اسم الكتاب: سيكولوجية العلاقات بين الجماعات: قضايا في الهوية الاجتماعية وتصنيف الذات.
المؤلف: الدكتور أحمد زايد.
الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت.
اسم السلسلة: عالم المعرفة- العدد رقم (326).
تاريخ النشر: الطبعة الأولى- أبريل 2006م.
عدد الصفحات: 207 صفحة من القطع المتوسط.
تُعتبر علوم الاتصال وعلم النفس الاجتماعي من أهم مجالات اهتمام الجماعات البشرية، وعلى وجه الخصوص الجماعات السياسية- من أحزاب وخلافه- التي تسعى ضمن قائمة أولوياتها إلى الانتشار والتوسع في صفوف القواعد الجماهيرية كأول وأهم خطوة؛ لكي تستمرَّ حيةً وفاعلةً لتطبيق برامجها، وهي إحدى أهم شروط الحياة السياسية والحزبية.
وحتى بعيدًا عن العمل السياسي تُعتبر قضية العلاقات الإنسانية والاتصال بين الجماعات البشرية المختلفة بمثابة إحدى أهم النواميس أو القوانين التي وضعها الله سبحانه وتعالى في كَوْنِهِ؛ حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13).
وفي هذا الإطار ومع تنامي الحاجات الإنسانية، واستحالة وفاء الفرد البشري بحاجاته، وما بات عليه من حاجة متواصلة للآخرين والتعاون لإشباع حاجاته المادية والمعنوية، لا سيما بعد تعقُّد شكل الحياة الإنسانية؛ فقد ظهر اهتمام كبير في الأوساط الأكاديمية والبحثية بدراسة هذه القضية ومختلف المسائل المتصلة بها، وخاصةً المناحي النفسية والسلوكية التي ترتبط بها.
والكتاب الذي بين أيدينا أحد أهم المحاولات التي جرت في المكتبة العربية في السنوات الأخيرة لمناقشة هذه المسألة، وجاء الكتاب بعنوان "سيكولوجية العلاقات بين الجماعات.. قضايا في الهوية الاجتماعية وتصنيف الذات"؛ ليوضحَ من خلال هذا العنوان بشقيه الرئيسي والفرعي أنه بصدد مناقشة مجموعة من الموضوعات حول قضية العلاقات بين الجماعات الإنسانية ونظرية العمران البشري، مع إلقاء الضوء على البُعد النفسي وأهميته في هذا المقام.
وفي إطار هذه الملفات جميعًا فإن هناك نقطةً مهمةً لفت إليها الكتاب في مقدمته، وهي أن "الخصوصية" تلعب دورًا كبيرًا في دراسات الاتصال والعلاقات بين الجماعات البشرية، وعلى مستوى دراسات العلوم الاجتماعية كافة، مع اختلاف ظروف كل جماعة بشرية وكل مجتمع إنساني عن الآخر بشكلٍ كبير؛ مما يحتِّم أيضًا ظهور أنماط جديدة ومتباينة من السلوك البشري الفردي والجماعي.
ومؤلف الكتاب هو الأكاديمي المصري الدكتور أحمد زايد، وهو من مواليد محافظة سوهاج، وحاصلٌ على درجتي الماجستير والدكتوراه من جامعتي أسيوط وجنوب الوادي على الترتيب في تخصص علم النفس الاجتماعي، ويعمل حاليًا مدرِّسًا بقسم علم النفس بكلية الآداب بجامعة جنوب الوادي.
ويتكون الكتاب من مقدمة وسبعة فصول تتناول مجموعةً من الموضوعات ذات الطابع النظري والتطبيقي في صدد قضايا الهوية الاجتماعية، ونظرية تصنيف الذات، والتصنيف الاجتماعي، إضافةً إلى موضوعات تتصل بالمقارنات الاجتماعية بين جماعتين بشريتين وأصول وقواعد الاتصال الاجتماعي والتفاوض بين الجماعات، والمشكلات المصاحبة في هذا الإطار، مثل التعصب والأفكار النمطية.
