كان عمر بن عبد العزيز يقضي جلَّ وقته- إن لم يكن كله- في تسيير أمور الدولة أو في عمل فيه مصلحة الأمة أو في أداء حق الله من العبادة، فكان يقضي ليله في الصلاة والمناجاة، وكان لا يكلم أحدًا بعد أن يوتر، وفي إطار اغتنام الوقت نُسِب إلى عمر قوله: إن الليل والنهار يعملان فيك- أي في الإنسان- فاعمل فيهما، وكان يغتنم الوقت في الأعمال الصالحة وفي سرعة التوجيه والبت السريع في الأمور واتخاذ القرارات الإدارية، وتلافي كل ما من شأنه تأخير عمل أو مصلحة، فإن أهم الأدلة على ذلك ما كان منه من سرعة إجراء لإصدار ثلاثة قرارات، تحدث عنها ابن عبد الحكم، ورواها قائلاً: فلما دُفِن سليمان- وكان دفنه عقب صلاة المغرب- دعا عمر بدواة وقرطاس، فكتب ثلاثة كتب، لم يسعه فيما بينه وبين الله عز وجل أن يؤخرها، فأمضاها من فوره، فأخذ الناس في كتاباته إياها هنالك في همزه يقولون: ما هذه العجلة؟ أما كان يصبر إلى أن يرجع إلى منزله؟ هذا حب السلطان، هذا الذي يكره ما دخل فيه، ولم يكن بعمر عجلة ولا محبة لما صار إليه، ولكنه حاسب نفسه ورأى أن تأخير ذلك لا يسعه، وكان الكتاب الأول عن أمر لا يمسه هو شخصيًّا في شيء، بقدر ما يمس المسلمين المجاهدين في القسطنطينية بعد أن أصابهم من الجوع والضنك، واشتد بهم الأمر أمام عدوهم، فأمر برجوع مسلمة بن عبد الملك من القسطنطينية ورفع الحصار، فقد رأى عمر أنه لا يسعه فيما بينه وبين الله عز وجل أن يلبي شيئًا من أمور المسلمين، ثم يؤخر قفلهم ساعة، فذلك الذي حمله على تعجيل الكتاب، حقًّا إن الحال الذي كان عليه مجاهدو القسطنطينية لا يحتمل التأخير في قرار عودتهم على الإطلاق، فكان الإجراء المناسب في الوقت المناسب, وكتب بعزل أسامة بن زيد التنوخي، وكان على خراج مصر، فعزله لظلمه وغشمه وتسلطه، كما كتب بعزل يزيد بن أبي مسلم عن إفريقية لظلمه.
وكان عمر يهتم بالوقت من حيث اختيار الوقت المناسب لإعلان التوجيهات أو القرارات الإدارية وسهولة إبلاغها، فكان حين يستخدم البلاغة لإبلاغ الناس يراعي الوقت الأكثر ملائمةً، سواء من حيث كثرة المجتمعين أم من حيث قدسية المكان وحرمته، وبالتالي زيادة الاهتمام بما يكون فيه، ألا هو الموسم السنوي موسم الحج ليخطب في المسلمين أو يكتب إلى المسلمين في يوم حجهم الأكبر بما يراه على قدرٍ كبيرٍ من الأهميةِ من أمورِهم، إذ يتحقَّق باختيارِ ذلك الوقت المناسب أمران، أحدهما: نشر التوجيه أو القرار أو الإجراء في أكبر عدد من المسلمين، من كل بلد من بلدانهم، والثاني سرعة الانتشار الذي يحققها إعلان القرار أو التوجيه في هذا الجمع في ذلك الوقت، ومن ذلك كتابه إلى أهل الموسم الذي جاء فيه: أما بعد: فإني أشهد الله وأبرأ إليه في الشهر الحرام والبلد الحرام ويوم الحج الأكبر أني بريء من ظُلْمِ مَن ظلمكم، وعدوان مَن اعتدى عليكم، أن أكون أمرت بذلك أو رضيته أو تعمدته إلا أن يكون وهمًا مني، أو أمرًا خفي عليَّ لم أتعهَّده، وأرجو أن يكون ذلك موضوعًا عني مغفورًا لي إذا عُلِم مني الحرص والاجتهاد، ألا وإنه لا إذن على مظلوم دوني وأنا معول كل مظلوم، ألا وأي