لا يخلو عصر من طائفة المنافقين، الذين لا همَّ لهم سوى اللافتراء على المسلمين الصادقين ونشر الأكاذيب بغرض تشويهم والفتّ فى عضدهم وتخذيل مَنْ وراءهم.. وإذا كانت أدوات الصراع بين معسكرى الكفر والإيمان تختلف من عصر إلى عصر ومن مكان إلى آخر، فإن فكر المنافقين ثابت لا يتغير، وعقيدتهم واحدة لا اختلاف فيها ولا تبديل..

فالمنافقون عصابة واحدة، يتحدثون بلسان عبد الله بن أبى بن سلول، زعيم هذه الطائفة، يثبطون الهمم ويجلبون الهمّ والغمّ، ويخالفون الأمة فى ثوابتها، ويثيرون الإحن والخلافات ويؤسسون لمعارك كلامية تؤجج فيها النزاعات التى تغير النفوس وتوغر الصدور.. وخطورة تلك الفئة أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم، فهم وإن كانت أسماؤهم إسلامية وصورهم صور المتقين المخبتين، فإن قلوبهم تحمل الضغينة على المسلمين وتتمنى هلاكهم، وما اتخذوا الدين إلا ستارًا لحربهم عليه.

وفى أثناء حرب الصهاينة الملاعين على غزة، سمعنا ورأينا كثيرًا من هؤلاء المنافقين الذين ازدادت أعدادهم بعد الانقلاب الدموى الغادر، كلهم يطعن فى جهاد المجاهدين، ويستعدى الدنيا عليهم، ويغمز ويلمز فى كل قول وفعل وفى كل صغيرة وكبيرة، وهو يود أن يكون النصر المؤزر للصهاينة، والموت والهلاك لأبناء القسام وحماس.

من هؤلاء من تمنى القتل -صراحة- للمجاهدين، كالمذيعة التى رجت موتهم لكن بعيدًا عن توريط مصر فى شىء من آثار هذا القتل، ومن هؤلاء من طالب بمحاكمتهم كمجرمى حرب لقتلهم عددًا من جنود اليهود الذين صبوا نيران طائراتهم ودباباتهم على أطفال ونساء وشيوخ غزة، ومنهم (معتوه) رفع حذاءه فى وجوه هؤلاء الأشراف، حسدًا من عند نفسه وحقدًا دفينًا طفح على مشاعره بعدما سمع عن انتصارات المقاومة ومفاجآتها المدوية.

ولا يمكن بحال الزعم بأن هؤلاء يحملون بقية من إيمان، وإلا فما قيمة ما ورد إلينا من آيات قرآنية وأحاديث نبوية، تشخص لنا بدقة بالغة صفات المنافقين، وهذه الصفات تنطبق -دون تردد- على هؤلاء النتنى الذين خلت قلوبهم من إنسانية الإنسان بل صاروا أضل من الأنعام فى سلوكهما وقلة عقلها.

إن الذى يدّعى أن أبناء القسام كانوا سببًا فى قتل أهل غزة وأطفالها؛ لأنهم -حسب زعمه- استفزوا اليهود، هو منافق خالص النفاق، أراد أن يورط المسلمين ويكافئ المجرمين بدلا من أن ينطق بالحق.. وهؤلاء وجب الأخذ على أيديهم بنص القرآن {لّئٌن لَّمً يّنتّهٌ پًمٍنّافٌقٍونّ $ّالَّذٌينّ فٌي قٍلٍوبٌهٌم مَّرّضِ $ّالًمٍرًجٌفٍونّ فٌي پًمّدٌينّةٌ لّنٍغًرٌيّنَّكّ بٌهٌمً ثٍمَّ لا يٍجّاوٌرٍونّكّ فٌيهّا إلا قّلٌيلاْ} [الأحزاب: 60]، لأن المسلم الحق لا يعرف هذا الهروب والفرار، ولا يخترع لنفسه المواقف للانسحاب من المعركة { قٍل لَّن يّنفّعّكٍمٍ پًفٌرّارٍ إن فّرّرًتٍم مٌَنّ پًمّوًتٌ أّوٌ پًقّتًلٌ $ّإذْا لاَّ تٍمّتَّعٍونّ إلاَّ قّلٌيلاْ } [الأحزاب: 16]، كما لا يعرف المسلم الجبن والخور اللذين هما من صفات المنافقين الذين يحسبون كل صيحة عليهم ويخشون المواجهة، ويكرهون الجهاد فى سبيل الله، {فّرٌحّ پًمٍخّلَّفٍونّ بٌمّقًعّدٌهٌمً خٌلافّ رّسٍولٌ پلَّهٌ $ّكّرٌهٍوا أّن يٍجّاهٌدٍوا بٌأّمًوّالٌهٌمً $ّأّنفٍسٌهٌمً فٌي سّبٌيلٌ پلَّهٌ $ّقّالٍوا لا تّنفٌرٍوا فٌي پًحّرٌَ قٍلً نّارٍ جّهّنَّمّ أّشّدٍَ حّرَْا لَّوً كّانٍوا يّفًقّهٍونّ} [التوبة: 81].

