تحقيق- سالي مشالي
يزداد عدد الفتيات اللاتي يعانين من العنوسة يومًا بعد يوم، فآخر إحصائية صادرة في السعودية عن وزارة التخطيط سجلت أن عددَ الفتيات اللاتي لم يتزوجن وتجاوزن سنَّ الزواج اجتماعيًّا (30 سنة) بلغ حوالي مليون و529 ألف، وفي العراق النسبة تزيد على 35%، وتتعدد أيضًا أسباب هذه العنوسة، للظروفِ الاقتصادية، أو البطالة، أو ارتفاع المهور، أو أسباب أخرى حسب ظروف كل بلد، ولكن هل يمكن أن يكون سبب العنوسة أن العروسة.. جميلة؟؟؟
بلا عيب
هي طبيبة ناجحة، من أسرة مرموقة، على خلقٍ ودين، وفوق هذا جميلة جدًا، ورغم هذا تعدت الخامسة والثلاثين دون زواج ، وقد أُشيع أنها هي التي ترفض العرسان؛ لأنها كما يقولون "أنفها في السما"، وتريد زيجة من مستوى معين، عندما اقتربتُ منها لم أجدها مغرورة كما يقولون.
وعندما تعارفنا أعمق عرفتُ سبب تأخرها في الزواج، أنها لا ترفض العرسان.. ولكن أحدًا لا يتقدم لها أصلاً خوفًا من أن يُرفض، ولسببٍ آخر قالته هي وأثار دهشتي.. لأنها جميلة!!
تقول صديقتي (س.م): لقد تحوَّل جمالي إلى نقمةٍ عليَّ، فكما سمعت بنفسك، يخشى العرسان أن يتقدموا لخطبتي لأني جميلة!! بل إنَّ إحدى قريباتنا قالت لي يومًا إنها لا ترضى أبدًا أن يتزوج ابنها من فتاةٍ جميلةٍ فتتحكم فيه وتسيطر عليه ويصبح تابعًا لها.
أما رأي الشباب فلا يختلف كثيرًا، فأحد الزملاء قال لي يومًا: لا يستطيع الإنسانُ العاقلُ أن يتزوج فتاة مثلك لا عيبَ فيها فإذا تشاجرا بماذا سيعيرها؟!!، وهكذا كُتب عليَّ أن أُعاني من الوحدةِ والحرمان من الأطفالِ لأني بلا عيب!!!.
ويبدو أنَّ هذه الطبيبةَ ليست حالة خاصة لأن (و. ج) مرَّت بتجربةٍ مشابهةٍ فأحد زملائها أراد أن يتقدم لها، فطلب منها صورة شخصية ليريها لوالدته في الصعيدِ قبل أن يتفق على موعد لزيارتها مع أهله، ولكن الأم عندما رأت الصورة رفضت خطبتها رفضًا قاطعًا، وقالت له: "لن أزوجك هذه الفتاةَ البيضاءَ أبدًا فتعير أخواتك السمراواتِ بجمالها وتحرق قلوبهن، وعبثًا حاول الابن إقناعها إلا أنها أصرَّت على الرفض.
الجميلة مدللة
ويضحك محمد عبد الوهاب- محاسب- قبل أن يقول: الحقيقة أنَّ العروسَ الجميلةَ هي حلم كل شاب، ولكني أُفضل أن تكون متوسطةَ الجمال؛ لأنَّ الجميلةَ جدًا تكون في الغالبِ ذات دلال وطلباتها كثيرة، وترى دائمًا أنها تستحق أن تدور الدنيا في فلكها، كما أنها قد تندب حظها وجمالها بعد الزواج وترى أنها حصلت على أقل مما تستحق، وأنَّ جمالها أُهين في أعمال المنزل وخدمة الأبناء.
أما إبراهيم محمود- طالب- فيرفض تمامًا الزوجةَ الجميلةَ لأنها على حدِّ قوله إذا مشى معها في الشارع فربما "تُعاكَس" ولن يستطيع أن يُدافع عنها!!.