تحولات إنسانية عميقة
في ظلِّ حالةِ التعقيدِ الراهنةِ التي باتت السمةَ الرئيسةَ للعمران البشري وحالة المجتمعات الإنسانية؛ فقد بات من المهم البحث عن صيغة جديدة لدراسة العلاقات البشرية وأصول التفاوض والاتصال بين مختلف الجماعات الإنسانية.
وفي هذا الإطار تحتل نظريتا الهوية الاجتماعية والتصنيف الذاتي والجمعي أو المجتمعي مكانةً مهمةً كانت غائبة عن الأدبيات الاجتماعية والسيكولوجية العربية، وعن ذهنية من كتبوا فيها، وإلى ذلك يقول المؤلف إن الكتاب يهدف إلى تقديم أحدث النظريات في العلاقات بين الجماعات، والخروج من إطار علم النفس الاجتماعي التقليدي الذي يفسِّر دائمًا- وفق نظريات قديمة- سلوكَ الجماعات على أنه منحدرٌ من أصول بدائية ومن صور غير عقلانية للتفاعل الاجتماعي والسلوك الفردي، ويُعتبر الاهتمام الرئيسي لعلم النفس الاجتماعي ونظرياته- وخصوصًا النظريات الحديثة- هو الفرد وسلوكه.
وقد قدَّم علم النفس المعرفي مفهومًا جديدًا حول سلوك الجماعة البشرية والعلاقات فيما بينها؛ وهو مفهوم "التفاعلية" أو الـ(Interactionism) كبديل للاتجاه السابق الذي ربط أصل السلوك البشري بالمرحلة البدائية من تاريخ الإنسان، وتؤكد نظريات الاجتماع الجديدة أن البيئة المحيطة بالإنسان والخصائص السيكولوجية للأفراد قد تغيَّرت تغيُّرًا كبيرًا بفعل عوامل التقدم البشري.
وفي هذا الإطار يوضح عالم الاجتماع الأوروبي (ب. آش) أن سلوك الجماعة أو السلوك الجمعي يحدث عندما يمتلك كل فردٍ من أفراد الجماعة تصوراتٍ واضحةً عن سلوكيات الآخرين وعلاقاتهم؛ حيث تتجمع السلوكيات الفردية والشخصية لتكوِّن صورةً أشمل وأهم، هي سلوكيات الجماعة وعلاقاتها الداخلية والخارجية.
وعلى ذلك تعتبر العلاقات بين الفرد والجماعة- في شكل من الأشكال- "علاقة الجزء بالكل" وعلى ذلك يجب أن يعكس الفرد طبيعةَ الجماعة والعكس أيضًا، وتبدأ هذه العلاقة العضوية ما بين الطرفين من البعد السيكولوجي وصولاً إلى البعد الخاص بالسلوك الفعلي، ومن هنا فإن هناك طبيعةً سيكولوجيةً للهوية الاجتماعية تنشأ في داخل فكر وعقل الأفراد أنفسهم وتشكل هوية الجماعة لما تعكسه القناعات والأفكار الذاتية للأفراد، ومن هنا ينشأ تمايز الجماعات البشرية المختلفة.
وهذا التمايز يكون هو الآخر- على مستوى الجماعة كما هو الحال على مستوى الفرد- ذا طبيعةٍ مزدوجة سلوكية مادية ونفسية معنوية، وهذا التمايز الجمعي أو الذي يظهر لدى الجماعة قد يسلك اتجاهًا من اتجاهين: الأول منهما التمايز الإيجابي، وهو أن يسعى الأفراد لأن تكون جماعتهم هي أفضل الجماعات الإنسانية على مستوى الجماعات الأخرى التي تشبهها، أما الاتجاه الثاني فهو اتجاهٌ سلبي، ويعني أن الجماعاتِ تميل إلى أن تقلِّل من مساحة الفروق القائمة بين الجماعات المثيلة إلى الدرجة التي تصبح فيها "جماعتنا مفضلة من وجهة نظرنا".
