بقلم: عماد عجوة
كان حول رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- عددٌ من الكتبة تخصَّصوا في كتابةِ الوحي والرسائل إلى الملوك لدعوتهم للإسلام، وكذلك الأمور السياسية من اتفاقيات وعهود وغير ذلك، وقد نقل إلينا كُتَّاب السيرة من المؤرخين هذه الرسائل والمكاتبات، وتناقلتها الكتب المعاصرة، إلا أنَّ هناك دراستين تخصصتا فيما يتعلق بهذه الرسائل والمكاتبات التي تخص النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
من هذه الدراسات ما قام به الأستاذ محمد حميد الله الحيدر أبادي من جمعه لمجموعة ما تعلَّق بالنبي محمد- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- من وثائقَ مكتوبةٍ وكذلك ما يخص الخلفاء الراشدين في كتابٍ طُبِع باللغةِ الأرديةِ بعنوان "رسول أكرم كي سياسي زندكي"، والكتاب تُرجِم إلى العربية بعنوان "مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة"، وتمَّ طبعُه بدارِ الإرشادِ للطباعة والنشر ببيروت، وقد حاول الأستاذ محمد حميد الله بإخلاص جمعَ هذه الوثائق من أمهات كتب التاريخ والمتاحف، وقدَّم لنا معلوماتٍ مفيدةً يمكننا الاعتماد عليها كثيرًا.
كما أعد الباحث محمد بن عبد الله عبد القادر (من السعودية) أطروحةَ دكتوراه تحت عنوان "مرويات الوثائق المكتوبة من النبي وإليه" جمعًا ودراسةً، وقد تناول في هذه الدراسة الوثائق المكتوبة من النبي والمتعلقة بالمجتمع الإسلامي، سواءٌ كانت متعلقةً بالعهدِ المكي وما قبله أو المتعلقة بالعهد المدني، كذلك الوثائق المتعلقة بأمراءِ النبي وعماله، وكذلك المتعلقة بإقطاعاته وإقراراته، والوثائق النبوية المتعلقة بتأمينه- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- للقبائلِ والأشخاص والمُدن، إلى جانب مكاتباته لكلٍّ من دولتي الفرس والروم ومناطق نفوذهما، وتعرَّضت هذه الدراسة أيضًا للوثائقِ النبويةِ المكتوبةِ المتعلقةِ بالقبائلِ العربية واليهود والنصارى، وقد حصر مكاتبات النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وعدَّ منها 24 كتابًا فيما يُطلق عليه اليوم "وثائق".
ولكن للأسف لم يصلنا من وثائقِ النبوة (أي التي ترجع إلى النبي) إلا عددٌ محدودٌ محفوظٌ في أماكنَ متفرقةٍ من أنحاء العالم ومنها ما يلي:
الوثائق النبوية التي تمَّ العثور عليها:
1- رسالة إلى هرقل إمبراطور الروم وبيزنطة:
روى الإمام البخاري نصَّ هذا الكتاب ضمن حديث طويل، وقد اختار النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- لحمل هذا الكتاب الصحابي دحيةَ بنَ خليفةَ الكلبيَّ، وأمره أن يدفعَه إلى عظيم بصرى ليدفعَه إلى قيصر، ويُذكَر أن الشيخ زايد بن سلطان رحمه الله اشترى هذه الرسالةَ بمبلغ وصل إلى مليون جنيه إسترليني، وذلك سنة 1975م بعد أن ثبت له صحة هذه الرسالة، وقد تمَّ اكتشافُها في حوزة أميرة عربية تُقيم في لندن.
واشترك في عملية التحقيق من صحتها عددٌ كبيرٌ من العلماء والمسلمين والأوروبيين، كما استُعِين بالإمكانات المتاحة لدى المتحف البريطاني بلندن ومختبرات جامعة ليدز البريطانية، وقد استغرقت عمليةُ التحقيق من صحة الرسالة حوالي عامًا كاملاً.
وقد أسفرت عملية التحقيق عن ترجيح صحة نسبتها إلى رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، أما عن المراحل التي مرَّت بها حتى تصل إلينا فيذكر أنها كانت متوارثةً في أسرةِ هرقل، وكان منهم حكام الأندلس، وكان آخر العهد بوجودها عند أمير طليطلة (أذفونشد) ثم انقطعت أخبارُها بعد ذلك، وكان من المعتقد أنها فُقِدت بعد خروج المسلمين من الأندلس، ولكن تبيَّن أنها آلت إلى أميرةٍ عربيةٍ تقيم في لندن، وقد تمَّ نقل الوثيقة من زيوريخ حيث كانت مودعةً في خزانة خاصة بأحد البنوك هناك وبحضور الأميرة إلى خزينة أخرى بأحد بنوك لندن حيث تمَّ فحصُها ودراستُها، وهي مكتوبةٌ على رق غزال.
