تحقيق: سالي مشالي

"تعدَّدت الأسباب والطلاق واحد" هذا أول ما يخطر على البال عندما نتكلم عن أبناء أسر انهارت، وهدمت المشكلات أركانَها قبل أن يوقِعَ الطلاق الحجرَ الأخير، وأيًّا كانت الأسباب أو أيًّا كان المخطئ، فإن مَن يدفع الثمن غالبًا هم الأبناء، فالمشاعر السلبية أو اللامبالاة هي العنصر المشترك بين هؤلاء الأبناء بمختلف أعمارهم ومستوياتهم المادية والاجتماعية، فإذا عرفنا إنَّ الجهازَ المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر أعلن أنَّ عددَ المطلقات بلغ مليونين و459 ألفًا، وأن 240 يُطلقن يوميًّا بمعدل مطلقة كل 6 دقائق، وأن 34% منهن طُلقن في العام الأول من الزواج، و40% في سن الثلاثين، نعلم أننا أمام قنبلة اجتماعية مرعبة، والحال في الدول العربية أفضل لكنه ليس مطمئنًا، ففي السعودية يتم تسجيل 33 حالة طلاق يوميًّا في المحاكم الشرعية، تُرى ما هو شعور هؤلاء الأبناء بعد طلاق والديهم؟ وكيف يفكرون؟ وما آثار ذلك على مستقبلهم؟

 

مال وطعام

عُمر (12 سنة) انفصل والداه منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، إذا رأيته ظننته أكبر من سنه بكثير نتيجة سمنته المفرطة، تشكو والدته وزوجة أبيه من نهمه الشديد في الأكل، يبدو أنَّ الإفراطَ في الأكل نتيجة الشعور بفراغٍ نفسي، ولكنَّ عمر لا يعترف أنه يُعاني من أي مشكلة، وإنما يشعر أنَّ طلاقَ والديه عاد عليه بمنافع كثيرة، فوالداه ميسورا الحال وعلاقته بهما تحمل الكثير من "البزنس"، فوالداه لديهما شعورٌ عالٍ بالذنبِ تجاهه، وبالتالي فكل منهما يسعى لإرضائه بلا حدود، ويشتري له ما يريد وما لا يريد، كلما التقيت بعمر لا أسمع منه إلا ماذا أشتري وماذا أريد أن أشتري، يلي ذلك الحديث عن أحدثِ المطاعم وأشهرها وأفضل الوجبات التي تبيعها، وإذا حاولت إثارة اهتمامه بسؤاله عن الدراسةِ أو أصدقائه يتهرب من الإجابة، ولو تكلمت عن الفن أو الرياضة... لا يشارك ولا يُعلق... فقط.. أموال.. شراء.. أكل!!

 

صفعة على الوجه

مريم (24 سنة) حدث الانفصال بين والديها منذ كان عمرها عشر سنوات، وكان والدها قبل الطلاق قد تزوَّج بالفعل سكرتيرته.. تذكر مريم مشاكل ما قبل الطلاق ثم مشاكل ما بعده بحزنٍ عميقٍ؛ فما مرَّت به هي وإخوتها كان عصيبًا، علاقة مريم بإخوتها من أبيها سطحية جدًّا رغم أن سنهم متقارب، ولكنها لا تستطيع أن تنسى عندما ذهبت لزيارتهم في أحدِ الأعياد، وحاولت أن تعقد صداقة مع أختها الكبرى ذات العشرين عامًا، وبالفعل انفتحت القلوب فبدأت الأخت تحكي لمريم بعض المواقف من حياتها، فأخبرتها ضاحكةً عن محاولاتِ والدهم في تعليمها القيادة، وكيف أنها كسرت محرك السرعة (الفتيس) أثناء التعلم، فسألتها مريم "بفزع" وماذا فعل بابا؟ أجابت ببساطة "تضايق طبعًا"، سكتت مريم ولم تُعلق ولكنها استأذنت من أختها ونزلت من منزل والدها قبل إن تغلبها دموعها، وتسأل عن سببِ بكائها، أما سبب البكاء فهو أنَّ هذا الأبَ نفسه عندما كان يعيش معها وهي الطفلة ذات العشرة أعوام كان إذا أحضرت له الماء أدفأ مما ينبغي يصفعها على وجهها!!

