دعا الإسلام المسلمين إلى إنشاء المساجد وتعميرها وجعلها من صالح الأعمال فيقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (التوبة: من الآية 18)، ويقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة"، لذلك كانت أولى خطوات النبي- صلى الله عليه وسلم- في تكوين الدولة الإسلامية هي بناء المسجد النبوي بالمدينة المنورة عاصمة الإسلام الأولى، واقتدى به خلفاء الإسلام وأمراؤهم وأغنياؤهم حتى متوسطو الحال منهم في بناء المساجد وتوفير الخدمات المناسبة لها ووقف الأوقاف عليها.
وتبوَّأ المسجد في ظل الدولة الإسلامية مكانَ الصدارة؛ حيث كان المؤسسة الوحيدة التي استوعبت أوجه النشاط المتعددة للمسلمين، فهو بيت الله الذي تقام فيه الصلاة ويُتلى فيه القرآن، وهو دارُ الحكم الذي يجلس فيه القضاة ليحكموا بين الناس بما أنزل الله، وهو مقرُّ الحكومة الذي يخرج منه المبعوثون ويُستقبل فيه السفراء وتُعقد فيه الألوية وتنطلق منه الجيوش.
وكان العِلم من أهم ما استُعمل في المسجد من أغراض في الإسلام على اختلافها وتنوعها، فالمسجد في الدولة الإسلامية كان يمثل دار العلم الذي يَلتقي بين جوانبه المعلمون والمتعلمون ليتدارسوا أصولَ دينهم وأمور دنياهم، ولست أبالغ حين أقول إن المسجد كان يقوم في الماضي بنفس الدور الذي تقوم به اليوم المؤسسات التعليمية بكافة مؤسساتها وخاصةً الجامعية، وذلك في حقول الثقافة والعلم والفكر، كما أن مشاهير العلماء الذين يعتزُّ بهم الفكر الإسلامي ويتباهى المسلمون في الكلام عن آثارهم وتراثهم قد بدأوا حياتَهم العلمية في أروقة المساجد، ولم تكن مساجد الإسلام تخلو في أي يوم من عقد مجالس العلم واجتماع العلماء والفقهاء والدارسين.
المكتبات
ولأن الكتب تُعتبر ركنًا أساسيًّا من العملية التعليمة لا تقوم إلا به؛ لذا حرص منشئو المساجد أن يُلحقوا بمساجدهم خزائن للكتب (مكتبة) يَرجع إليها المدرسون والطلاب، والحديث عن مكتبات المساجد في ظل الدولة الإسلامية من الموضوعات التي لا يكاد لا يخلو منها كِتابٌ من الكتب التي تتناول بالدراسة الحياةَ العملية عند المسلمين، سواءٌ تلك التي ألَّفها المسلمون أنفسهم، أو تلك التي ألَّفها المستشرقون الأجانب في هذا الموضوع، ونستطيع أن نقول إن المكتبات في الإسلام نشأت مع نشأة المساجد.
وإذا تعرضنا لمساجد مصر كنموذج لمساجد دول الإسلام، وباعتبارها قلعة العلم وملاذ العلماء في فترات كثيرة من التاريخ الإسلامي.. نجد أن المساجدَ قد انتشرت فيها انتشارًا كبيرًا، فكانت أكثر من أن تُحصى وأعزّ من أن تُستقصى، قد زُوِّدت هذه المساجد بخزائن الكتب والمصاحف وكتب الحديث والتفسير والفقه، وغير ذلك من العلوم العقلية كعلوم الطب والصيدلة والفلك لاستخدامها من قِبَل المترددين على المساجد، وكانت مكتباتُ المساجد من أكثر الأماكن أمنًا لحفظ الكتب القيمة، فالمساجد لها من القدسية ما يجعلها بمنأى عن أن يصيبها التخريب أو يلحقها النهب والسلب، وخاصةً في أوقات الفتن والحروب والثورات.
أما كيف كان شكلُ هذه المكتبات ونظامها ومجموعاتها، فهذا أمرٌ يحتاج إلى دراساتٍ خاصة، ويمكننا تقديم نموذج لهذا الشكل ورد بوثيقة وقْف السلطان الغوري عند الحديث عن مكتبة مدرسته بحي الغورية، فتذكُر: "وبها خلوة كبرى مُعَدَّة لتخزين الكتب، بها جنبات خشب نقي، يمنةً ويسرةً وصدرًا، مثبتة، معدة لحفظ ما فيها من كتب العلم الشريف الموقوفة على طلبة العلم الشريف لانتفاعهم بها في المدرسة المذكورة"، وهذه المدرسة كانت تقام فيها الصلاة، أي أدت وظيفة المدرسة والمسجد في آن واحد.
ومن أهم مكتبات المساجد في مصر مكتبة جامع أحمد بن طولون بحي الخليفة والذي أنشأه والي مصر أحمد بن طولون سنة 263هـ/ 877م؛ حيث ضم المسجد خزانةَ كتب احتوت على كتب في الفلسفة والحكمة والنجوم والطب والفلك والتاريخ، إلى جانب المصاحف والكتب الشرعية، كما اهتم السلطان لاجين بهذه المكتبة، فتذكُر وثيقة وقفه أن مكتبة المسجد كانت عامرةً بالمصنفات، كما كانت تحتوي على أمهات كتب الطب.