عملية معرفية
ما سبق يُعْرَف باسم سعي الجماعات لتشكيل هوية ذاتية واجتماعية لها، ويكون في الأغلب الأهم الهدف الرئيسي لهذا المسعى هو تحقيق عنصر التطوير والريادة للجماعات، وهناك مجموعة من العوامل التي تتحكم في اتجاهات وسعي الأفراد والجماعات إلى اتخاذ اتجاه إيجابي أو سلبي، ومن بين هذه العوامل أو أهمها مقدرة الأفراد والموارد المتاحة أمام الجماعة، وكذلك تصنيفها بين الجماعات المثيلة.
فمثلاً الحزب السياسي القوي يكون دائمًا سعيه لاحتلال موقع الريادة، أما الحزب الضعيف قليل النفوذ فغالبًا ما يكون سعيه سلبيًّا أو يسعى فقط للتقليل من الفروق القائمة بينه وبين الأحزاب الأخرى ولذلك بعض الآثار الجانبية، فبالنسبة للجماعات البشرية والسياسية القوية قد تتحول رغبتها في التمايز إلى عنصرية واستعلاء على الآخرين وبشكل غير موضوعي، أما بالنسبة للجماعات الضعيفة فإن البدائل المعرفية لها حول طبيعة الظرف الاجتماعي أو السياسي العام المحيط بها ودرجة قدراتها قد تؤدي بها إلى الانصهار في جماعة أخرى أكبر وأقوى منها.
ولكنَّ هذا "الإدراك المعرفي" لدى الجماعات الضعيفة أو الصغيرة الذي تحدث عنه عالِم الاجتماعي الغربي المعاصر (هـ. تاجفيل) قد يؤدي إلى اتجاه أو سلوك إيجابي لدى هذه الجماعات؛ حيث من الممكن أن تعيد دراسة أوضاعها والظروف المحيطة بها وتعديل هذه الأوضاع والظروف لتحقيق انطلاقةٍ جديدةٍ لها، مع تغيير النظرة إلى السمات المميزة للجماعة أو الحزب، فمثلاً يمكن أن يكون قادة وأعضاء حزب سياسي بعينه ينظرون إلى قلة العضوية في الحزب نظرةً سلبيةً على أنه ضَعف في قوة الحزب، ولكن قد ينظرون بعد فترة إلى ذلك على أنه عنصر قوة؛ إذ إنه يضمن درجةً كبيرةً من الانضباط الحزبي داخل الجماعة السياسية، ومن هنا وبعد إعادة الإدراك والنظر هذه يمكن للجماعات الصغيرة أن تتجه إلى المنافسة المباشرة مع الجماعات السياسية الأكبر منها.
وعند الحديث عن مسألة سلوك الأفراد داخل الجماعة وما يعكسه فكرُهم في صدد طبيعة الجماعة ذاتها وتوجهاتها يمكن القول بأن هناك ظاهرةً تنشأ داخل الجماعات البشرية، وخصوصًا الجماعات السياسية، وهي "ظاهرة التحيز للجماعة الداخلية" وهي تختلف عن الاستعلاء والعنصرية لدى الجماعات القوية.
ويظهر هذا التحيز بفعل عددٍ من العوامل، وهي:
1- درجة توحد الأفراد مع الجماعة.
2- بروز الهوية الاجتماعية وتمكنها من الأفراد والجماعة على حد سواء.
3- وجود بناء اجتماعي مدرك للعلاقات بين الجماعات.
4- وجود إدراك للبُعد المقارن للمكانة الاجتماعية والسياسية بين الجماعات.
