وحدة البحوث والدراسات
تعتبر ظاهرة البطالة هي إحدى أهم الأمراض الاجتماعية والاقتصادية التي تنخر في جسد الاقتصاد المصري، وإحدى أبرز الملفات التي بات من الواجب على كافة القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة في مصر العمل على إيجاد صيغة لعلاجها أو على الأقل لبدء حراكٍ اجتماعي وإصلاح سياسي واقتصادي شامل نحو رسم خطة في هذا المقام.
وفي هذا الإطار- وفي هذه الورقة- نحاول أن نرسم ملامح لهذه المشكلة، وجذورها الضاربة في تاريخ مصر المعاصر منذ التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية العميقة والمفاجئة التي شهدتها مصر منذ ثورة 23 يوليو من العام 1952م، وكذلك آراء مجموعة من الاختصاصيين حول هذا الملف الكبير والخطير، والذي يهدد إذا ما لم يتم على الأقل حصاره بانهيار اجتماعي فجائي يودي إلى فوضى شاملة، في مجتمع باتت الأمراض الاجتماعية تهاجمه من كل صوب.
وفي هذا الإطار فإن هذه الورقة سوف تتناول هذا الملف من خلال المطالب الفرعية الآتية:
1- المطلب الأول: تعريف البطالة وواقعها في مصر.
2- المطلب الثاني: سمات كتلة العاطلين في مصر.
3- المطلب الثالث: أسباب مشكلة البطالة في مصر.
4- المطلب الرابع: برنامج الدولة ومدى واقعيته.
5- المطلب الخامس: البطالة ونواتج اجتماعية.
وأخيرًا مطلب ختامي بعنوان "البطالة في مصر وإستراتيجيات غائبة" حيث يحمل بعض الأفكار حول هذه المشكلة وسبل التعاطي معها.
المطلب الأول: البطالة.. التعريف والواقع المصري
البطالة هي تعبير عن قصور في تحقيق الغايات من العمل في المجتمعات البشرية، وحيث الغايات من العمل متعددة، تتعدد مفاهيم البطالة فيقصد بالبطالة السافرة وجود أفراد قادرين على العمل وراغبين فيه، ولكنهم لا يجدون عملاً، ويقتصر الاهتمام بالبطالة، في حالات كثيرة، على البطالة السافرة فقط.
لكن مفهوم البطالة، أو نقص التشغيل، يمتد إلى الحالات التي يمارس فيها فرد عملاً ولكن لوقت أقل من وقت العمل المعتاد، أو المرغوب، وتسمى هذه الظاهرة البطالة الجزئية الظاهرة أو نقص التشغيل الظاهر، ويمكن اعتبار نقص التشغيل الظاهر تنويعة على صنف البطالة السافرة.
وتزداد أهمية التفرقة بين ألوان البطالة في البلدان النامية التي لا يلتحق بالقطاع الحديث من النشاط الاقتصادي فيها إلا قلة من العاملين، حتى هذه القلة لا تتمتع بمزايا العمل، أو التعويض عن البطالة، المعتادة في الاقتصادات الرأسمالية الناضجة (لهذا لا يستقيم، كما يقال أحيانًا، إن معدل البطالة في مصر يقل عن أوروبا مثلاً).
وفي مصر يتأثر تقدير حجم البطالة بالمشاكل المفاهيمية والعجز الإحصائي بالشكل الذي ظهر فيما سبق؛ حيث إن أول ما يواجهنا من عقبات عند التصدي لقضية البطالة هو قلة البيانات وعدم دقتها وإخفائها أحيانًا بشكلٍ يقود إلى تصور إجراءات التصحيح والعلاج.
ويبدأ التزييف الرسمي لحجم ومعدل البطالة من تعريف العاطل بأنه: "من لا يوجد له مصدر للرزق"، بما يعني استبعاد من لهم مورد رزق ناجم عن ميراث أو نتاج عمل سابق بالداخل أو الخارج حتى لو كانوا مؤهلين وقادرين على العمل وراغبين فيه ولا يجدون عملاً عند مستويات الأجور السائدة، وهذا التعريف الحكومي هو تعريف مخالف تمامًا للتعريف المعمول به في كل اقتصاداتِ العالم، والذي يحدد العاطل بأنه القادر والمؤهل للعمل والذي يطلب العمل عند مستويات الأجور السائدة ولا يجد عملاً.
حجم المشكلة
ويمكن تتبع تطور حجم مشكلة البطالة في مصر من خلال بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء حول تقدير حجم البطالة حيث نجد أنه في عام 1960م كان معدل البطالة 2.5% من إجمالي حجم القوى العاملة، وفي تعداد 1976م يقفز الرقم إلى 7.7 % ثم إلى 14.7% من تعداد 1986م، ولكنه وصل في 1996م إلى 8.8% إلى أن أعلن وزير التخطيط والتنمية المحلية الدكتور عثمان محمد عثمان أن الخطط