أخرج الإمام الترمذي وصححه في سننه عن فَضَالة بن عُبَيْد- رضي الله عنه- أنه سمع النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول: "قد أفلح من هُدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافًا وقنع به" وفي رواية "وقنعه الله بما آتاه".

 

أولاً: القناعة سمة للمؤمن الصادق

هذا الحديث الشريف الجليل القدر يبين صفةً من صفات المفلحين، وهم الذين هُدوا إلى الإسلام وآتاهم الله تبارك وتعالى من الرزق ما يكفيهم ولا يلهيهم، وقد قنعوا بعطاء الله تبارك وتعالى.

 

القناعة هي سمة من سمات المسلم المؤمن الراضي بما آتاه الله تبارك وتعالى، المدرِك لحقيقة أن ما قل وكفى خيرٌ مما كثر وألهى.

 

والقناعة معناها: الرضا بما قسم الله تبارك وتعالى، على حدِّ قول الشاعر:

والنفسُ راغبةٌ إذا رغبتها   وإذا تُردُّ إلى كريمٍ تقنع

 

ثانيًا: دعاء الرسول بالقناعة وتعليمه لأصحابه

كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يدعو ربَّه بأن يرزقه القناعةَ، ففيما أخرج الشيخان عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يقول: "اللهم ارزق آل محمدٍ قوتًا".

 

وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- قانعًا بكلِّ ما آتاه الله عزَّ وجل، وعوَّد أصحابَه ذلك، يقول أبو هريرة- رضي الله عنه-: قسم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بيننا تسع تمرات، وكنا تسعًا، فأعطى تمرة تمرة.

 

هذا العطاءُ اليسيرُ الذي قد تزهد فيه النفوس.. يبيِّن لنا أبو هريرة- رضي الله عنه- أن أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قنعوا به ورضوا به، ورضوا بما آتاهم الله ورسوله من فضله.

 

يقول ابن عمر- رضي الله عنه-: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "ابنَ آدم عندك ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك، ابنَ آدم لا بقليلٍ تقنع ولا بكثيرٍ تشبع، ابنَ آدم إذا أصبحت معافى في جسدك، آمنًا في سِرْبك، عندك قوت يومك، فعلى الدنيا العفاء".

 

هذه هي الحقيقة إذا أصبح الإنسان آمنًا معافى سليمَ الجسد، مطمئنًّا غير خائف، وعنده ما يكفيه في يومه فما قيمة الزيادة في هذا.

 

فقد كان الحبيب- صلى الله عليه وسلم- يدعو ويعلم أصحابَه ويعلمنا أن ندعوَ كذلك بأن يرزقنا الله تبارك وتعالى القناعةَ، ففيما أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يدعو: "اللهم قنعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف عليَّ كل غائبة لي بخير"، وفي رواية " واخلفني في كل غائبة بخير"، وكان ابن عباس- رضي الله عنه- يدعو بهذا الدعاء.

 

وجاء رجل إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، علمني دعاءً أنتفع به، قال: "قل: اللهم اغفر لي ذنبي ووسِّع في خُلُقي وبارك لي في كسبي وقنِّعني بما رزقتني، ولا تفتِني بما زَوَيْتَ عني" أي لا تعلق قلبي بما أخفيت عني حتى لا أُفتن وأتعلقَ بما لم تُقدِّره لي، هكذا كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يدعو، وهكذا كان يعلم أصحابَه ويعلم الأمة القناعة.

 

ثالثًا: من الأسباب المعينة على تحقيق القناعة

(1) أن تدرك أنك في هذه الدنيا ضيفٌ لا يلبث أن يرحل، كما كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "إنما أنا بشرٌ يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب".

 

 إذا أدركنا ما عند الله تبارك وتعالى من الخير فإننا ندرك أن ما نحن فيه إنما هو بمثابة نُزُل الضيف، والضيف لا يتعلق بما في دار الضيافة، إنما يأخذ ما يكفيه في أدب وفي قناعة، ثم هو يدرك أنه راحلٌ عن هذا، وذلك يُعينه على أن يلتمس القناعةَ.