 

لماذا يا أبي؟؟

أحمد وعبد الرحمن (15، 16 سنة) لم يريا والدهما ولا أختهما عائشة منذ طلاق الوالدين، وكان أحمد وقتها مولودًا حديثًا، لقد اختفى الأب مع الطفلة التي كانت أمه تحبها ولم يعثر له أحدٌ على أثر، يشعر الولدان بقدرٍ كبيرٍ من الاستقرارِ النفسي نتيجة التضحيات المتواصلة التي تقدمها أمهما حتى لا يشعرا أنهما يختلفان عن الآخرين، ورغم ضيق ذات اليد وجهد الأم في استكمال دراستها والعمل للإنفاق عليهما في الوقتِ ذاته، وهما لم يشعرا بأي تقصير منها على مدى السنوات الماضية، يعاون الأم والداها وأخوها وعدد من الجيران، ولكن يظل السؤال المؤلم الذي يحرق قلب الأبناء.. لماذا فعل أبي ما فعل؟؟ لماذا- حتى بعد الطلاق- لم يحاول أن يسأل عنهم أو يتابعهم أو حتى يرغب في رؤيتهم؟! أليسوا أبناءه كما أنَّ عائشةَ ابنته؟!

 

كلنا مظلومون

وتروي سها (22 سنة) تجربتها مع طلاق والديها فتقول: أعتقد أنني تجاوزتُ بالفعل محنة طلاق والدي، ربما لأنَّ الطلاقَ تمَّ منذ عامين وأنا في العشرين، وأختي 14 عامًا، في البداية شعرتُ بالتعاطفِ مع كلٍّ منهما فأبي مظلوم، وأمي أيضًا مظلومة، ثم أنا وأختي مظلومتان، ظل لفترةٍ داخلي شعور قوي أنني كنتُ أُفضِّل أن يظلا يتشاجران، ولكن لا ينفصلان، يكفي أننا نستمر في الحياةِ معًا ونظل أسرةً واحدةً، ولكن بعد مرورِ فترةٍ من الوقتِ ونحن نعيش في هدوءٍ ودون زوابع وعواصف بدأتُ أشعرُ بالراحةِ وأنَّ قرارَ الطلاقِ كان قرارًا صائبًا (وإن كان صعبًا)، ما زلنا نعيش مع أمي وما زال أبي يرانا بانتظام، بل إنه أصبح يُفرِّغ لنا وقتًا مخصوصًا لنا ربما لشعوره بالذنب، ولكن يبقى بداخلي شعور بعدم الأمان ماذا لو تزوج والدي أو تزوجت والدتي؟.. أعتقد أنَّ الطرفَ الذي سيتزوج ستنتهي علاقته بنا وسنصبح كالأيتام.

 

مصلحة الأبناء أولاً

وتُعلق د. سعيدة أبو سوسو- أستاذ علم النفس جامعة الأزهر- على أبناءِ الطلاق ومدى تأثرهم نفسيًّا بهذه التجربة فتقول: أغلب أبناء المطلقين يُعانون من مشاكل نفسية جمَّة تحتاج إلى علاج نفسي، فالقلق النفسي والمخاوف والشعور بعدم الأمان سمة غالبة عليهم، كما أنهم يظهر عليهم الشرود الذهني والعصبية وضعف التحصيل الدراسي وعدم الثقة بالنفس، كما أنَّ الأبَ في أغلبِ الأحوال في حالةِ بقائهم مع الأُم يصبح متباعدًا عن الأبناءِ ولا يهتم بهم أو يتابع نموهم وتطورهم.

 

وتُناشد د. سعيدة الآباء أن يضعوا مصلحةَ أبنائهم فوق كل اعتبارٍ ويضعوها في المقامِ الأول، وألا يُقحموا هؤلاء الصغار في مشاكل الكبار، وألا يصبوا نقمتهم عليهم أو يُشعروهم أنهم سبب معاناتهم؛ لأنَّ هؤلاءِ الأبناء إذا لم يجدوا الأمن والأمان في ظل الأسرة فقد ينضمون إلى رفقاءِ السوء ويُصبحون وبالاً على أُسرهم ومجتمعهم.

