حقيقةُ الرُّؤَى والمَنَامَات
الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، وعلى آلِه وصحبِه ومَنْ والاه واهْتَدى بهُداه.
وبعد؛ فقد كثُر الحديثُ عن الرُّؤَى الصالحةِ المبشِّرةِ بانتصارِ الشرعيَّةِ وزوالِ الانقلاب، ومنها رُؤَى منسوبةٌ لبعضِ أهلِ العلمِ والصَّلاحِ أنهم رأوا النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبشَّرهم بزوالِ الانقلابِ، ومنها رُؤَى تُبَشِّرُ بسلامةِ الرئيسِ الشرعيِّ الدكتور محمد مرسي من كيْدِ الكائدين، وعودةِ الشرعية، وغير ذلك. وقد فتح ذلك بابَ الجَدَلِ حول الرُّؤَى والموقفِ الشرعيِّ منها.
- وتبايَنَ الناسُ في تناولِ الرُّؤَى والاهتمامِ بها بشكلٍ عام:
ففريقٌ مُستكثِرٌ من هذا الأمرِ ومُبالِغٌ في الاهتمامِ به، يستنزِفُ جهدَه في تتبُّعِ الرؤَى، يجد فيها مُتَنَفَّسًا وأملًا، ويترقَّبُ تأويلَها، وقد يُفْضِي ذلك إلى التواكُلِ والقُعودِ عن مواصلةِ الحراكِ الثوريِّ المتأجِّج، والتباطُؤِ عن اكتسابِ أسبابَ النصرِ، والتهاونِ في مواجهةِ الانقلابِ الدمويِّ، وهذا أمرٌ غيرُ مقبولٍ.
وفريقٌ آخر مُنكِرٌ لأثرِ الرُّؤَى على الواقعِ، ويرى أنَّها ليست سوى خرافاتٍ وأحاديثِ نفسٍ، واستغراقٍ في الخيالِ والأوهامِ، وانعكاساتٍ لما يفكِّرُ فيه الشخص ولما يستبطِنُه من أماني وأحلام، ولا علاقةَ له بالواقعِ، فضلًا عن أن تكونَ له علاقةٌ بالمستقبل.
- الموقفُ الصحيح:
أن الرُّؤَى إِدْرَاكَاتٌ واعتقاداتٌ يَخْلُقهَا اللَّه تَعَالَى فِي قَلْب الْعَبْد أثناءَ النومِ، ويجْعَلُ بعضهَا عَلَمًا عَلَى أُمُورٍ أُخَرَ حصلتْ من قبلُ أو تحصُلُ في المستقبلِ، فما يَسُرُّ منها فهو بُشْرَى من الله، وما يَضُرُّ أو يُحْزِنُ يكون تَخْلِيطًا من الشَّيْطَان، وهو أضغاثُ أحلام.
ذلك أن النومَ فيه شبَهٌ بالموت، ولهذا كان التوجيهُ النبويُّ للمؤمنِ أن يقولَ عند النوم: «بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ»، ولذلك ترى الأرواحُ في النومِ ما لا تراه في اليقظةِ، وكم من إنسانٍ كانت الرؤيا سببًا في هدايتِه من ضلالةٍ، أواستقامتِه بعد انحرافٍ، أو حمايتِه من مُهْلِكات.
وقد عدَّ القرآنُ الكريمُ تأويلَ الرؤَى من علومِ الأنبياءِ ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾، وذكر رؤيا سيدِنا إبراهيمَ بذبحِ سيدِنا إسماعيلَ، ورؤيا سيدِنا يوسفَ وتأويلاته، ورؤيا النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخولَ المسجدِ الحرامِ مع أصحابِه آمنين، وجاء في السنة: رؤيا عدد من الصحابة للأذانٍ الشرعيِّ، وغير ذلك كثير مما هو معروفٌ معلومٌ متداوَلٌ بين أهل العلم.
(1) النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسألُ أصحابَه عما رأوْا من رُؤَى ويُعَبِّرُها لهم
كما كان حريصًا على تحديثِ أصحابِه عن بعضِ ما رآه في منامِه، وتأويلِه لهم، وَيَقُولُ: «لَيْسَ يَبْقَى بَعْدِي مِنْ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ». وكان أبو بكرٍ يَعْبُرُ بين يديْه، والقصص في ذلك كثيرة.
وكان بعض السلف يقول عند النوم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ سَيِّءِ الأَحْلَامِ، وأَسْتَجِيرُ بِكَ مِنْ تَلَاعُبِ الشَّيْطَانِ فِي اليَقَظَةِ والمَنَامِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أسألُكَ رُؤْيا صَالِحَةً، صَادِقَةً نافِعَةً حَافِظَةً غَيْرَ مَنْسِيَّةٍ، اللَّهُمَّ أَرِنِي فِي مَنَامِي مَا أُحِبُّ».
(2) أنواعُ الرُّؤيا
في الصحيح: «إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ، وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا، وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ، وَالرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ: فَرُؤْيَا الصَّالِحَةِ بُشْرَى مِنْ اللَّهِ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ، فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ».