 

 كان سلمان الفارسي- رضي الله عنه- من خيار أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم-، وقال فيه رسول- الله صلى الله عليه وسلم-: "سلمان منا أهل البيت"، وتولى الولايات المختلفة للخلفاء الراشدين وغيرهم، ومع ذلك لما نزل به الموت بكى، فقيل له: ما يبكيك يا أبا عبدالله؟ قال: أخشى ألا نكون حفظنا وصيةَ رسولِ الله- صلى الله عليه وسلم- إنه كان يقول: "ليكن بلاغكم من الدنيا كزاد الراكب" أي ليكن ما تأخذونه من الدنيا بلاغًا لكم فيها، مثل الزادِ الذي يأخذه الراكبُ الراحل، لا يحمل معه إلا ما يلزمه، ولا يتعلق بما لا يزيد على حاجته.

 

وفي رواية أنه قال: أما إني لا أبكي جزعًا على الدنيا، ولكن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عهد إلينا فتركنا عهدَه، أن تكون بُلْغة أحدنا من الدنيا كزاد الراكب.

 

 هذا الرجل الجليل لما مات نظروا في أمتعته فوجدوا ما عنده لا يساوي قيمة ثلاثين درهمًا، ولكنه يخشى أن يكون قد فوت نصيحةَ رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وبهذا يعطينا- رضي الله عنه- صورةً عمليةً تطبيقيةً لما كان يُربِّي عليه النبي- صلى الله عليه وسلم- أصحابَه. 

 

 ولذلك قال له سعد بن أبي وقاص- رضي الله عنه- وقد دخل عليه وسمع منه هذا الكلام: أوصني، فقال: "اذكر الله عند همّك إذا هممتَ، وعند حكمك إذا حكمتَ، وعند يدك إذا قسمتَ" رضي الله عنهم أجمعين، كانوا فقهاء علماء.

 

 إذن أول ما يُعِين على استعمالِ القناعةِ أن تدرك أنك في الدنيا كالراكب الراحل أو كالضيف الذي لا يلبث أن يترك دار الضيافة.

 

(2) أن تدرك أنه لا فائدةَ مِن جمعِ ما لا تنتفع به: لقد خُلِق الإنسان جموعًا منوعًا، والعاقل إذا تأمل سأل نفسه: ما قيمة الجمع الكثير الذي لا آكله ولا أشربه ولا أتمتع به ولا يكون لي فيه فائدة عملية؟ هذا ما يجب أن يدركه كل عاقل، ولكن إذا كان الإنسان طُبع على الطمع، وعلى أن يجمع ويمنع، فإن الدين قد جاء ليهذِّب هذا الطبع العجيب.

 

 يقول الحبيب المصطفي- صلى الله عليه وسلم-: "ما طلعت الشمس قط، إلا وبجنبتيها ملَكان يناديان يُسمعان كل ما على الأرض إلا الثقلين: أيها الناس هلمُّوا إلى ربكم، ما قل وكفى خيرٌ مما كثر وألهى".

 

 ويقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثًا، ولا يسد جوف ابن آدم إلا التراب".

 

 والعاقل يسأل نفسه: ما قيمة الوادي والواديين والثلاثة؟، ما قيمة كل هذا إذا كان لا ينتفع به؟ ليس لك يا ابن آدم إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبستَ فأبليتَ، أو تصدقتَ فأمضيت، كل ما سوى ذلك هو زادٌ تتعب في جمعه وتُحاسب على منعه، وتُسأل عنه بين يدي الله تبارك وتعالى.

 

 إن مما يملأ القلب قناعةً أن يدرك الإنسان أن جمعَ ما لا فائدةَ فيه، وجمع ما لا ينتفع به هو تعبٌ من غير طائل؛ ومن ثمَّ يرضى بما آتاه الله تبارك وتعالى ويقنع به.

