نفس قلقة، ويد مرتعشة، وعين حائرة.. أمام ورقة الامتحان، فمِن هنا سيكون المصير، ويتحدد التقدير.. من أجل هذا اليوم سُهِرَت الليالي، ودفَع الأب أموالَه في الدروس والمواصلات، وأكثرَت الأم من العتاب والتحذيرات.. الامتحان.. هذا الكابوس المزعج في كل البيوت..!!

 

أرَّق الطلبة والطالبات، وحمَل همَّه الآباء والأمهات، وذلك في كل المراحل والسنوات، تجرعناه وتجرعه غيرنا من قبلنا ومن بعدنا، فكانت تجارب ننقلها كومضات ووقفات؛ لنستخلص منها الإرشادات والنجاح والتميز وبعون الله أعلى التقديرات.

 

نقضت بعدما غزلت

﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ (النحل: 92)، بهذه الآية القرآنية بدأت والدة رضوى (طالبة المرحلة الثانية من الثانوية العامة) حديثَها عندما انهارت ابنتها أمام نتيجتها في المرحلة الأولى، وهي التي كانت تنتظم في كل دروسها وتذاكر مع بداية السنة الدراسية، إلا أنها ملَّت الأمر قليلاً في آخر العام وقبل الامتحانات، فلم تحسن المراجعة الجيدة على ما سبق وذاكرتْه؛ مما أدى إلى أدائها إجابةً متوسطةً في الامتحانات، وبالتالي حصلت على نتيجة متوسطة.

 

كما أكدت فاطمة (الطالبة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية) على موقف والدة رضوى؛ حيث تضيف قائلةً إن من أهم مقومات النجاح هو الشهر الأخير قبل الامتحانات، فهو بمثابة إحكام للمذاكرة وتثبيتها في الأذهان واسترجاعها من المدى الطويل إلى المدى القصير، فيكون أسرع استجابةً أمام ورقة الامتحان.

 

من جد وجد

وعن التركيز في الشهر الأخير تحكي ضحى (خريجة كلية الآداب) عن قصتها مع الدراسة، قائلةً إنها كانت لا تُحسن المذاكرة طوال العام الدراسي، لكنها تحضر المحاضرات وتتابعها، حتى إذا جاء الشهر السابق للامتحانات استجمعَت كلَّ طاقتها وتركيزَها وقسمَت المناهج على الأيام المتبقية؛ بحيث تمر عليها كاملةً قبل الامتحانات وتُراجعها في الليالي السابقة لكل مادة؛ مما يؤهلها للحصول على تقدير جيد أو جيد جدًا، وأحيانًا يصل إلى امتياز في بعض المواد.

 

الاستعانة بالله

صاحبة قدرة سريعة على الالتقاط، لكنها تكره الجلوس من أجل المذاكرة كثيرًا.. كانت هذه صفات صفية (طالبة الجامعة)، التي كانت توبِّخُها أمُّها كثيرًا قبل الامتحانات، قائلةً لها لن تنجحي، فاستعانت بالله- عز وجل- حتى إنه وصل بها الأمر إلى صلاة ركعتي استخارة قبل المذاكرة في ليالي الامتحانات، تطلب من الله فيها الخير والتوفيق في مذاكرة ما يفيدها وما سيأتي في الامتحان، فكانت تنجح- بفضل الله وتوفيقه- في مذاكرة الأشياء الهامة، وتصبح ثاني يوم لتجدها في الامتحان.

 

كرم من الله عز وجل

وكانت الاستعانة بالله في فترة الامتحانات نقطةَ تحوُّل في حياة سميرة (معيدة بكلية البنات) ولبنةً أساسيةً في علاقة قوية مع الله (عز وجل)، وتحكي عن ذلك قائلةً إنها في أثناء الثانوية العامة كان عندها امتحان هام، سيحدد إذا كانت ستستمر في الحضور مع أستاذة ممتازة في مادة الاقتصاد أم لا، وكان عندها ظروف خاصة حالت دون مذاكرتها بشكل يؤهلها لاجتياز هذا الامتحان بنجاح، فطلبت من والدتها الاعتذار وتأجيل الامتحان إلى موعد آخر، لكنها رفضت، وكانت لها صديقةٌ تقيةٌ- تحسبها على خير- رأتها مهمومةً وعلمت منها أمر الامتحان، فأوصتها بصلاة الحاجة والتيقن من أن الله- عز وجل- سيدبِّر الأمر من عنده.

 

وتحكي سميرة قائلةً إن الله قد ألقى في قلبها سكينةً واطمئنانًا بعد هذه الصلاة، تعجبت من أجلها كثيرًا، وتقول إنها ظنت أن والدتها ستوافق على التأجيل، وتكون هذه نتيجة الدعاء، إلى أن جاء وقت الامتحان ولم توافق والدتها، ودخلت مقر الامتحان لتجد المجموعة السابقة قد خرجت، فسألتهم هل انتهوا من الامتحان الذي كانت قد ظنَّت أنه قد يكون تم إلغاؤه مثلاً كنوع من الاستجابة لدعائها، فأخبروها أنهم أتموه، وأن الأستاذة كانت صارمةً جدًا مع المقصرين.. لكنَّ ذلك لم يُرهب سميرة فلقد كانت متيقنةً أن الله سيدبر أمرها، وبالفعل دخلت الامتحان، واستعد الجميع، وفجأةً.. أتى هاتف مفاجئ للأستاذة ليخبرها أن طفلَها مريض، ويريدونها في المنزل في الحال، فاعتذرت لهم بشدة، وأجَّلت الامتحان، فكانت قدرةُ الله في هذا الموقف أقوى من الأسباب؛ لاستعانتها بالله في كل أمور حياتها، صغيرها وكبيرها، واستشعار أنه قريب منها ومن كل اللاجئين إليه بصدق وتوبة وندم مهما كان تقصيرهم.