أما مكتبة الجامع الأزهر فقد أنشئت بعد عشرين عامًا على إنشاء الجامع 381هـ/ 991م بعد أن أصبح مؤسسةً تعليميةً للعملاء والفقهاء والطلاب، وقد نُقل إليها الكثير من المصاحف والكتب، فيذكر المؤرخ المصري تقي الدين المقريزي أن الخليفةَ الفاطميَّ الحاكمَ بأمر الله أمرَ بنقلِ نصف الكتب التي كانت بدار الحكمة إلى الجامع الأزهر والباقي إلى مسجده المجاوِر لباب الفتوح بحي الجمالية، وحينما اقتحم الفرنسيون الجامع الأزهر لعلَّ بعضها موجود الآن في مكتبة باريس.
وفي حوالي سنة 1271هـ/ 1835م أمر ديوان عموم الأوقاف بجرد مكتبات المساجد والتكايا والأزهر وقيِّدت جميعها في سجلَّين جامعَين خُصِّص أولُهما لمكتبات المساجد، وقد بلغ مجموع المجلدات في ذلك الوقت في مكتبة الجامع الأزهر حوالي 18564 كتابًا، وإذا رجعنا إلى هذا السجلّ فلا نجد فيه من أثمن الكتب وأنفسها إلا أسماءَها، وكأن هذين السجلَّين أًنشئا ليكونا في الواقع مرشدًا لأيدي الاغتيال التي عمدت إلى أنفس ما في المكتبات من المؤلَّفات القيمة فانتهبتها انتهابًا، وأغرب من هذا أن نفسَ هذين السجلَّين تسرَّبا أيضًا إلى أيدٍ أجنبية خارج الأزهر ولم يعودا إليه إلا بالشراء.
كما كان بمسجد الظاهر بيبرس الذي أنشأه سنة 695هـ خزانة كتب، وقد أوقف الشيخ الفقيه يحيى بن عبد الوهاب الدمنهوري الشافعي كتبَه على مكتبة هذا الجامع، كذلك جامع المؤيد شيخ المجاور لباب زويلة المشيَّد سنة 822هـ/ 1419م فقد زوَّده السلطان المؤيد شيخ بخزانة كتب عظيمة تحوي كتبًا في مختلف العلوم والفنون، وهو ما أورده المؤرخ المقريزي، فيُذكر أن السلطان المؤيد شيخ نزل إلى المسجد ودخل خزانة الكتب التي عُملت هناك وقد حمل إليها كتبًا كثيرةً في أنواع العلوم كانت بقلعة الجبل وقدَّم له القاضي ناصر الدين البارزي خمسمائة مجلد، قيمتها ألف دينار فأقر السلطان المؤيد شيخ ذلك بخزانة الكتب بمسجده.
كما حرص السلطان الغوري أن ينشئ بمدرسته بحي الغورية خزانةَ كتب احتوت على كتب العلم الشريف، وقد أوقفها على طلبة العلم لانتفاعهم بها، والأغرب أن المكتبات وُجدت أيضًا في الأماكن المعدة للدفن، فقد حرص المؤرخ ابن تغري بردي أن يحتوي مدفنه الذي أعده لنفسه في حياته على خزانة للكتب ورتب لها خازنًا أمينًا، حتى يتردَّد عليها زوار المقبرة.
وظيفة الخازن
ولكي تقوم مكتبة المسجد بدورها على أكمل وجه حرص كل منشئ أن يوجد بمكتبة مسجده خازن الكتب (أمين المكتبة)؛ ليشرف على المكتبة، وحددوا أوصافًا اشترطوا أن تتوافر فيمن يشغَل هذه الوظيفة، منها أن يكون ثقةً خيرًا أمينًا يقظًا ذكيًا فطنًا عاقلاً مأمونًا بالغًا في الأمانة والثقة ونزاهة النفس وقلة الطمع، قادرًا على القيام بخدمة الكتب، عارفًا بترتيبها، كما حرصوا على أن يتولى هذه الوظيفة أحد العلماء أو الأدباء؛ ليكون عونًا للطلبة والباحثين في إرشادهم إلى ما يحتاجون إليه من مراجع، فمثلاً كان خازن أو أمين مكتبة جامع المؤيد شيخ هو القاضي ناصر الدين محمد المعروف بابن البارزي، وكان بارعًا في الفقه والعربية والأدب والإنشاء وصاحب الحل والعقد.
كما حددت وثائق الوقف مهمة أمين المكتبة في تصنيف الكتب وتنظيفها من الغبار وتفقد أحوال المكتبة والكتب بالإصلاح وتنظيم عملية المطالعة والاستعارة.
هذه هي المكتبة في مساجد مصر، أما الآن فإنه من المؤسف أن نرى مساجدَنا الآن أصبحت خاليةً من المكتبات والكتب ولم تَعُد تحتوي إلا على بعض الخزائن الصغيرة الهزيلة التي تضم عددًا محدودًا من نسخ القرآن الكريم توضع للتبرك أو التلاوة في المسجد.. فإنا لله وإنا إليه راجعون.