عامل من عمالي رغب عن الحق ولم يعمل بالكتاب والسنة فلا طاعةَ له عليكم، وقد صيَّرت أمرَه إليكم حتى يراجعَ الحقَّ وهو ذميم، ألا وإنه لا دولةَ بين أغنيائكم، ولا أثرةَ على فقرائكم في شيء من فيئكم، ألا وأيما وارد ورد في أمر يصلح الله به خاصًّا أو عامًا من هذا الدين فله ما بين مائتي دينار إلى ثلاث مائة دينار على قدر ما نوى من الحسنةِ وتجشَّم من المشقة، رحم الله امرءًا لم يتعاظمه سفر يجيء الله به حقًّّّّّا لمن وراءه، ولولا أن أشغلكم عن مناسككم لرسمت لكم أمورًا من الحق أحياها الله لكم وأمورًا من الباطل أماتها الله عنكم، وكان الله هو المتوحد بذلك، فلا تحمدوا غيره، فإنه لو وكلني إلى نفسي كنت كغيري والسلام. فهذا كتابٌ عظيمٌ من أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز في محاربة الظلم وإقرار العدل، فهو قد سعى جاهدًا في ردِّ المظالم التي عرف بها، ولكنه يتوقع أن هناك مظالمَ لم تصلْ إليه، فكتب هذا الكتاب وأعلنه في موسم الحج الذي يضم وفودًا من أغلب بلاد المسلمين، لتبرأ ذمته من مظالم خفية لم تبلغه، وأعلن في هذا الكتاب براءته من الولاة الذين يقع منهم شيء من الظلم، وربط طاعتهم بطاعة الله تعالى، فهو بهذا يجعل كل فرد من أفراد الأمة رقيبًا على أمير بلده، يسعى في تثبيته إذا استقام وفي تقويمه إذا انحرف.
ومن أروع ما جاء في هذا الكتابِ تخصيص مبلغ من المال لمَن يسعى في إصلاح أمور الأمة، وفي ذلك ضمان النفقة لمَن أراد أن يُسافر من أجل ذلك حتى لا يفقد به التفكر في تأمين تلك النفقة، ثم يختم كتابه بشكر الله جلا وعلا على ما وفقه إليه من الإصلاح الذي تحقق على يديه، وهذا مثل من الإخلاص القوي لله تعالى بحيث يتلاشى حظ النفس ولا يكون إلا لطف الله جل وعلا وتوفيقه ومعونته.
فهذا دليل على تطبيق عمر لمبدأ تحري ومراعاة أهمية الوقت، حيث لم يقتصر عمر في إدارته للوقت على أغتنام الوقت وإدراك أهميته، بل كانت إدارة كاملة لكل مقتضيات اغتنام الوقت وكل ما يتعلق به من ضرورة سرعة اتخاذ القرارات والتوجيه في الأوقات المناسبة والعمل على تلافي التأخير وأسبابه ودوافعه.
عاشرًا: مبدأ تقسيم العمل في إدارة عمر بن عبد العزيز
كان عمر بن عبد العزيز قد أشار صراحةً إلى مبدأ تقسيم العمل ومهام المسئولية للدولة، فقد كان في كتابه كتبه إلى عقبة بن زرعة الطائي، بعد أن ولاه خراج خراسان: ..إن للسلطان أركانًا لا يثبت إلا بها، فالوالي ركن، والقاضي ركن، وصاحب بيت المال ركن، والركن الرابع أنا- يعني الخليفة. هذا من حيث التقسيم الرئيسي العام، فبالإضافة إلى الأركان الرئيسية لا دارته وهي: الولاية ويشملها الوالي للإقليم، والقضاء ويمثله القاضي، ومالية الدولة ويمثلها الوالي للإقليم، والقضاء ويمثله القاضي، ومالية الدولة ويمثلها رجل أو صاحب بيت المال والرابع السلطة العليا للدولة رجل الدولة أو الخليفة ويمثلها أمير المؤمنين، إلا أن هناك تقسيمات فرعية لمهام الدولة منها ما يتعلق بإمارة الجهاد، فقد كان منصور بن غالب على ولاية الحرب، وعلى الصائفة كل من الوليد بن هشام، وعمرو بن قيس السكوني.