2- رسالة النبي إلى المقوقس عظيم مصر:
هذه الرسالة كتبها أحد كُتَّابه- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- سنة 6هـ، واختار لحملها حاطبَ بن أبي بلتعة، وقد أخذ المقوقس الكتابَ بعد حوارٍ دار بينه وبين سيدنا حاطب، وحفظه في صندوق من العاج، وختم عليه، وأعطاه إلى جاريةٍ له، ثم دعا كاتبًا له يكتب بالعربية، فكتب إلى رسول الله كتابًا، وبعث إليه بجاريتين لهما مكانةٌ عند القبط وبكسوةٍ من النسيج القبطي وبغلة.
ويُروَى أن فرنسيًّا يُدعى بأرشيمليه عثر على هذه الرسالة في كنيسة مدينة أخميم في صعيد مصر سنة 1850م، وكانت ملصقةً على غلاف إنجيل قبطي قديم، ولما تبيَّن له أن هذه الرسالة تخص النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قدَّمها إلى السلطان عبد المجيد العثماني الذي أمر بحفظها داخل إطار ذهبي وُضع بداخل صندوق من الذهب الخالص المزخرف بأروع الزخارف.
وأبعاد هذه الرسالة المكتوبة على الرق 42.5 × 30سم وقد بلغت بعض أقسامها من الوسط، وهي محفوظةٌ في فرع الأمانات المقدسة في متحف قصر طوبقا بوسراي بإستطنبول بتركيا، وما زالت محفوظةً به حتى الآن، ونصها:
بسم الله الرحمن الرحيم (من) محمد بن عبد الله (ور)
سوله (إلى المقوقس) عظيم القبط (سلام) على
من اتبع الهدى (أما) بعد (فإني أد) عوك بدعاية (الإ) سلام أسلم
تسلم يوتك الله أجرك مرتين
فإن توليت فعليك إثم القبط
ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة
سواء بيننا وبينكم ألا تعبدوا إلا الله
ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا
بعضًا أربابًا من دون الله فإن تو
لوا فقولوا اشهدوا بأنا م
سلمون
محمد
رسول
الله
3- رسالة النبي إلى نجاشي الحبشة:
النجاشي هو ملك الحبشة، وقد تتابعت الرسائل بين النبي والنجاشي كما ذكرت المصادر، وقد أورد الطبري نصَّ الرسالة التي أرسلها النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- إلى النجاشي أصحمة بن الأبجر مع سيدنا جعفر بن أبي طالب حين خرج هو وأصحابه مهاجرين إلى الحبشة، أما الكتاب الذي نحن بصدد الحديث عنه، رواه البيهقي عن ابن إسحاق كما أورده ابن القيم، وبذل الأستاذ حميد الله جهدًا بليغًا في تحقيق نص الرسالة، واستعان في ذلك كثيرًا باكتشافات العصر الحديث، وأكد أن هذا هو نص الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- إلى النجاشي بعد صلح الحديبية، ويذكر صفي الرحمن المباركفوري في الرحيق المختوم أن هذا الكتاب ليس هو الذي بعثه النبي إلى أصحمة، ولكنَّ النبيَّ كتبه بعد موتِ أصحمة إلى خليفته، ولعل هذا هو السبب في ترك الاسم دون تحديد مَن هو اسم النجاشي.
وهذه الرسالة عثر عليها المستر دنلوب كما جاء في مجموعة الوثائق السياسية، والرسالة محفوظةٌ في الجمعية الجغرافية البريطانية، ونُشِرت في مجلة الجمعية الملكية الأسيوية سنة 1940 وهذا نصها.
"بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي
عظيم الحبشة، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أحمد إليك
الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن،
وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول
الطيبة الحصينة فحملت بعيسى من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده
وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته، وأن
تتبعني، وتوقن بالذي جاءني، فإني رسول الله، وأني أدعوك وجنودك إلى
الله عز وجل، وقد بلَّغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من
اتبع الهدى
محمد رسول الله"
4- رسالة النبي إلى أمير البحرين:
كتب النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- إلى المنذر بن ساوى حاكم البحرين كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام، بعثه إليه مع العلاء بن الحضرمي، وقد أرسل المنذر إلى النبي بكتاب قال فيه:
"أما بعد يا رسول الله فإني قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضي مجوس ويهود، فأحدث إلي في ذلك أمرك فكتب إليه رسول الله بهذا الكتاب".
وقد عثر على أصل هذا الكتاب في دمشق، وتوجد صورة منه بدار الآثار العراقية تحت رقم 8/100، وتوجد صورة منه في كتاب مكاتيب الرسول لعلي الأحمدي ونص الكتاب ما يلي:
"بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى
المنذر بن ساوى سلام عليك، فإني أحمد الله
الملك الذي لا إله غيره، وأشهد أن لا إله إلا
الله وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد فإني أذكر
الله عز وجل فإنه من ينصح فإنما ينصح ويتبع أمرهم
فقد أطاعني ومن نصح لهم فقد نصح لي وإن رسلي
قد أثنوا عليك خيرًا، وأني قد شفعتك في قومك
فاترك المسلمين ما أسلموا عليه وعفوت عن أهل
الذنوب فاقبل منهم وإنك مهما تصلح فلن نعزلك
عن عملك ومن أقام على يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية
محمد
رسول
الله"