بالتعاون بين أطراف أردنية وأمريكية تم إنتاج فيلم أطفال بعنوان (بنيامين وعصام) أو (بين آند إزي Ben & Izzy) وهذا هو الاسم التجاري للفيلم الذي يدور في إطار خيالي على الأراضي الأردنية، على غرار ذلك الإطار الذي تدور فيه أفلام هاري بوتر الشخصية الأشهر حاليًا في المجتمع الغربي وفي مناطق كثيرة من العالم العربي.

 

ويثير هذا الفيلم (بين آند إزي Ben & Izzy)- الذي يقول صانعوه إنه موجَّهٌ للمرحلة العمرية ما بين 6 إلى 11 عامًا- الكثير من التساؤلات حول العلاقة بين العالم العربي والغرب، وخاصةً على المستوى الثقافي وما يرتبط به من مفاهيم "حوار الحضارات" و"الغزو الفكري".

 

وبالتالي يصبح من الضروري إلقاء الضوء على الفيلم وخلفياته، وكذلك إلقاء نظرة على أهداف القائمين على الفيلم من تقديمه، إلى جانب الأهداف غير المباشرة من ورائه، والتي قد تكون هي الأهداف الرئيسة من هذا العمل الذي يأتي في توقيتٍ مثيرٍ للجدل وتدور أحداثه في دولة- هي الأردن- أطلقت في الفترة الأخيرة العديدَ من المواقف المثيرة للجدل أيضًا.

 

في الموقع الإليكتروني المخصَّص للفيلم يقول القائمون عليه إنه يستهدف الأطفال في المرحلة العمرية الواقعة ما بين 6 إلى 11 عامًا، ويدور موضوع الفيلم حول الصبيَّين بنيامين وعصام بقضاء الإجازة في مدينة البتراء الأردنية، وفي هذه الإجازة يقومان بفتح قبرٍ قديمٍ تخرج منه إحدى الجنِّيَّات وتُدعى ياسمين تطلب منهما المساعدة في استعادة التراث العالمي المفقود، في إشارةٍ إلى الوحدة التي تجمع بين البشر كلهم.

 

ومؤدُّو الأصوات في الفيلم كلهم من الأمريكيين بدون عربي واحد في الفيلم، وهو الأمر الذي لا يتناسب مع الوحدة الإنسانية وضرورة التعاون بين جميع البشر من أجل إنقاذ الميراث المشترك بين جميع البشر، إلا أن العديد من مُعدِّي الفيلم من الأردنيين والعرب عمومًا وسط نسبة كبيرة من الأجانب الأمريكيين بالأساس.

 

وتبقى الإشارة إلى أن الموزِّعين الرئيسيين لهذا الفيلم الكارتوني هما في كلٍّ من الأردن والإمارات التي باتت الموزِّعَ الرئيسي لمثل هذه النوعية من الأفلام، في إطار سياسة الترويج الشامل التي تمارسها الإمارات لكل المنتجات والأعمال الفنية الوافدة من الخارج، والتي يرى المسئولون الإماراتيون أنها "لا تتنافى" مع العادات والأخلاقيات الإسلامية.

 

لماذا عصام وبنيامين؟!

من بين كل الأسماء التي تُميز الأطفال الأمريكيين لم يجد مؤلفو الفيلم إلا اسم "بنيامين" لكي يطلقوه على بطل الفيلم، بالإضافة إلى أن اسم البطل العربي "عصام" لا يُعتبر من الأسماء التي تحمل الهوية العربية في ذاتها إلا في النُّطقِ فقط، وهو النطق الذي تغيَّر في الاسم التجاري للفيلم وهو الإنجليزي بالأساس؛ حيث صار اسم عصام "إزي"، وهو ما يشير إلى أن الفيلم يُعتبر أحدث محاولات الغزو الثقافي التي يقوم بها الغرب ضد العالم الإسلامي- وخاصةً المنطقة العربية- بعد أحداث 11 سبتمبر، والتي من أبرز الأدوات المستخدمة فيها الترويج للإصلاح السياسي في الشرق الأوسط، وما يصاحبه من حرية تعبير لا تتوقف حتى عند المقدسات فيما يحتفظ الغرب بمقدساته وخاصةً "معاداة السامية".