 

وترى د. سامية خضر أستاذ علم الاجتماع أنَّ هؤلاء الأبناء تربوا في بيئةٍ تُعاني من خللٍ، عانوا من فقدانِ الأسرة والدفء العائلي، شاهدوا مشاكل وصعوبات في حياتهم حتى إنهم من كثرةِ ما رأوا من مشاكل أصبحت هذه المشاكل شيئًا عاديًّا بالنسبة لهم، ويرون أنَّ الأبَ والأم أعطيا لأنفسهما الأولوية على حسابِ أبنائهما، وبالتالي يعطون هم لأنفسهم الأولوية على حساب أي أحد بما فيهم الآباء.

 

مستقبل الأبناء

وتروي لنا د. إحسان فهمي تجربتها مع فتاةٍ انفصل والداها وهي في عمر سبع سنوات وظلت د. إحسان تتابعها على مرِّ عدةِ سنوات، كانت البنت في البداية ترسم الوالدين كما لو كانوا دوائر متباعدة، وهي تحاول إن تُقرِّب هذه الدوائر، ثم أصبحت ترسم الأم كيانًا كبيرًا يحمي الأبناء في داخله، وعندما تقدَّمت البنتُ في السن أكثر أصبحت رسومها تظهر فيها وحدها، نستنتج من هذا أن البنت في البداية كان لديها نوع من الشعور بالذنب وأنها المسئولة عن طلاق الوالدين، وهو شعور أغلب أبناء المطلقين، ثم وضعت اهتمامها على الأم؛ لأنها مَن ترعاها، ثم تمحورت حول ذاتها، وهو الشعور السائد أيضًا أن يشعر الطفل أنه لم يعد يهتم بأي من والديه؛ لأنهما لا يستحقان هذا الاهتمام من وجهةِ نظره.

 

وحول مستقبل هؤلاء الأبناء وهل سينجحون في زيجاتهم؟ تقول د. إحسان: إن هذا يتوقف على طبيعةِ شخصياتهم وهل سيتقمص الطفل أو الطفلة شخصية "الضحية" وبالتالي لن يقبل أن يُعاني أبناؤه من زيجةٍ فاشلةٍ، ويستميت في إنجاحِ هذه الزيجة، أو "يكرِّر النموذج" بمعنى أن يتقمص شخصية الآباء، فيكون الطلاق بالنسبةِ له سهلاً وعندما تواجهه مشاكل يُنهيها بالطلاق، ومن خلال عملي أستطيع أن أقول إنَّ هذا هو النموذج السائد.

 

نظرة المجتمع

ويركِّز د. عماد مخيمر- أستاذ علم النفس- كلية الآداب، جامعة الزقازيق- على معاناة الأبناء مع المجتمع وشعورهم أن الآخرين ينظرون إليهم على أنهم مختلفون، فيتملكهم شعور بالدونية يتحول إلى عدوانية تجاه هذا المجتمع، أو اكتئاب؛ لأنَّ كل زملائهم في المدرسة لديهم أب وأم وهو الوحيد الذي ليس لديه أب وأم مجتمعين، وقد يترتب على هذا أن يحجموا عن الزواج؛ لأنه مرتبطٌ عندهم لا شعوريًّا بالاضطرابِ وليس الاستقرار، وإذا تزوجت الفتاة يظل لديها شعورٌ بالتوجس تجاه الزوج متى سيطلقني؟!!

 

وينبه د. عماد إلى أنَّ هناك ما يُسمَّى "العوامل المخففة" هذه العوامل التي تُخفف من وقعِ الطلاق على الأبناء وتساعدهم أن يكونوا أسوياء قد تتمثل في: الجدة أو المدرس أو أن يزور الأب الأبناء بانتظام، أو يُنفق الأب على الأبناء بسخاءٍ يُعوضهم عن عدمِ وجوده بدلاً من المعاناةِ من الضغوطِ الاقتصادية أيضًا.. وهكذا يجد الأبناء ما يُعوضهم عن محنتهم ويعينهم على تجاوزها.