تحقيق: علي عبدالعال
رغم الحياة الجديدة التي دبَّت بين أروقةِ مجلس الشعب المصري (البرلمان) مع دخول عددٍ كبيرٍ- نسبيًّا- من النوابِ المستقلين والمعارضة والمنتمين إلى جماعةِ "الإخوان المسلمون"، في أعقاب الانتخابات الأخيرة، مقارنةً بالدوراتِ البرلمانية السابقة، إلا أنَّ النظامَ المصريَّ لا يزال مُصرًّا على اعتبارِ مجلس الشعب مؤسسةً (شكلية) لا دخلَ لها بما يجري على الساحة الرسمية أو ما تصدره الحكومة من قراراتٍ تتعلَّق بالشأنِ العام.
ويبدو ذلك حقيقةً ماثلةً، من خلال مدى استجابة الوزراء وأعضاء الحكومة لما يطرحه مجلس الشعب من قضايا تتعلق بأدائهم، وكان "التقرير الإستراتيجي العربي"- الصادر عن مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام- قد رصد عدة حقائق تتعلق بأداء مجلس الشعب في الدورة البرلمانية الماضية منها: أن نسبةَ حضور الوزراء في المجلس للردِّ على الاستجوابات وطلبات الإحاطة بلغت 28.2% فقط، ويعلق التقرير على هذه النسبة بقوله: إن نسبة الحضور هذه تُوضِّح شكلَ العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وإدراك الوزراء لهذا التوازن، مما أثر على نسبة حضورهم في جلسات الاستماع.
وفي هذا الشأن يُذكر على سبيل المثال أن رئيس الوزراء لم يحضر الجلسة التي أُلقي فيها تقرير لجنة الرد على بيان الحكومة، وأن كلاًّ من وزيري الداخلية والخارجية لم يحضرا أية جلسة من جلسات المناقشة الـ17، بينما لم يشارك وزيرا الدفاع والطيران المدني، إلا بحضور جلسةٍ واحدةٍ من تلك الجلسات.
إن هذه النسبة المحدودة من الحضور لها مضمونها السلبي بالنسبة لمدى اهتمام الوزراء بما يُطرح من آراء وتقييمات عن أداء وزاراتهم من قِبَل مثلي الشعب.
وبالإضافة إلى إفساد الدور النيابي- من خلال هذه الممارسات- يسجل المتابعون أن مستوى تفاعل وخدمة الوزراء النواب في دوائرهم الانتخابية لا تتعدَّى مجرد لافتات معلقة لتهنئة أهالي الدائرة بالأعياد أو المناسبات.
كما أفاد التقرير الإستراتيجي بأن الدورةَ المذكورةَ اتسمت بتأخير الوزراء في الردِّ على كثيرٍ من طلبات الرقابة البرلمانية، وأضاف إلى ذلك دور رئيس المجلس، الذي يرفض اعتماد استجوابات الوزراء إلا بشروط، ومنها احتواء الاستجواب على مستنداتٍ لا بد من تقديمها لإدارة الجلسة، قبل مثول الوزير للاستجواب، حيث كان رئيس المجلس قد سنَّ تحديدَ عدد الاستجوابات في أن يكون هناك استجوابٌ واحدٌ فقط كلَّ شهر!! بحجة الانتقال إلى جدول الأعمال.
ويرى المتابعون للشئون البرلمانية في مصر هذه الوقائع على أنها انتهاكٌ وخرقٌ خطيرٌ للدستور، الذي يعطي الحقَّ لنواب البرلمان في مساءلة الحكومة والوزراء في أي وقتٍ في إطار تحقيق المصلحة العامة للبلاد.
ومن المشكلات الرئيسة التي تواجه المجلس بشأن الاستجوابات هو ما يتعلق بموعد مناقشاتها، فإدارة المجلس والحكومة عادةً ما يتهربان من إلزام المجلس بمواعيدَ محددةٍ للمناقشة، بسبب ما يدركانه من الإزعاج الشديد الذي تشكله هذه الاستجوابات، نتيجة المساءلة البرلمانية للوزارة، وذلك على الرغم من أن الرقابة البرلمانية هي إحدى وظيفتين أساسيتين للمجلس إلى جانب الوظيفة الرقابية، الأمر الذي يعبِّر عن وجود قدرٍ من المماطلة المستمرة ومحاولات متكرِّرة لمنع وجود أية معارضة داخل المجلس.
وكذلك عدم إطلاع إدارة الجلسة على المستندات الخاصة بالاستجوابات، لأن ذلك يعني تسريب هذه المستندات للوزير الذي يقوم بدوره في إخفائها أو التلاعب فيها، وهذا ما حدث فعلاً عندما تقدم العضو البرلماني (البدري فرغلي) باستجواب عن مخالفات وزير الإسكان وفوجيء بعدها أن المستندات في حوزة وزير الإسكان الذي هو عضو بمجلس الشعب!! ووجه المجلس الشكر للوزير على جهده بدلاً من أن يُحاسبه.
طابع سلطوي
وواقع الأمر أن المشكلةَ الرئيسةَ في إفشال وهدر الاستجوابات خاصة، والرقابة البرلمانية عامة، أنها تؤسَّس على سلوكيات ذات طابع سلطوي، لا تستقيم أصلاً مع الأداء البرلماني الذي يستند بحكم طبيعته إلى حق الاختلاف والنقاش، وح