 

ويصفة عامة فإن هناك العديد من الدلالات التي تدعم فكرة استهداف الفيلم "الغزو الثقافي" لا "الحوار الإنساني" ومن بينها:

- اختيار اسم "بنيامين" للبطل الأمريكي في الفيلم يشير إلى "الهوية اليهودية" للبطل، فهذا الاسم يُعتبر من أكثر الأسماء رواجًا في المجتمعات اليهودية، الأمر الذي يعني أن الغرض الرئيسي من الفيلم هو الترويج للصداقة العربية والصهيونية في وقت تتفاعل فيه الأزمة الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية نتيجةَ تعنت "الصهيوني" ضد "العربي"، كما أن اسم البطل العربي لا يحمل- كما قلنا- من العروبة إلا القليلَ في النطق العربي، أما في الاسم التجاري المنطوق بالإنجليزية فلا شيءَ عربيًّا فيه.

 

- توقيت الفيلم يأتي في وقت سجلت فيه شعبية الأمريكيين تراجعًا كبيرًا؛ بسبب الحرب على العراق والانحياز للصهاينة إلى جانب التشدد في مواجهة كل ما هو عربي ومسلم، فكان مثل هذا العمل من أجل استعادة المفقود من شعبية أمريكية في العالم العربي، والتي اكتسبتها عبر سنوات من التعامل مع الأنظمة العربية التي يقول عنها الأمريكيون "حليفة لهم" في المنطقة العربية، إلا أن الممارسات الأمريكية في المنطقة العربية جعلت مسألة استعادة شعبية الأمريكيين في المنطقة تخرج من يدِ تلك الأنظمة.

 

- يأتي هذا الفيلم ليستهدف شريحة الأطفال ومَن هم في سن الصبا لا شريحة الكبار، وهو في حد ذاته أمرٌ يُحسب للقائمين على الفيلم؛ نظرًا لصعوبة استعادة "الود المفقود" مع الكبار، وهو ما حتَّم التوجه إلى الصغار من أجل الترويج لمفاهيم الوحدة الإنسانية، ويأتي ذلك في إطار برَّاقٍ من الأساطير والجنيَّات، الأمر الذي يداعب مخيلة الصغار ويجعل المشاركة الإنسانية حلمًا لهم، وهو الأمر المشروع في حد ذاته.

 

ولكن غرض الفيلم لا يتوقف على ذلك، ولكنه يجعل المشاركة الإنسانية ممكنةً إلى أقصى الحدود وتصل إلى حد مشاركة الصهاينة طموحاتهم، والتي تعتمد بالأساس على الحق التاريخي في الأراضي العربية، وبالتالي يتحول الأمر من "مشاركة إنسانية بين العرب والصهاينة" إلى "انصياع إنساني من العرب للصهاينة"، وهو ما يأمل الصهاينة والأمريكيون تحقيقَه منذ أن تأسس الكيان الصهيوني في مايو من العام 1948م، على الأراضي الفلسطينية.

 

- تأتي الدولة المساهمة مع الأمريكيين في الفيلم كإحدى الدول التي تثير سياستها الجدل على الدوام بين الأوساط السياسية العربية، وهي الأردن التي بدأت في الفترة الأخيرة اتخاذَ العديد من الخطوات التي تهدف بالفعل إلى إجبار الفلسطينيين على الخضوع للإملاءات الصهيونية، وتبدَّت هذه المواقف في الإعلان عن قضية تورط عناصر من حركة المقاومة الإسلامية حماس في تهريب أسلحة إلى الأراضي الأردنية للقيام بعمليات مسلَّحة هناك، وقد قام الأردنيون بإلغاء زيارة كانت مقررةً من وزير الخارجية الفلسطينية محمود الزهَّار إلى الأردن، في خطوةٍ جاءت في إطار الحملة الغربية لحصار الحكومة الفلسطينية الجديدة التي تقودها حماس بإظهارها كحركة مسلَّحة تضر بالاستقرار العربي لا حركة مقاومة ساهمت بالقسط الوافر في المقاومة الفلسطينية.

 

لكي لا نخاف من بنيامين؟!

يُبرز هذا الفيلم قضيةً رئيسةً في العالم العربي والإسلامي، وهي التعرض للغزو الثقافي من جميع الحضارات والثقافات دون القدرة الفعلية على الرد المؤثر.. الأمر الذي يضع العرب والمسلمين أمام إشكالية ثقافية كبيرة بين الرغبة في التفاعل مع الحضارات الإنسانية المختلفة وعدم القدرة على التصدي لأية محاولات اختراق.