وتتقاطع مع نظرية الهوية الاجتماعية حديثة الظهور نسبيًّا في مجالات العلوم النفسية والاجتماعية نظريتان أخريان، هما نظريتا تصنيف الذات والمجتمعات، وتتعلقان بالأساس بالاتجاهات العامة لأفكار الأفراد ومعتقداتهم حول ذواتهم والجماعات التي ينتمون إليها، سواءٌ أكانت سياسيةَ الطابع أو إنسانيةً ذات طابع عام، والكيفية التي ينظرون بها إلى جماعتهم والجماعات الأخرى، والكيفية التي يقارن بها الأفراد والمجتمعات بين أنفسهم وبين الآخرين.
وتعتمد عمليتا التصنيف (الذاتي والاجتماعي) والمقارنة على مجموعة من العوامل، وهي:
1- العلاقات الاجتماعية أو السياسية.. إلخ القائمة داخل الجماعات وفيما بينها.
2- طبيعة إدراك التجانس أو الاختلاف بين الأفراد وبين الجماعات.
3- مدى الاتساق أو التوافق داخل الجماعات وبين الأفراد، وكذلك بين الجماعات البشرية أو السياسية أو الدينية.. إلخ.
4- طبيعة الفهم الحاصل لمعتقدات التغيير والحراك الاجتماعي وأيضًا بالنسبة للفرد.
وعملية إدراك وتصنيف الذات والجماعة تتم بشكل مستمر ومتواتر، وتتقلص فيما يتعلق باهتمام الفرد بذاته متى كانت الجماعة- ككل أكبر من مجموع أجزائه- أكثرَ سيطرةً وهيمنةً على الفرد، وتقدم له أكثر مما يقدمه هو لها من دعم.
والتصنيف الذاتي والتصنيف الاجتماعي- كعملية خاصة تساعد الناس على إدراك الأشياء- إنما هي عمليةٌ معرفيةٌ بالأساس تعتمد ضمن ما تعتمد عليه على مهارات الفرد في الفهم والتحليل وجمع المعلومات عن الوسط المحيط به؛ توطئةً لتبسيط الأشياء فيما يتعلق بكيفية تفاعل الفرد والجماعة مع الوسط المحيط بعناصره الإنسانية والاجتماعية والطبيعية كذلك.
المقارنة الاجتماعية
إذا كانت الرغبة في تحقيق هوية اجتماعية إيجابية ينظر إليها من جانب نظرية الهوية الاجتماعية سالفة الذكر- بوصفها محركًا أو دافعًا نفسيًّا وراء تصرفات الأفراد- فإن المقارنة الاجتماعية يُنْظَر إليها على أنها وسيلةٌ يحصل من خلالها الفرد على معرفة مهمة بشأن وضعية الجماعة بين الجماعات الأخرى أو الوضعية الاجتماعية- وقد تكون السياسية- للجماعة.
وغالبًا ما يكون تقييم الفرد لذاته أو لجماعته من مطلقات إيجابية (أنا كفء، أنا على حق.. إلخ) وفي حالة غياب القدرة على التقييم الذاتي الموضوعي فإن التقييم بالمقارنة يكون هو الأداة الأنسب والأفضل في هذا المقام.
ويقول عالم الاجتماع الأوروبي (ت. وود): إن من أهداف المقارنة الاجتماعية، حتى على المستوى التخيلي أو العقلي لدى الفرد هو أن يحافظ على مستوى تكيفه وتفاعله مع الظروف البيئية المحيطة به، كما أن هناك دوافع متنوعة عند المقارنة مع الآخرين، أهدافًا وجماعاتٍ، مثل الرغبة في تقييم الذات أو إقامة علاقات وروابط عامة.
وهناك مسألتان مهمتان في صدد رسم هوية الجماعة البشرية أو السياسية وتمايزها عن الجماعات الأخرى:
- المسألة الأولى تتعلق بمدى إدراك أفراد الجماعة لتشابههم.
- ثانيًا إدراكهم وإدراك الجماعة لمدى الاختلاف والتباين القائم بينهم وبين الجماعات الأخرى والأفراد الآخرين.