هذا الحديث وغيره يقسِّمُ الرؤيا ثلاثةَ أقسامٍ:
1 - بُشْرَى من الله سبحانه: حيث يقْذِفُ الملَكُ في رُوعِ النائمِ أمرًا وينصحُه بشيءٍ فيه مصلحتُه.
2 – الخاطِرُ أو حديثُ النَّفْس: كأنْ ينامَ الإنسانُ وهو ظمآنٌ أو جائعٌ، فيرى الطعامَ والشرابَ، وهذا مما لا يَضُرُّ ولا ينفع.
3 – تحزِينُ وتخويفُ الشيطان: وهو الحُلْم، حيث يريدُ الشيطانُ التلاعُبَ به وإثارةَ الأحزانِ في نفسِه.
(3) بَقِيَ من النُّبَوَّةِ المُبَشِّراتُ، وأهمُّها: الرُّؤْيَا الصَّالِحة والصادقة
هذه الرؤيا جزءٌ من النبوة، ففي الصحيح: «لَمْ يَبْقَ مِنْ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ» قَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَة، يَرَاهَا الرَّجُلُ أَوْ تُرَى لَهُ». وبذلك فسَّر رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْله تعالى ﴿لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، حيث يرى المؤمنُ أو يُرَى له في حياتِه أو بعد مماتِه بشارةٌ بخيرٍ دنيويٍّ أو أخرويٍّ، سواء كانت البشرَى صريحةً أو على سبيل الكِناية.
والتعبيرُ بالمبشِّرات خرج مَخْرَجَ الأغلبِ، فإنَّ من الرؤيا ما تكونُ مُنْذِرَةً وهي صادقةٌ يُرِيها اللهُ تعالى للمؤمنِ؛ رِفْقًا به، ليستعِدَّ لما سيقعُ قبلَ وقوعِه، وهذا يؤول إلى البشرى في المعنى.
(4) ما يفعلُه المسلِمُ إذا رأى رُؤيَا حسنةً أو مكروهة
- إذا رأى المسلمُ رؤيا من حديثِ النفسِ فذلك مما لا يَضُرُّ ولا ينفعُ، ولا تأثيرَ له في شيء.
- وإذا رأى ما يكرَهُ أو ما يسُوؤُه أو يسوءُ غيرَه: فذلك من تحْزِينِ الشيطانِ، فلْيَكْتُمْهَا ولا يهتمَّ بها، ولا يُحدِّثْ بها أحدًا، فإنها لن تَضُرَّه، ولكن يستعيذُ بالله من شَرِّها، ومن شرِّ الشيطانِ، ويَتْفُلُ عن يسارِه ثلاثًا، ويتحوَّلُ عن جَنْبِه الذي كان عليه إلى الجنْبِ الآخرِ، تفاؤلًا بتحوُّلِ الحالِ بإذن الله، أو يقومُ فيتوضأُ ويُصلِّي، ففي الصحيح: «الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، وَلْيَتْفِلْ ثَلَاثًا، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّه».
- أما إن رأى رؤيا حسنةً له أو لغيره: فهي من الله، فليحمد اللهَ ويشكره عليها، ويُستَحبُّ له أنْ يقُصَّها على عاقلٍ ذي لُبٍّ ورأيٍ وحكمةٍ، عالمٍ بالتعبيرِ، أو ناصحٍ شفيقٍ ودودٍ ممَّن يُحِبُّهم، ففي الصحيح: «لَا تُقَصُّ الرُّؤْيَا إِلاَّ عَلَى عَالِمٍ أَوْ نَاصِحٍ»، فَإِنْ رَأَى خَيْرًا أخْبَرَ بهِ، وَإِنْ رَأَى مَكْرُوهًا فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ.
(5) علاماتُ صِدْقِ الرُّؤْيا
- أن يكون الرائي أو المرئيُّ له صالحًا صادقَ الحديث، ففي الصحيح: «وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا»، وهذا الأغلبُ الأكثرُ، وقد يندُرُ العكسُ أحيانًا، فيرى الصادقُ ما لا يصح، ويرى الكاذبُ ما يصح، والله أعلم.
- في الصحيح: «إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ تَكْذِبُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ»، والْمُرَاد بِهِ قُرْبُ زَمَانِ السَّاعَةِ وَدُنُوِّ وَقْتِهَا، فعندئذ تقعُ الرؤيا غالبًا على الوجهِ الذي لا يحتاجُ إلى تعبيرٍ، فلا يدخلُها الكذب. والحِكمةُ في ذلك: أنَّ المؤمنَ في ذلك الوقتِ يكونُ غريبًا، فيَقِلُّ أَنِيسُ المؤمنِ ومُعِينُه في ذلك الوقتِ، فيُكْرَمُ بالرُّؤْيا الصادقة.