 

والأمثلة على الفشل العربي والإسلامي في العجز عن التعامل مع الثقافات المختلفة متعددة، ومن بينها استخدام أفكار التحرر في ممارسة كل ما هو مخالف للآداب العامة، سواءٌ في الأعمال الفنية أو في المقالات الصحفية التي باتت ساحاتٍ لتبادل الشتائم والسباب في المجمل العام، بينما توقف العرب عن ممارسة الحرية في العمل السياسي، وبالتالي تراجع المسلمون أكثر مما تقدموا على الصعيد الحضاري الإنساني.

 

ولمواجهة مثل هذه الإشكالية الثقافية يجب على المسلمين والعرب القيام بالعديد من الخطوات الرئيسة في المجال الفكري والثقافي، وفي مقدمتها:

 

- العمل على استعادة المفقود من الذهنية العربية والإسلامية العامة، ويتمثل هذا المفقود في التراث العربي والإسلامي، وهو التراث الشامل لكل مناحي الحياة الإنسانية على المستويات الفكرية والعلمية والأخلاقية.. الأمر الذي سوف يبني قاعدةً ثقافيةً قويةً لدى الفرد العربي والمسلم، وبالتالي يسهل عليه مواجهة مثل هذه "الغزوات الثقافية"، من خلال الحوار والتعامل معها على أساس الندّ للندّ على أساس "المستعمِر" و"المستعمَر"، كما سيساعد ذلك في التعرف على الأعمال التي تدخل في إطار الحوار الفعلي بين الحضارات، وتلك الأعمال التي تدخل في إطار الغزو الثقافي أو الاختراق الفكري، وهو الأمر الذي يتنافى مع الأخلاقيات الإنسانية العامة والإسلامية منها على وجه الخصوص.

 

- تأسيس منظومة ثقافية عربية وإسلامية تعمل على نقل الرؤى العربية والإسلامية للمجتمع الخارجي، وبالتالي يلعب المسلمون الدورَ الأساسي لهم في إثراء الحياة الإنسانية، ويساعد على تقديم الإنسان المسلم في الداخل الإسلامي بصورة لا تقل بريقًا وتأثيرًا عن الصورة التي يواجه الغربُ بها المجتمعاتِ الإسلاميةَ لرموزه، ومن بينها ويليام تل الذي برز في فيلم "القلب الشجاع"، وهو الفيلم الذي لاقى نجاحًا كبيرًا في الأوساط العربية النقدية والشعبية العامة.

 

- إعداد العقول العربية منذ الصغر لتلقي المخزون الثقافي والتراثي الإسلامي، بما يساعد على تأسيس ذهنية إسلامية متناغمة مع ذاتها وقادرة على نقل ذاتها إلى الآخر بالصورة الصحيحة، والتي تجبره على احترام العقلية صاحبة تلك الصورة، بدلاً من أن تجعله أجرأ على محاولات تدميرها، أو على الأقل إخضاعها لمنظومته الثقافية في الإطار الذي يحاول الأمريكيون الترويجَ له ضمن مفهوم "صراع الحضارات" لا "حوار الحضارات" الذي حثَّ عليه الإسلام.

 

إذا ما استطاع المجتمع الإسلامي تحقيق هذه الاشتراطات فإنه سوف يكون قادرًا على استيعاب كل محاولات الغزو الثقافي وامتصاصها بل والرد عليها بما يؤدي إلى عكس الموقف، وبدلاً من موقف المتلقي للتأثيرات الخارجية وهو الموقف الحالي فإن الموقف سيتحوَّل إلى أن يصبح المسلمون طرفًا فاعلاً ومشاركًا في عملية حوار الحضارات، وبذلك لا نخشى من مجرد فيلم سينمائي يحوي في عنوانه اسم "بنيامين".

 

إلا أن تأسيس هذه المنظومة يتطلَّب من العرب والمسلمين ما هو أكثر من الرغبة الشعبية، فهو يتطلَّب "الإرادة السياسية" من جانب الأنظمة العربية والإسلامية الحاكمة لتحقيق هذه الأهداف، وهي الإرادة التي لا تتوافر حاليًا، الأمر الذي يعني صعوبة الخروج من هذا الوضع في الوقت الحالي، وحتى تنجح الشعوب العربية والإسلامية في فرض كلمتها على النظم الحاكمة سنظلُّ هنا في العالم العربي والإسلامي نخشى من "بنيامين"!!