ويدافع عبد الله خليل- محام- عن الجميلاتِ فيقول: ليست قاعدة أنَّ الجميلةض مغرورة وأنانية و"متدلعة" وإنما هناك جميلات على خُلقٍ ودينٍ ويجتهدن أن يُرضين أزواجهن، وأظن أنَّ الإنسانَ إذا نجح أن يتزوج مَن لها هذه المواصفات يكون قد فازَ بكلِّ المزايا.
تنتظر الأمير
ويبدو أن أهل العروس أنفسهم في أيديهم جزء من أسباب المشكلة فأم محمد تقول: منال هي الابنة الثانية في ترتيبِ أبنائي وهي في واقع الأمر أجملهن, ودائمًا كنت أقول منذ صغرها أنها تستحق أن تتزوج أميرًا، وكانت هي تسمع هذا الكلام وتشعر بتميزها عن أخواتها، ولم أشعر وقتها بمشكلةٍ في أن تعتز ابنتي الجميلة بجمالها، ولكنها تعدَّت الثلاثين ولم تتزوج حتى الآن، وتزوجت أختاها الأكبر والأصغر منها منذ سنين، وما زالت منال ترفض العرسان لأنها ترى دائمًا أنها تستحق الأفضلَ من كلِّ الذين تقدَّموا لها ولا أعلم متى ستجد العريس المناسب من وجهةِ نظرها؟! لقد صدق عليها المثل القائل "من كترت عرسانها بارت"، وأخشى أنها بعد قليل ستندم ويصدق عليها المثل "خطبوها أتعززت، وفاتوها اتندمت".
المغرورة
تقول سهام: أختي جميلة جدًا ومغرورة جدًا أيضًا، في إحدى المراتِ تقدَّم لها أربعة عرسان في نفسِ الأسبوع، وكان من المفترض أنها ستستقبلهم الواحد وراء الآخر لترى إن كان أحدًا منهم سيناسبها، وكانت المفاجأة التي اذهلتني أنها أسرَّت إليَّ قبل أنْ ترى أيَّا منهم.. أنهم مرفوضون كلهم على مختلف ظروفهم وتخصصاتهم وقبل أن تراهم؛ لأنها في غايةِ الثقة أنها ستجيء لها فرصٌ أخرى أفضل منهم، وقد نفَّذت ما قالته بالحرفِ ورفضتهم الواحد وراء الآخر دون أسبابٍ وجيهة أو منطقية!!.
وتضيف سهام: لو أنها كانت أقل جمالاً ربما كانت ستفكر في كل فرصةِ زواجٍ تأتي لها لأنها لا تعلم إن كانت هذه الفرصة ستتكرر أم لا.
وتقول إحدى الجميلات العاقلات (ع. ف): لا أقبل أي عريسٍ يتقدم وهو يُركِّز اهتمامه على جمالي؛ لأني أعلمُ أنَّ هذا الجمالَ زائلٌ، فربما أُصاب بمرضٍ أو حتى عندما أتقدم في السن، وربما يجد مَن هي أكثر مني جمالاً فماذا سيكون حالي وقتها؟ أنني أحمد الله على نعمةِ الجمال ولكني أصرُّ أن أتزوج شخصًا لا يبحث عن الجمالِ وإنما يبحث عن الخُلقِ والدين والتربية والأسرة، وتكون هذه العناصر أهم عنده من الجمال.
أما أغرب ما قيل في هذا المجال ما قالته (س. ع): أعترفُ أنني أرفض الكثير من العرسان المبهورين بجمالي، ولكن يجب على أن أنتظر حتى تتزوج أخواتي الثلاث أولاً، وبالتالي عندما أتزوج أنا... أكون على ثقةٍ أن مَن تزوجت هو أفضل من عرسانهم جميعًا، لأنني الأجمل وبالتالي استحق الأفضل!!.