وقسم آخر وهو ما يتعلق بالأمن الداخلي، إذا استعمل عمر بن يزيد بن بشر الكلبي على الشرطة، وولى الحرس عمر بن مهاجر بن أبي مسلم الأنصاري، وحاجبه حبيش مولاه وأنشأ نقاط العبور وولى عليها، مثل جواز مصر وكان عليها عمر بن رزيق الأيلي، وهي ما يعرف الآن بنقاط الجمارك، وقسم ثالث يختص بالكتابة (الكتاَب)، ومنهم ليث بن أبي رقية أم الحكم بنت أبي سفيان والخاتم، وعليه نعيم بن سلامة، وقسم يتولى متابعة الشئون المالية، وله تفريعات منها الخراج ومن ولاته على الخراج عقبة بن زرعة الطائي، والصدقات إذ وليها لعمر عبد الله بن عبد الرحمن بن عتبة القرشي. وهي تمثل مؤسسة النقد في الوقت الراهن وليها لعمر بن أبي حملة القرشي، وكذلك الخراج المركزي وكان عليه صالح بن جبير الغداني، وأما في مجال التعليم والتثقيف فقد أنشأ عمر مجالس التعليم الدائمة في المساجد، وكلف مَن يقوم بالتفقيه والتعليم المتنقل في البداية، كما كلف أناسًا بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأقام دور الإفتاء إذ جعل الفتيا في مصر إلى ثلاث فقهاء. بالإضافة إلى ما سبق فقد كان هناك ولايات أخرى، مثل ولاية الصلاة وولاية الحج وتسيير أموره، والبريد وغير ذلك مما لم يسعفنا المقام بالإحاطة والتفصيل له، وهكذا كان عمر بن عبد العزيز يطبق مبدأ تقسيم العمل في دولته، فقد كان رحمه الله رجل دولة من الطراز الأول.
هذا، وقد كان عمر بن عبد العزيز في كثير من الأحيان يعطي الولاة الحق في تعيين وزرائهم، وتشكيل مجالس شوراهم، ولهم حق الإشراف على جيش الولاية، والحفاظ على الأمن الداخلي في الولاية، والنفقات اللازمة لكل ولاية مع الأشراف والمتابعة... الخ، هذه بعض الملامح والمعالم من فقه عمر بن عبد العزيز في إدارته للدولة.
- من أسباب نجاح مشروع عمر بن عبد العزيز الإصلاحي:
كانت هناك عوامل متعددة ساهمت في نجاح مشروعه الإصلاحي منها:
1- صفاته الشخصية من العلم، والورع والخشية والزهد والتواضع والحلم والصفح والعفو والحزم والعدل مع قدرات إدارية كبيرة في فن التخطيط والتنظيم والقيادة والتوجيه ومعرفة الناس.
2- امتلاكه لرؤية إصلاحية تجديدية واضحة المعالم، هدفها الرجوع بالدولة والأمة لمنهج الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.
3- التفاف الأمة حول هذا المشروع عندما لمست صدق المشرف عليه وإخلاصه.
4- وجود كوكبة من العلماء الربانيين في عهده كانوا مؤهلين لقيادة الدولة والأمة، فلما جاءت الفرصة بوصول عمر بن عبد العزيز للحكم وأتاح لهم المجال أبدعوا وأثبتوا جدارتهم في ما أسند لهم من مهام كبرى وهذا درس مهم في أهمية تكامل العلم الشرعي، والأمانة والتقوى مع القدرات القيادية في شخصية العلماء الربانيين، فذلك يساعدهم على تحكيم شرع الله من خلال مناصب الدولة وقيادة الجماهير والتفاهم حول المشروع الإسلامي الكبير.
5- الحرص على تحكيم الشرع في كلِّ صغيرة وكبيرة، على مستوى الدولة والأمة فيأتي بذلك التوفيق الرباني قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ...﴾ (الأعراف، الآية: 96).
- أثر الالتزام بأحكام القرآن والسنة الشريفة على دولة عمر بن عبد العزيز رحمه الله:
إن التأمل في كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) وفي حياة الأمم والشعوب تعطي العبد معرفةً أصيلة بأثر سنن الله في الأنفس والكون والآفات وأوضح مكان لسنن الله وقوانينه كتاب الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (النساء، الآية: 26).
وسنن الله تتضح بالدراسة فيما صح عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالمطالعة في سنته صلى الله عليه وسلم فقد كان يقتنص الفرص والأحداث ليدل أصحابه على شيء من السنن، ومن ذلك أن ناقته صلى الله عليه وسلم (العضباء) كانت لا تُسبق، فحدث مرةً أن سبقها أعرابي على قعودٍ له، فشقَّ ذلك على أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال لهم (صلى الله عليه وسلم) كاشفًا عن سنة من سنن الله (حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه)، وقد أرشدنا كتاب الله إلى تتبع آثار السنن في الأمكنة بالسعي والسير وفي الأزمنة من التاريخ والسير. قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ(138)﴾ (آل عمران) وأرشدنا القرآن الكريم إلى معرفةِ السنن بالنظر والتفكر قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ(101) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ(102)﴾ (يونس).
