تحقيق: مي محمود
تتعرض حرية الصحافة في مصر ومعظم الدول العربية للكثير من القيود التي تصل إلى حدِّ إغلاق الصحف وحبس الصحفيين في قضايا النشر والتدخل الحكومي ضد العمل، ويتم ذلك من خلال القوانين والمجالس التي تقوم السلطة باختراعها لتنفيذ هذه السياسة، وعلى سبيل المثال المجلس الأعلى للصحافة في مصر من المفترض أن يكون دوره إداريًّا فقط ولكنه يتعدى ذلك، فيقوم بدور رقابي مرفوض؛ حيث لا يسمح بإصدار تراخيص للصحف إلا لعدد محدود جدًّا من الطلبات المقدَّمة إليه.
وفي بعض الدول العربية تتكرر التدخلات الحكومية ضد حرية الصافة، وفي تونس تمت مصادرة مجلة (المرأة اليوم)؛ بسبب إشارتها إلى مرض الرئيس زين العابدين بن علي، أما في اليمن فقد تعرضت الصحافة لضغوط حكومية متزايدة، وقامت السلطات بالتحرش بالصحفيين، وأوقعت صحف المعارضة والمستقلة في معارك قضائية، أما في الأردن فقد اعتقلت أجهزة الأمن الأردنية مراسل قناة (الجزيرة) في عمان أثناء قيامه بتغطية مسيرة، وتزامن ذلك مع توقيف لمراسلة (الجزيرة) في العاصمة الأردنية أثناء تغطيتها لاعتصام قامت به إحدى العشائر، فقام رجال الأمن بمصادرة الأشرطة التي كانت بحوزتها.
ويعلق الدكتور محمد منصور- الأستاذ بكلية جامعة القاهرة- على وضع المجلس الأعلى للصحافة قائلاً: إن وضْع هذا المجلس في النظام السياسي القائم يمثل جزءًا أساسيًّا منه، بل إن رئيس المجلس الأعلى للصحافة معيَّنٌ من قبل السلطة، وفي هذا الإطار يصبح دور المجلس الأعلى للصحافة تنفيذ ما تريده السلطة السياسية، وعليه يكون من الطبيعي أن يعرقل المجلس الأعلى للصحافة صدورَ بعضِ الصحف إذا رأى النظام أن هذه الصحف قد تمثِّل خروجًا على النص، أو يمكن أن تمثل راقدًا معارضًا يكشف سوءات النظام وسلبيات الحكم.
وبالتالي فإن وجود مثل هذه النوعية من الصحف قد يضع النظامَ السياسيَّ في منطقة غير آمنة بالنظر إلى ادعاءاته المستمرة، بحرصه على إقامة الديمقراطية، ومنح الصحافة حريةً في الوقت الذي يسعى فيه، من خلال القيود المنظورة وغير المنظورة، من خلال قنوات عدة إلى عرقلة وجود مثل هذه النوعية من الصحف والتضييق عليها، والحيلولة بينها وبين أن تكون صوتًا مسموعًا في الحراك السياسي داخل المجتمع.
وأضاف الدكتور منصور أن المجلس الأعلى للصحافة بإمكاناته في ظل اللوائح والقوانين (المطَّاطة)- التي يحتكم إليها حينما يشاء- أن يبادر بإغلاق بعض الصحف أو وضعها في موضع المساءلة تحت ادعاءِ مخالفتِها للقوانين المعمول بها أو بميثاق الشرف الصحفي، وهو في كل الأحوال يمثِّل أداةً من أدوات السلطة في المنح أو المنع، وأعتقد أن هذه آفةُ كل المجتمعات النامية، باستثناء بعض الدول، وأعتقد أن مصر تمثِّل نموذجًا حيًّا لكيفية تطبيق سياسة المنح والمنع، وللأسف لدينا أدواتُ التبرير في كل حالة، وفيما يتعلق بالشركات المساهمة أعتقد أنها كانت محاولةً فقط لتعديل قانون سلطة الصحافة التي صدر قانون 148 لسنة 1980 والذي بموجبه أصبح إصدار الصحف ليس من حقِّ الأفراد.
![]() |
ومن هنا صارت الشركات المساهمة هي الاختراع المصري البديل الذي يمكن من خلاله إصدار الصحف، ولكنَّ الأمر مع هذا التعديل القانوني الذي قُصد به عدم توريث صحف الأفراد- وخاصةً صحف الإخوان المسلمين كما حدث في مجلة (الدعوة)- يبقى رهنًا بموافقة المجلس الأعلى للصحافة؛ إذ يُشترط أن يوافق المجلس على إصدار الصحيفة وفق الضوابط التي يراها هو أو التي يفصلها هو، بدليل أن هناك شركاتِ مساهمةٍ أصدرت صحفًا تتعارض في كل توجهاتها مع تقاليد المجتمع وقيمه ومعتقداته، بل تتصادم مع بديهيات نصوص ميثاق الشرف الصحفي، ومع ذلك سُمح بإصدارها، بينما إذا تعلق الأمر بصحيفة تصدر عبر شركات مساهمة لكان (يُشْتَم) منها أنها تمثل صوتًا لتيارٍ فكريٍّ أو لقوى سياسية معينة ليست على هوى السلطة أو النظام، عندها يبحث المجلس عن المبررات أو المسوغات التي يتخذها ذريعةً للحيلولة دون الإصدار، الأمر الذي دفع بعض التيارات إلى التحايل على اللوائح والحصول على ترخيص الإصدار