التنشئة الاجتماعية
تقول د. سعيدة أبو سوسو- أستاذ علم النفس بجامعة الأزهر-: ينبغي قبل أن نتحدث عن ظاهرة العنوسة أن نتذكر قول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "تُنكح المرأة لأربع؛ لدينها ومالها وجمالها فاظفر بذات دين تربت يداك"، ولو أمعنا النظر في الحديث لوجدنا أنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم أعطى الدين الأولوية، وإن كان لم ينفِ أنَّ الجمالَ من الأسبابِ التي تُنكح المرأة من أجلها، والمرأة الجميلة قد تكون ذات دين أيضًا، وفي هذه الحالة سترعى زوجها وتتقي الله فيه ولن تُثقل عليه بالمطالب، أما إن كانت في تنشئتها الاجتماعية أشعرها أهلها بسلاحِ جمالها و"دلعوها" فهنا تكمن المشكلة، فهم ظلموها وظلموا مَن سترتبط به في المستقبل لأنه سيكون عليه أن يُعاملها طوال الوقت كما كانوا يعاملونها، وقد لا تجد من يستطيع أن يفعل هذا.
المعايير نسبية
أما د. عماد مخيمر- أستاذ علم النفس بكلية الآداب جامعة الزقازيق- فيقول: ليس هناك معايير مطلقة للجمال، فهي مسألة نسبية، تختلف من شخصٍ إلى آخر، فما تراه عيني جميلاً قد يراه غيري عكس ذلك، والعكس بالعكس، ولكن لا يُمكن إغفال جانب مهم في هذه المسألة، فكلما كانت المرأة ذات جمالٍ أو مميزاتٍ كأن تكون حاصلة على الدكتوراه، أو غنية، أو أي مميزات أخرى قلَّت فرصتها في العثورِ على أكفاءٍ لها، فهذه المرأة ذات المواصفات الخاصة تريد زوجًا ذا مواصفاتٍ خاصة أيضًا!!
نضيف إلى ذلك أنَّ الجميلةَ منذ صغرها وهي تسمع وتعرف أنها جميلة، فهي دائمًا تحصل على الإعجابِ والتقدير وتكون محط الاهتمام، وبالتالي قد يتولد عندها مشاعر نرجسية، يمكن أن تؤثر سلبًا على حياتها الزوجية.
ويرى د. مخيمر أنَّ على المرأةِ العاقلةِ الحكيمةِ الجميلةِ أن تُعطي نفسها حقَّ قدرها ولكن دون غرور، وأن تكون موضوعيةً في اختيارها ولا تُغالي في ثقتها بنفسها.
جمال العقل
أما د. أحمد عبد الرحمن- أستاذ الفلسفة الإسلامية بالجامعات الإسلامية فيقول: من السهل جدًا أن نجد جميلةً باهرةً ولكنها سيئة الخلق، ومع الوقتِ يذهب الجمال ويبقى سوء الخلق، وقد تكون دميمة وسيئة الخلق أيضًا، وبالتالي فليس للأمر مقياس محدد، فهناك الجميلة التي ما أن تنطق حتى تفقد نصفَ جمالها، فهي جميلةٌ وجاهلةٌ، فالجمال ليس جمال المظهر أو الشكل الخارجي واللون أو الجسد فقط، ولكنه أيضا جمال الروح، وجمال الخلق، وجمال العقل، وفي رأيي الشخصي أن متوسطة الجمال في أغلب الأحوالِ هي التي تفوز، ويتوقف الأمر غالبًا على العريس عمَّ يبحث في المقام الأول؟.
ويضحك وهو يضرب المثال ويقول: الحمار يبحث عن البرسيم، وإذا صادفه في طريقه ذهب أو فضة أو حتى ماس فلن يفهمه ولن يلتفت إليه؛ لأنه لا يفهم إلا البرسيم، ومَن يفهم يبحث عن جمالِ العقل، أما لو كان الاثنان من الحميرِ فليبحثوا عن البرسيم معًا.