من خصائص السنن الإلهية:
1- أنها قدر سابق: قال تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (الأحزاب، الآية: 38) أي أن حكم الله تعالى وأمره الذي يقدره كائن لا محالة وواقع لا حيد عنه، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
2- أنها لا تتحول ولا تتبدل: قال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب، الآيات: 60ـ61ـ62).
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (الفتح، الآيتان: 22ـ23).
3- أنها ماضية لا تتوقف: قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ (الأنفال، الآية: 38).
4- أنها لا تخالف ولا تنفع مخالفتها: قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ (غافر، الآيات: 82-85).
5- لا ينتفع بها المعاندون ولكن يتعظ بها المتقون: قال تعالى:﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾. (آل عمران، الآيتان: 137-138).
6- أنها تسري على البر والفاجر: فالمؤمنون- والأنبياء أعلاهم قدرًا- تسري عليهم سنن الله ولله سنن جارية تتعلق بالآثار المترتبة على من امتثل شرع الله أو أعرض عنه.
وللحكم بما أنزل الله آثار دنيوية وأخرى أخروية أما الآثار الدنيوية التي ظهرت في دولة عمر بن عبد العزيز فهي:
1- الاستخلاف والتمكين:
حيث نجد أن عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ مكن الله له في الأرض تمكينًا عظيمًا بسبب حرصه على إقامة شرع الله تعالى في نفسه وأهله ومن حوله وقومه وأمته وأخلص لله في مشروعه الإصلاحي الراشدي، فأيده الله عز وجل وشد أزره، فقد أخذ بشروط التمكين وعمل بها فتحقق له وعد الله قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور، الآية: 55). وهذه سنة ربانية نافذه لا تتبدل في الشعوب والأمم التي تسعى جاهدة وجادة لا قامة شرع الله.
2- الأمن والاستقرار:
كانت الثورات في العهد الأموي على أشدها ضد النظام السائد، وخصوصًا من الخوارج إلا أن عمر بن عبد العزيز إستطاع بالحوار والنقاش أن يقنع الكثير منهم ولقد تميز عهده بالأمن والإستقرار بسبب عدله في الحكم ورفعه للمظالم، واحترامه الكبير لكل شرائح المجتمع، وحرصه على تطبيق الشريعة في كافة شؤون الحياة. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام، الآية: 82).
3 - النصر والفتح:
إن عمر بن عبد العزيز حرص على نصرة دين الله بكل ما يملك وتحققت فيه سنة الله في نصرته لمن ينصره؛ لأن الله ضمن لمن إستقام على شرعه أن ينصره على أعدائه بعزته وقوته، قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج، الآية: 41). فقد وعد الله من ينصره ونصره هو نصر كتابه ودينه ورسوله، لا نصر لمن يحكم بغير ما أنزل الله ولا يتكلم بما لا يعلم. كما نرى في حياتنا المعاصرة.
4- العز والشرف:
إن الشرف الكبير والعز العظيم الذي سطر في كتب التاريخ عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بسبب تمسكه بكتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) وإن من يعتز بالإنتساب لكتاب الله الذي به تشرف الأمة ويعلو ذكرها وضع رجله على الطريق الصحيح وأصاب سنة الله الجارية في إعزاز وتشريف من يتمسك بكتابه وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (الأنبياء، الآية: 10) قال ابن عباس- رضي الله عنه- في تفسيره هذه الآية: فيه شرفكم. فهذه الأمة لا تستمد الشرف والعزة إلا من استمساكها بأحكام الإسلام.
5 - بركة العيش ورغد الحياة في عهده:
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف، الآية: 96).