إن الحمد لله أن خلق هذه المواقف، ليميز الحق من الباطل، والمخلص من المنافق، فلو بقينا فى حال الرخاء عشرات السنين ما ظهرت تلك الفئة الفاسقة، ولا عرفنا خباياها وغلها، وأفكارها المغرضة، {$ّلّوً يّشّاءٍ پلَّهٍ لانتّصّرّ مٌنًهٍمً $ّلّكٌن لٌَيّبًلٍوّ بّعًضّكٍم بٌبّعًضُ} [محمد: 4]، واليوم يستبين لنا أن بيننا من يحملون -ظاهرًا- ديننا لكنهم أشد علينا من أعدى أعدائنا. فلنحذرهم.. وهؤلاء لا يختلفون عن المنافقين الأوائل {الًقّائٌلٌينّ لإخًوّانٌهٌمً هّلٍمَّ إلّيًنّا $ّلا يّأًتٍونّ پًبّأًسّ إلاَّ قّلٌيلاْ} [الأحزاب: 18] الذين قالوا {مَّا $ّعّدّنّا پلَّهٍ $ّرّسٍولٍهٍ إلاَّ غٍرٍورْا} [الأحزاب: 12]، وقالوا {يّا أّهًلّ يّثًرٌبّ لا مٍقّامّ لّكٍمً فّارًجٌعٍوا $ّيّسًتّأًذٌنٍ فّرٌيقِ مٌَنًهٍمٍ پنَّبٌيَّ يّقٍولٍونّ إنَّ بٍيٍوتّنّا عّوًرّةِ $ّمّا هٌيّ بٌعّوًرّةُ إن يٍرٌيدٍونّ إلاَّ فٌرّارْا} [الأحزاب: 13].

إننا لن نسمع أبدًا لما يقول هؤلاء، لأن فى آذاننا قرع الآية {$ّلا تّهٌنٍوا $ّلا تّحًزّنٍوا $ّأّنتٍمٍ الأّعًلّوًنّ إن كٍنتٍم مٍَؤًمٌنٌينّ} [آل عمران: 139]، ولأننا على عهد الله ما استطعنا {يّا أّيٍَهّا پَّذٌينّ آمّنٍوا إن تّنصٍرٍوا پلَّهّ يّنصٍرًكٍمً $ّيٍثّبٌَتً أّقًدّامّكٍمً} [محمد: 7]، { فّقّاتٌلً فٌي سّبٌيلٌ پلَّهٌ لا تٍكّلَّفٍ إلاَّ نّفًسّكّ $ّحّرٌَضٌ پًمٍؤًمٌنٌينّ عّسّى پلَّهٍ أّن يّكٍفَّ بّأًسّ پَّذٌينّ كّفّرٍوا $ّاللَّهٍ أّشّدٍَ بّأًسْا $ّأّشّدٍَ تّنكٌيلاْ} [النساء: 84].. وإن وعد الله لآت؛ لقول النبى صلى الله عليه وسلم: «ما من امرئ يخذل امرءًا مسلمًا فى أرض أو فى موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله فى موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلمًا فى موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك من حرمته إلا نصره الله فى موطن يحب فيه نصرته» أبو داود.

ولسوف يعلم كل ذى لب أن دين الله باق حتى يأذن الله بزوال أرضه وسمائه، يحمل هذا الدين طائفة من الأمة أخبر عنها المعصوم صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تزال عصابة من أمتى يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك".