الدعوة إلى الله هي الأمر بالمعروف بمعروف والنهي عن المنكر بلا منكر، هي التوجيه بالحسنى وإرشاد الآخرين إلى ما فيه الخير، هي إشاعة الخير وكبح الشر، هي دلالة الآخرين على ما فيه النفع وحمايتهم عما فيه الضر.
والدعوة إلى الله ذات شأن استحق أن يقول الله فيها ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ(33)﴾ (فصلت) ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾ (يوسف: 106) ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ..﴾ (آل عمران: من الآية 110) والأصل أن مهمة الدعوة إلى الله منوطةٌ بكل مسلم على حدته وتختلف من مسلمٍ لمسلم آخر، فالطبيبُ يباشر مهمةَ الدعوة إلى الله في مشفاه، والمدرس يباشرها في مدرسته، والطالب في فصله، والمهندس في منشأته، والجندي في ميدانه، والأم في بيتها، والسائق في سيارته، وهكذا.
لكن هناك مَن اصطفاهم الله لمهمةِ الدعوةِ حتى صارت وظيفةً لهم، وكفلت لهم الدولة أجرًا ماديًّا رمزيًّا، يستعينون به على ظروف معاشهم ومتطلَّبات حياتهم؛ هؤلاء هم الخطباء، خطباء المساجد، وأئمة بيوت الله، ومبلغو الدعوة الإسلامية عن رسول الله عن الوحي الأمين عن الله جلَّ وعلا إلى جمهور الأمة قاطبةً مسلمين وغير مسلمين.. فكانت لنا معهم هذه الوقفة:
وقفةٌ لا بد منها
قفها أخي الخطيب بين الحين والحين، فالداعية على المنبر إعلاميٌّ، يعلن ويدعو ويبث إلى الآخرين تعاليمَ دين الله، ويعبر عن ويتحدث باسم أعظم الرسالات رسالة الإسلام، وكم من منابرَ هدفها البناءُ وأخرى هدفُها الهدم، فلتكن أخي الخطيب على منبرك داعيةَ بناءٍ لا هدمٍ لمجدِ أمةٍ طالَ غيابه.
وفي الإسلام الحنيف شُرعت صلاة وخطبة الجمعة لتكون لَدَينا التوعية الدينية مرةً كل أسبوع؛ لمعالجة ما يستجدُّ من شئون حياتية، فالخطبة شعيرةٌ إسلاميةٌ مرتبطةٌ بفريضة عظمى هي الصلاة؛ مما يدل على أهميتها ومكانتها، ولو أحسن الخطيبُ الإفادةَ منها لا شكَّ سيكون في هذا الكثير والكثير من الأمور التي فيها ترشيدٌ للمجتمع كله بكل فئاته.
والإسلام دينٌ متكاملٌ ومنهجٌ شاملٌ، اشتمل على كل ما يشغل اهتمامَ الناس وعالَجه بالقرآن أو السنة أو آثار السلف الصالح أو كل ذلك جميعًا، فلا ينبغي أن يكون الخطيبُ منعزلاً عن حركة المجتمع وقضاياه ومشكلاته بحجة أن هذه قضايا دنيويةٌ وأن خطب المنبر لا بد أن تكون وصايا روحانيةً فقط وعظاتٍ إيمانيةً بحتة تذكِّر الناس بربِّهم والموتِ واليومِ الآخر أو بالذكرِ والتقوى وفقط، وإن كان هذا مطلوبًا بين الحين والحين، لكنَّ الإسلامَ عالج كل قضايا ومشكلات الدنيا جميعًا، وإلا تسبب في مشكلاتٍ أكثر ضررًا، وزاد بُعد الناس عن تمسك الناس بإسلامهم، وضعفت الثقة في جعله منهجًا قويمًا يصلح لقيادة العالم، فمن الأفضل أن يربط خطبته بما هو واقعٌ، ولن يُعدَم قضايا تُحتِّم عليه أن يطرقها بلطف.
فلا بد أن يجد الناس لدى الخطيب ما يشبع نهمهم ويحل لهم قضاياهم، وأيضًا من خلال القرآن والسنة، اللذان لم يدَعا شيئًا من شئون الدنيا والآخرة إلا وأفاضا فيه، فليكن لك من القرآن والسنة ما تعالج به قضايا أمتك.
الخطباء أنواع شتى!!
والخطباءُ أنواعٌ شتَّى واتجاهاتٌ مختلفةٌ، فمنهم من يتميِّز بهدوءِ الطبعِ وهدوءِ الصوتِ وهدوءِ الحركة، ومنهم من تغلب عليه الحماسةُ في الحركة والإلقاء، فيحمر وجهه، وتنتفخ عروقه، ومنهم من هو بين هذا وذاك، فتراه عاليَ الصوت لكنه قليلُ الحركةِ والثائرة، ومنهم من يتحرك كثيرًا وينفعل بشدة لكنَّ صوتَه لا يسعفُه.. كل هذا لا يُوضع في ميزانِ الخطبةِ الناجحةِ ولا علاقةَ له بفشلِ الخطبةِ أو نجاحِها.
إن الشيء الوحيدَ الذي يميِّز بين خطبةٍ وخطبة أو عليه يكون التفاضلُ بين خطبةٍ وأخرى لا يتعدَّى أمرين اثنين لا ينفكان: اختيار الموضوع، وروعة الأسلوب في الأداء، ولقد سمعنا كثيرًا أئمةً وخطباء جاءت خطبتُهم على مستوى عالٍ من النجاح والتأثيرِ في المستمعين ولم يكن يومًا من الأيام أمرُ الانفعال والثوران على المنبر وعلوُّ الصوت هو السببَ الحقيقيَّ لنجاحِ خطبته، وكذا الحال لم يكن كونه عالمًا فقيهًا فقط هو السببَ الحقيقيَّ وراء نجاح خطبته، فلا بد من الأمرين معًا مجتمعَيْن: اختيار الموضوع، وروعة الأسلوب في الإلقاء.
أهمية اختيار الموضوع
وأعني بأهمية اختيار الموضوع جملةًَ من المعاني:
- أن يكون متمشيًا مع قضايا الأمة محليًّا أو خارجيًّا، وأن يكون متوافقًا مع ما يهم الناسَ في تلكَ البيئةِ التي تُلقى فيها هذه الخطبةُ، فلا يجوز أن نتحدثَ في قريةٍ نائية، يعاني أهلها من شظف العيش وقسوته ولا يوجد بها مكانٌ حتى لبيع الخبز وصنعه.. لا يجوز أن نتحدث عن وجود مظاهر بذخ وإسراف وتجريم ذلك، مع أن أحد الفقهاء قال: "إن إنشاءَ مخبز في بلدٍ ما من بلدان المسلمين- ليس فيها هذا المخبز- من فروضِ الكفاية على أهل هذا البلد".. ولا يصح مثلاً أن تكون الحالةُ العامةُ هي الانتخابات ثم أحدِّث الناسَ عن شيءٍ آخرَ لا سيما وهذا الأمر يتعلق بمصلحة الأمة العامة، ولا ينبغي أن تكون الحالةُ العامةُ هي شيوع الفاحشة وانتشار الزواج العرفي مثلاً وأتحدَّث عن موضوعٍ آخر مهملاً ومتناسيًا مثل هذه القضية، وهكذا فلكل حدثٍ حديثٌ ولكل قضيةٍ تحليلُها الذي لا ينبغي إلغاؤه أو إرجاؤه.
- ونعني به أيضًا أن يكون الموضوع مُختَارًا ومعدًّا من قبل، يعني لا يُلقِيه الخطيبُ على مسامعِ الناسِ جزافًا أو من واقعِ خواطرِه ومعلوماته، فيظل يشرِّق ويغرِّب في موضوعاتٍ شتَّى ثم يهبط ظانًّا أنه أتى بما لم يستطعْه الأوائل، فهو مع هذا يهدم ولا يبني.. لا أقول يهدم المجتمعَ؛ بل على الأقل يهدِم نفسَه، كما أنه بهذا مقصرٌ في حقِّ الجمهور الذي وطَّن نفسه على المجيء لاستماعِ ما ينفعُه في دينه ودنياه وما يعالج قضاياه الحياتية، فحتى لو تكلم الخطيبُ كلامًا لا غبار عليه من واقعِ خواطره، لكنَّ للجمهورِ قلبًا من نوعٍ خاص، وعقلاً من نوعٍ ذكي، يتعرف على الخطيب، وهل أعدَّ موضوعَه وأتقن تحضيرَه وشحَذ هِممَه لإلقائِه أو أنه سيقول كلامًا مرسلاً ليست له خلفيةٌ في عقلِ ووعي الخطيبِ من ذي قبل، فيبدو هذا على الخطيبِ من خلال قسمات وجهه على المنبر بل من مجرد وقفته.
- ومن اختيار الموضوع أيضًا مراعاةُ الزمان والمكان والأشخاص، وأن يكون الخطيب على وعي تامٍّ بمشكلاتِ مجتمعه والقضايا الشائكةِ التي يعانيها، فإعدادُ خطبةٍ في مسجدٍ بقريةٍ فقيرةٍ يختلف عن إعدادها لقريةٍ نموذجيةٍ عنه لمدينةٍ راقيةٍ متحضِّرةٍ عنه في دولةٍ أخرى، وإعدادها لمسجدٍ أكثر رواده الشبابُ يختلف عنه في مسجدٍ أكثر رواده الشيوخُ وإعدادها لمسجدٍ يصلي فيه أمِّيُّون يختلف عن مسجدٍ يؤمه العلماءُ والمثقفون.
ولا ينسى الخطيب أن يراعي كونَ الحضورِ شرائحَ مختلفةً فيهم الطالبُ والمدرسُ والفلاحُ والعاملُ والصانعُ والعالم.. وخطبة عن موضوع ما ألقيتُها اليوم لا شك تختلف عنها في نفس الموضوع عندما أُلقيها منذ خمس سنوات.. فمراعاةُ ذلك كله يساعد على نجاحِها- أي الخطبة- وتأثيرها في أسماع مَن ينصت لها.
- ومن تمام اختيار الموضوع أن يقومَ الخطيبُ بإعداده إعدادًا جيدًا بالقراءةِ والبحث عما ينفعه في هذا الموضوع ويساعده للوصول إلى بغيته المنشودة، فينقب ويقرأ ويفتح أمهاتِ الكتب ويزيد من رصيدِه العلمي والثقافي ويلم بجوانبِ الخطبةِ إلمامًا حسنًا يجعله حتى لو أصابته غفوةٌ وهو على المنبر يستطيع أن يدور في إطار الموضوع ولا يشرد بعيدًا عن مضمونه، وهو بهذا يرحم أذهانَ المستمعين التي تظل طوال الخطبةِ متعلقةً بالمعاني التي ينسجها، فإن ضلَّ منه خيطُ البداية ولم يكن قريبًا منه ما هو بديل عنه ضلَّ الجمهورُ وكان الإحراج المزعج لهذا الخطيب.
ولا يستنكف أن يسألَ من سبقوه في العلم عن مسألةٍ أو قضيةٍ أو كيف يعالج قضيةً معينةً أو ما الواجب عليه أن يأخذ به في هذا الموضوع أو من أين يأتي بما يخدم هذا الموضوع، فهذا إلى جانب أنه ينمي عنده جانبَ العلم اللازم لإعداد الموضوع أيضًا يورثه خبرة من سبقه في هذا المجال والخبرة ذات أثر طيب في إنجاح الخطبة.
وآخر ما يمكن أن نرشدَ إليه هو أن الخطيبَ يجب أن يكون معنى محدد أو مفهوم لما يريد أن يخرج به من وراء الخطبة، ولا يترك الحديثَ مبعثرًا لا يُدرَى الهدفُ من ورائِه فليلملِم الخطيبُ أطرافَ حديثِه من كل جانب، وأن يدعم خطبته بما يجذب غالبًا من قصص أو حديث يسمعه الناس كثيرًا لكنه سيستخرج معنى صحيحًا وجديدًا منه، وسيكون لأهميةِ الموضوعِ وحداثته أكبر الأثر في الرقي بالخطبة.
واحذر أن تطرق أبواب الخلافاتِ الفرعيةَ التي يسعك منها ما يجمعك بالحضور على أقرب نقطةِ اتفاقٍ.
اعتنِ بأسلوبك
وأما مقصدي بروعةِ الأسلوب فهو أن المادةَ العلميةَ الثقافيةَ التي تخدم القضيةَ التي يريد الخطيب تبليغَها للناس قد تتوفَّر وبزيادةٍ.. لكن تبقى مشكلةُ المشكلات وهي كيف أؤدِّي هذا الجهدَ الهائلَ من تبيلغِ الكلامِ لأفهامِ الناسِ؟.. كيف يخرج المعنى العظيمُ المعدُّ من بين ثنايا الخطيب إلى أذهان الجمهور؟
والحقيقة أن الخطيب إذا نجح حقًّا في إعداد الخطبة فإن هذا يعطيه ثقةً لا حدودَ لها في أدائِه، وأنه مهما كان أسلوبُه رديئًا أو يعتري صوتَه بعضُ العيوبِ أو ليس على قدرِ المستوى الأدائي فإن ثقافتَه وعلمَه وجهدَه في إعداد الخطبة قد يَجبر تقصيرَه.
وليس المقصود من روعةِ الأسلوب الصوتُ العالي وإن كان لعلوِّ الصوت على المنبر مكانٌ وقدرٌ في أحيان ما.. وليس المقصود منها الهدوءُ والكلامُ بأريحية والتحدث إلى الجماهير بالمنطق والإقناع وفقط، وإن كان هذا كله مطلوبًا أحيانًا ومفيدًا جدًّا.
لكن ما أعنيه من روعة الأسلوب هو أن يتعامل الخطيب مع الخطبةِ تعاملاً إيجابيًّا، فيرتفع صوتُه في الموضع الذي يجب أن يرتفعَ فيه وينخفض في الموضع الذي يجب أن ينخفضَ فيه ويأخذ ملمحَ الترهيب فيما يحمل من إنذارٍ أو تخويفٍ، ويأخذ اتجاه الترغيبِ فيما يحمل من بشرياتٍ وعوامل جذب.
والخطيب حكيمُ نفسه في هذا الأمر؛ فله- كما قلنا- هدفٌ من وراءِ خطبتِه يريد توصيلَه إلى الناس، فهو يُعلي من صوته ويشير بجناحَيه فيما يخدم هذا الهدف الأسمى الذي بنَى خطبتَه عليه.. فمن الأركان المهمة لكي يكون الأسلوبُ رائعًا أن يكون الخطيبُ متمكنًا من خطبته حفظًا وعلمًا ودراسةً واستيعابًا، ثم عليه أن يتفاعلَ مع الخطبةِ صعودًا وهبوطًا، ولا بد ألا يحرم الجمهور من جاذبيةِ البسمةِ متى لم يحتج إلى انقباض وجهه، وأن يكون صوتُه في الغالب متوازنًا لا هو زاعقٌ صاخب ولا هو خافت يبعث على السبات والوخم.
تلغرافات منبرية
أخي الخطيب إليك هذه التلغرافات:
- احذر أن تقول قولاً أنت له مخالفٌ بل ربما كنت أول المخالفين.
- الخطيب وعاء الدين.
- استعن على جبر تقصيرك في الخطبة بحسن سيرتك بين الناس فهذا كفيل.
- الدعوة شيء والعلم شيء آخر، ولا غناء لأحدهما عن الآخر.
- ليكن لك بينك وبين الله عملُ سرٍّ أن يفتح الله لك مغاليقَ القلوب وأن يعلمك سبحانه ما لم تكن تعلم.
- وقبل أن تخطب في الناس ليكن لك من نفسك من تخطب فيه أولاً.
ولم أرَ في عيوبِ الناس عيبًا كنقصِ القادرينَ على التمامِ
------------
* باحث شرعي