إن إقامة شرع الله تعالى وتطبيق أحكامه يجلب للأمة بركات مادية ومعنوية، فمن حقق الإيمان والتقوى يكرمه الله بهذا العطاء الرباني الكبير. والبركات التي يعد الله بها الذين يؤمنون ويتقون في توكيد ويقين، ألوان شتى، لا يفصلها النص ولا يحددها، وإيماء النص القرآني يصور الفيض الهابط من كل مكان، النابع من كل مكان بلا تحديد ولا تفصيل ولا بيان فهي البركات بكل أنواعها وألوانها وبكل صورها وأشكالها وما يعهده الناس وما يتخيلونه، وما لم يتهيأ لهم في واقع الخيال. ولقد لامس الناس وشاهد هذه البركات في عهد عمر بن عبد العزيز سواء كانت مادية أو معنوية، وفوجئ الناس أن بركة العيش ورغد الحياة قد عم جميع الناس ومالية الدولة قويت، واطمأن الناس في كل رقعه من رقعة خلافة الدولة الأموية الواسعة، حتى عز وجود من يستحق الزكاة ويقبلها، وأصبحت هذه مشكلة للأغنياء وأصحاب الأموال تطلب حلاً سريعًا، قال يحيى بن سعيد: بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية فاقتضيتها، وطلبت فقراء نعطيها لهم فلم نجد بها فقيرًا، ولم نجد من يأخذها مني، قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس، فاشتريت بها رقابًا، فأعتقتهم وولاؤهم للمسلمين.
وقال رجل من ولد زيد بن الخطاب: " إنما ولي عمر بن عبد العزيز سنيتين ونصف، فذلك ثلاثون شهرًا، فما مات حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء، فما يبرح بماله يتذكر مَن يضعه فيهم فما يجده فيرجع بماله، قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس. فهذه الفوائد العامة من بركاتِ الحكومة الإسلامية التي تُطبِّق شرع الله تعالى.
6- انتشار الفضائل وانزواء الرذائل:
بين الشريعة وبين الخلق أوثق الرباط وأمتن العرى، كيف لا، والرسالة من غاياتها العظمى: تزكية الأخلاق وتربية الفضائل. قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ (آل عمران، الآية: 164). فمعنى يزكيهم: أي يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر لتزكو نفوسهم وتطهر من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به حال شركهم وجاهليتهم.
ولقد اهتمَّ عمر بن عبد العزيز بنشر الفضائل وحارب الرذائل وتحركت معه مدرسة الوعظ والإرشاد والتزكية والتربية والتي كان من روادها الحسن البصري، وأيوب السختياني، ومالك بن دينار وغيرهم وقد حققت هذه المدرسة نتائج باهرة في نشر الفضائل وأنزواء الرذائل، وقد حدث في عهد عمر بن عبد العزيز تجديدًا كبيرًا في توجه الأمة والمجتمع الإسلامي والتطور في الأذواق والأخلاق والميول والرغبات في هذه المدة القصيرة. فقد حدث الطبري في تاريخه: كان الوليد صاحب بناء واتخاذ المصانع والضياع، وكان الناس يلتقون في زمانه فإنما يسأل بعضهم بعضًا عن البناء والمصانع، فولي سليمان فكان صاحب نكاح وطعام، فكان الناس يسأل بعضهم بعضًا عن التزويج والجواري، فلما ولي عمر بن عبد العزيز كانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل ما وراءك الليلة؟ وكم تحفظ من القرآن؟ ومتى تختم؟ ومتى ختمت؟ وما تصوم من الشهر؟
7- الهداية والتثبيت:
جاء عن عمر بن عبد العزيز في خطابه الذي أرسل ليقرأ على الحجاج في موسم الحج: ... ولولا أن أشغلكم عن مناسككم لرسمت لكم أمورًا من الحق أحياها الله لكم، وأمورًا من الباطل أماتها الله عنكم، وكان الله هو المتوحد بذلك فلا تحمدوا غيره، فإنه لو وكلني إلى نفسي كنت كغيري والسلام عليكم. ولا شك أن عمر بن عبد العزيز حرص على تحكيم شرع الله في دولته وبذلك منحه الله نعمة عظيمة ألا وهي الهداية والتثبيت على الحق، قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء، الآية: 65). ثم قال سبحانه وتعالى بعدها: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا* وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا* وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (النساء، الآيات: 66، 67، 68)، والأمر الذي وعظوا به ووعدوا الخير لأجله: هو تحكيم الشريعة والانقياد للرسول (صلى الله عليه وسلم)، فلو أنهم امتثلوا لما أمروا لثبت الله أقدامهم على الحق فلا يضطربون في دينهم، ولآتاهم الهداية التي لا عوجَ فيها بحيث توصلهم إلى الأجر العظيم.
إن الهداية والثبات على الأمر، هبة يهبها الله لمَن تمخض قلبه لأمره وانقادت جوارحه لحكمه.
