى والسفرجل واللوز والتوت والموز، ومن الحمضيات الأترج والحماض والكباد والنارنج والليمون.

 

وأكثر المؤرخين الذين اهتموا بالحديث عن بساتين القاهرة في فتراتها المتعاقبة العلامة المقريزي المتوفَّى سنة 845هـ / 1440م، حيث كانت القاهرة وظواهرها عامرةً بالبساتين الأنيقة، وأمدنا بمعلوماتٍ قيمة عن أشجار الفاكهة بها، وأوقات زروعها، وتقليمها وريها، فيذكر أن التين والتفاح يغرسان في أمشير، واللوز والخوخ والمشمش تبل في ماء طوبة ثلاثة أيام، ثم تُغرس أشجارها، ويُزرع الموز الشتوي في طوبة، والصيفي في أمشير.

 

كما جذبت بساتين القاهرة ابن ظهيرة المتوفَّى سنة 891هـ / 1486م، فيذكر ضواحي القاهرة يكثر بها المناظر العالية والمياه الجارية، وفيها كثيرٌ من الأشجار النضرة والأزهار العطرة والرياحين والفواكه من غالب الثمار، وذكر لنا السيوطي المتوفَّى سنة 911هـ / 1505م أنواعًا كثيرةً من أنواع أشجار الفاكهة وعدَّد مميزاتها، ويحدِّثنا ابن إياس المتوفَّى سنة 930هـ / 1524م عن الأشجار المزروعة بحدائق مصر والقاهرة، فيذكر منها نبات البلسان الذي لا يُزرع إلا بحدائقِ المطرية، والنارنج والأترج والخوخ الزهري الأحمر، وعدَّد من محاسن مصر وجود السبع زهرات التي تجتمع في وقتٍ واحد، وهي النرجس والبنفسج والبان والورد والنارنج والياسمين والورد، وهكذا يتضح لنا ما كانت تتمتع به مدينة القاهرة من جمال الخضرة من خلال بساتينها وحدائقها، وعظمة التاريخ من خلال آثارها الإسلامية.

 

فأين القاهرة اليوم بحدائقها وبساتينها التي تغنَّى بها القاصي والداني من الشرق والغرب؟!! لك الله يا قاهرة المعز، ولله الأمر من قبل ومن بعد.