 

الورد القرآني ونوره في الامتحانات

خديجة (طالبة الاقتصاد والعلوم السياسية)، أكرمها الله بالنجاح بمجموعٍ عالٍ في الثانوية العامة، فسألناها عن طريقة استذكارها، فلخَّصت لنا الأمر في شيءٍ واحد، قائلةً خُلقنا في هذه الأرض لنعبد الله، وبجانب هذه العبادة نعيش حياتَنا الباقية، فنتعلم ونعمل لنكسب وننال الأجر على كل ذلك إن شاء الله، ومن هذا المنطلق يجب المواظبة على العبادات، وعدم التقصير من أجل الامتحانات، وتقول عن نفسها إنها تظن أن الله أكرمَها لمواظبتها على قراءة وردها القرآني قبل المذاكرة، حتى ولو كانت في عجلة قبل ليالي الامتحانات.

 

وتؤكد على كلامها مروة- التي كانت تحرص على ذهاب حلقة التحفيظ حتى ولو كان ذلك في ليالي امتحاناتها الصعبة- فتقول إنها متيقنةٌ أنها تنجح وأن الله يوفقها بسبب أو ببركة هذه الحلقة، وكأن الملائكة تسعَد بانتظامها، فيسخرها الله لرعايتها، وتضيف قائلةً إن الامتحانات فرصةٌ لتتذكر الامتحان الأكبر يوم القيامة والاستعداد إليه؛ حيث إنها قد تفاجَأ به قبل امتحان الدنيا الفانية.

 

يوم الامتحان يكرم المرء أو يهان

مقولة اعتدنا على سماعها في الصغر ليدفعونا نحو المذاكرة والاجتهاد، إلا أن سارة (طالبة كلية الإعلام) تؤكد أن إكرامها يوم الامتحان كان من نوع آخر.. إنها كانت تستشعر مدى توفيق الله- عز وجل- إذا بدأت يومها بصلاة ركعتين تطلب فيهما العونَ منه، وكانت تصليهما قبل الامتحانات، ويوم الامتحان قبل النزول، فكانت دائمًا ما توفَّق وبشكل عجيب، لدرجة أنها يومًا ذاكرت جزءًا كان أستاذ المادة أوضح للطلبة في غيابها أنه غير هام، فلم يذاكره الجميع، وذاكرتْه هي والمتميزات فقط؛ فأدى ذلك إلى قدرتها في الإجابة عليه؛ حيث رغب الأستاذ في اختيار المتميزين بإحضاره هذا الجزء في امتحان آخر العام.

 

الخوف والرهبة

مشاعر تصيب بعض الطلبة والطالبات، وتؤدي أحيانًا إلى نسيان جزء كبير من المعلومات، استشعرت والدة زهراء (تربية لغة إنجليزية) هذه المشاعر في ابنتها قبل امتحان الثانوية العامة فلم تضغط عليها، بل تعاملت معها بشكل مختلف عن جميع الأمهات، فلقد أخذتها ليلة الامتحان وأوضحت لها أن الأمر طبيعي، وأن الله لن يضيع مجهودها، وأخذتها في نزهةٍ سريعةٍ إلى حديقة بجوار منزلهم، تنفست فيها ابنتُها الهواء، وشربت العصير، وروَّحت عن نفسها، وخرجت من جوِّ الخوف والقل، وحرصت الأم على الخروج من الكلام في الامتحان إلى أي أمر آخر؛ حتى تجتاز ابنتها هذه المرحلة، والتي لا تفيد فيها المذاكرة، لأن زيادة القلق تؤدي إلى نسيان المعلومات الموجودة، وبالفعل عادت يومها أكثر نشاطًا على مواصلة المذاكرة.

 

المساعدة في الاستذكار

كانت هذه وسيلة والد سمية (طالبة الثانوية العامة) حينما انهارت أمام مادة علم النفس، التي لم تستطِع مذاكرتَها بشكل يؤهلها لدخول الامتحان، فما كان منه إلا أن أعد قصةَ حياته هو وأسرته، وأوضح خلالها المعاني الموجودة في المنهج الذي قرأه مسبقًا، وأدخل لها المفاهيم بشكل قصصي مبسط، ساعدها على حب المادة وتيسير مذاكرتها.

 

النية.. العمل.. الاستعانة

ثلاثية متكاملة تؤدي إلى النجاح والتميز وكرم الله في كل وقت، وهذا حين نتخلص النية لوجهه الكريم، ونفعل ما حثنا عليه ديننا العظيم، فنتعلم ونعمل ونجتهد كل وسعنا وقدر طاقتنا، ونستعين أولاً وأخيرًا بمولانا، ونفجر طاقاتنا في أنفسنا.

 

وأخيرًا فلنحرص على أن يكون علمنا هذا لنفيد به بلدنا وإسلامنا، ولتكن هذه الامتحانات محطةً نشحن فيها نفوسنا، فتقوى عزيمتنا في باقي محطات حياتنا، والله- أولاً وآخرًا- هو ولي توفيقنا