إن خلافةَ عمر بن عبد العزيز حجة تاريخية على مَن لا يزال يردد ترديد الببغاء للكلمات والأصوات القائلة: إن الدولة التي تقوم على الأحكام الإسلامية والشريعة عرضة للمشاكل والأزمات وعرضة للانهيار في كل ساعة، وأنها ليست إلا حلمًا من الأحلام ولا يزال التاريخ يتحدى هؤلاء ويقول لهم: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة، الآية: 111).
ومما أدهشني في دراستي التاريخية تواصل الأجيال الإسلامية فيما بينها عبر حلقات متماسكة تؤثر بعضها في بعض فالسلطان نور الدين زنكي المتوفي (568هـ) كتب له الشيخ العلامة أبو حفص معين الدين عمر بن محمد بن خضر الإربلي سيرة عمر بن عبد العزيز لكي يسير نور الدين على منهاجها، ولقد آتت معالم الإصلاح والتجديد الراشدي في عهد عمر بن عبد العزيز ثمارها في الدولة الزنكية عندما وجدت العالم الكبير الذي رسم ملامح المشروع الإصلاحي وهو الشيخ أبو حفص معين الدين، واقتنع القائد العسكري والزعيم السياسي بسلامة المنهج وهو نور الدين زنكي، فقد قال: أبو حفص في مقدمة كتابه- عن عمر بن عبد العزيز وتقديمه ذلك الكتاب لنور الدين:.. علمًا منه أن الاقتداء عن سلف الفضلاء والعقلاء يكمل الأجر ويبقي الذكر، واتباع سنن المهديين الراشدين يصلح السريرة ويحسن السيرة، وأن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه (صلى الله عليه وسلم) بالاقتداء عن سلف من الأنبياء فقال عز من قائل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ (الأنعام، الآية: 90)، وقال تعالى: ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (هود، الآية: 120). فلذلك اشتد حرصه- أدام الله سعادته- على جمع السير الصالحة والآثار الواضحة، فحينئذ رأيت حقًا على بذل الوسع في مساعدته واستنفاد القوة في معاضدته بحكم صدق الولاء وأكيد الإخاء فصرفت وجه همتي إلى جمع سيرة السعيد الرشيد عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه- والتجأت إلى الله الكريم جل اسمه أن يحسن معونتي ويُيسِّر ما صرفت إليه عزيمتي، فحين شرح الله صدري لذلك ولاحت أمارات المعونة، بادرت إلى جمع هذه السيرة برسم خزانته المعمورة معاونةً على البر والتقوى. لقد قدم هذا الشيخ الجليل منهاجًا علميًّا لنور الدين زنكي من خلال سيرة عمر بن عبد العزيز، فبنى دولة العقيدة، وحكم الشريعة وأقام العدل ورفع الضرائب والمكوس عن الأمة، وعمل على إحياء السنة وقمع البدعة وعمق هوية الأمة وفجَّر روح الجهاد فيها ونشر العلم وساهم في تحقيق الازدهار والرخاء وكان نسيجًا وحده في زهده وورعه وعبادته وصدقه وإخلاصه، ومَن أراد التوسع فليراجع الجهاد والتجديد في القرن السادس الهجري، عهد نور الدين وصلاح الدين لمحمد حامد الناصر.
إن آثار تحكيم شرع الله في الشعوب التي نفَّذت أوامر الله ونواهيه ظاهرة بينة لدارس التاريخ، وإن تلك الآثار الطيبة التي أصابت دولة عمر بن عبد العزيز، ودولة نور الدين زنكي ودولة يوسف بن تاشفين ودولة محمد الفاتح لهي سنن من سنن الله الجارية والماضية والتي لا تتبدل ولا تتغير، فأي قيادة مسلمة تسعى لهذا المطلب الجليل والعمل العظيم مخلفة لله في قصدها مستوعبة لسنن الله في الأرض فإنها تصل إليه ولو بعد حين وترى آثار ذلك التحكيم على أفرادها ومجتمعاتها ودولها وحكامها. إن الغرض من الأبحاث التاريخية الإسلامية الاستفادة الجادة من أولئك الذين سبقونا بالإيمان في جهادهم وعلمهم وتربيتهم وسعيهم الدؤوب لتحكيم شرع الله وأخذهم بسنن الله وفقهه ومراعاة التدرج والمرحلية والارتقاء بالشعوب نحو الكمالات الإسلامية المنشودة، إن التوفيقات الربانية العظيمة في تاريخ أمتنا يجريها الله تعالى على يدي من أخلص لربه ودينه وأقام شرعه وقصد رضاه وجعله فوق كل اعتبار.