- التَّواطُؤُ على الرُّؤْيا: فإذا توافقَ جماعةٌ من الصالحينَ على رُؤيا ما وإن اختلفتْ عبارتُهم، فهذا التَّواطُؤِ يدُلُّ على صدقِها وصحتِها، مثل الرؤيا التي رآها عدد من الصحابة في الأذان، وما رآه عدد آخر في ليلة القدر.
(6) الرُّؤْيَا الصَّالحةُ تَسُرُّ ولا تَغٌــرُّ
لا شكَّ أنَّ المؤمنَ يستبشِرُ بالرؤيا الصالحةِ، لكنْ لا يصحُّ أنْ ينبنيَ على ذلك كسلٌ عن العملِ، أو اطمئنانٌ من غير اكتسابِ أسبابِ النجاحِ، فالمبشِّراتُ تبقى مُبشراتٍ مظنونةً لا يُرْكَنُ إليها، يدخُلُ بها السرورُ إلى النفس، ولا تؤدِّي إلى الغرورِ والإهمال، بل إلى مضاعفةِ النشاطِ والاجتهادِ في اكتسابِ كلِّ الأسبابِ لتحقيقها، وكان الإمام أحمد يقول: «الرُّؤْيَا تَسُرُّ الْمُؤْمِنَ، وَلَا تَغُرُّهُ».
ولذلك فبدلًا من الانتظار واستعجالِ وقوعِها ينبغي للإنسانِ أنْ يُهَيِّىءَ نفسَه لحصولِ البُشرَى، باكتسابِ أسبابِ تحقيقِها، ويتهيأَ للنذارةِ بالاستعدادِ النفسيِّ لها، ومحاولةِ دَرْءِ مضارِّها أو احتواءِ آثارها.
(7) الرُّؤَى وإنْ كانت صالِحةً لا يصحُّ أنْ تمنعَ من التصرُّفِ وفقَ السُّننِ والقواعدِ الكونية
قد يتصوَّرُ البعضُ أنه إنْ رأى رؤيا تُبَشِّرُ بنصرِ الله للمؤمنين فمعنى ذلك الاطمئنانُ، وانتظارُ هذا النصرِ الذي سيأتي لا محالةَ، وهذا محضُ الخطأ، ولا يصحُّ على الإطلاقِ تجاوزُ السننِ الكونيةِ في طلبِ الخيرِ ونُصْرَةِ الحقِّ ودفعِ الشرِّ، ولا يصحُّ التقصيرُ في وضعِ الخُططِ وتدبيرِ الأحوالِ، مع اليقينِ بوعدِ الله، والرِّضا بقضائِه، وتَوَقُّعِ فَرَجِه، فهذا هو هَدْيُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الذي لم يمنعه يقينه بالنصر في بدر من تحفيز الصحابة وترتيب صفوفهم لخوض القتال مع المشركين لتحقيق هذا النصر الموعود.
(8) لماذا يجبُ أن نتصرَّفَ وفقَ القواعدِ والسننِ الكونيةِ والشرعيةِ وألَّا نندفعَ بعيدًا عنها في التفاعُلِ مع الرُّؤَى؟:
- قد لا تكون الرؤيا صحيحة أصلا.
- قد يكون الرائي صادقًا لكن ما رآه حديثُ نفسٍ أو تحزينٌ من الشيطانِ، وليس رؤيا صالحةً.
- قد تكون الرؤيا صادقةً فعلًا، ولكن يُخطِئُ المعبِّرُ في تأويلِها، ويبني عليها أمورًا، يظنُّ أنَّها تقتضِيها وهي لا تقتضِيها أصلًا، بل التأويلُ أصلًا مجرَّدُ ظنٍّ واجتهادٍ وليس يقينا، وقد يصيبُ فيه وقد يُخْطِئُ، وكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يُسْأَلُ عن الرؤيا فيُجِيبُ وَيَقُولُ: «إنَّمَا أُجِيبُهُ بِالظَّنِّ، وَالظَّنُّ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ». فإذا كان هذا قولَ إمامِ المعبِّرين، فما الظنُّ بغيره؟.
(9) رُؤْيا النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المَنَام
تدل الأحاديث الصحيحة على ثبوتِ رؤيا النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنامِ، وخصوصًا من أهلِ الصَّلاح، وأنَّ الشيطانَ لا يمكنه أن يتشبَّه به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومنها: «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَخَيَّلُ بِي»، وبشارته في الرؤيا صادقة إن شاء الله.
ولكن حتى لا يكونَ الأمرُ مجالًا للبلبلة، فإنه ينبغِي ألَّا تخالفَ الرؤيا شيئًا من أصولِ الشريعةِ وقواعدِها.
وقد ضلَّ في هذا الشأنِ خلقٌ كثيرٌ زيَّن لهم الشيطانُ أنهم رأوا النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ونسبُوا إليه ما لا يجوزُ من أمورِ الشريعةِ، وادَّعى بعضُهم أن النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رضيَ في الرؤيا عمَّا أراقَ الانقلابيون من دماءٍ حرامٍ، وعمَّا تورَّطُوا فيه من إفساد وإجرام، ولا حول ولا قوة إلا بالله.