 

رابعًا: فوائد القناعة

 أما فوائد القناعة، فهي عظيمة جليلة:

(1) فأقنعُ الناس هم أغنى الناس؛ لأن الغنى كما قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "ليس عن كثرة العَرَض ولكن الغنى غنى النفس".

 

 الغنى: أن تدرك أنك لست في حاجةٍ إلى غير الله تبارك وتعالى، وأن تستغني عن الناس وعما في أيدي الناس، هذا هو الغنى الحقيقي، فالقانع هو أغنى الناس.

 

 وقد ورد أن موسى- عليه السلام- سأل ربَّه عزَّ وجلَّ: أي رب، أي عبادك أحب إليك؟ قال عز وجل: أكثرهم لي ذكرًا، قال: يا رب فأي عبادك أغنى؟ قال عز وجل: أقنعهم بما أعطيته، قال: يا رب فأي عبادك أعدل؟ قال عز وجل: من دان نفسه.

 

 وفي رواية عن ابن عباس- رضي الله عنه- أن موسى- عليه السلام- سأل ربه، قال: رب أي عبادك أغنى؟ قال: الراضي بما أعطيته، قال: فأي عبادك أحب إليك؟ قال: أكثرهم لي ذكرًا، قال: يا رب فأي عبادك أحكم؟ قال: الذي يحكم على نفسه بما يحكم به على الناس.

 

(2) أنها تغني صاحبَها عن الوقوفِ على أصحابِ المالِ أو التذلل لذوي الجاهِ والسلطانِ، وهذا هو عزُّ النفسِ الذي تحققه القناعة للقانع.

 

وقد كتب أحد أبناء بني أمية للرجل العابد الزاهد أبو حاتم يعزم عليه أن يرفع إليه حاجته، فكتب أبو حاتم إليه يقول: أما بعد، فقد جاءني كتابك تعزم عليَّ أن أرفعَ إليك حوائجي، وهيهات، قد رفعت حوائجي إلى ربي فما أعطاني منها قبلت، وما أمسك عليَّ منها قنعت.. هكذا كان الصالحون.

 

(3) أن يُرْزَق الإنسان الحرية، فإن العبد يكون حرًّا متى قنع، عبدًا متى طمع، فهو عبدٌ للدينار، عبدٌ للدرهم، عبدٌ للقطيفة، عبدٌ لمن أحسن إليه، عبدٌ لمن كان بيده أن يعطيه أو يمنعه.

 

فإذا تخلص الإنسان من هذا المعنى ورُزق القناعةَ، لم يكن عبدًا إلا لله تبارك وتعالى، وتلك قيمة في غاية الأهمية، وهذه صفة لا يصح أن يخلوَ منها داع إلى الله وحامل للرسالة.

 

خامسًا: قناعة مذمومة

وإني أشير في نهاية المطاف إلى معنى خاطئ من معاني القناعة عند بعض الناس.. يفهم بعض الناس القناعة أنها رضا بالواقع وعدم تغييره، وعدم السعي إلى تحسينه، وهذا غاية الخطأ.. فالقناعة ليست رضا بالواقع بكل ما فيه، إنما رضا بعطاء الله، رضا بقدر الله، وأما الواقع الفاسد، فالقناعة تعني السعي في تغييره.

 

• فليس من القناعة أن ترى المنكرَ وتسكت وترى أنك لا بد أن ترضى بقدر الله وهكذا الدنيا.

 

• وليس من القناعة أن ترى معروفًا فلا تسارع إليه ظنًا منك بجهدك وظنًا منك أن هذا من القناعة.

 

• ليس من القناعة أن يُفتح لك بابُ رزق من حلال فتقعد ولا تلتمسه، وترى أنك قانع، لا يلزمك أن تجمع، بل يلزمك أن تسعى لتكسب لتعطي الفقراء من مال الله وتنفع دين الله ودعوة الله بمالك.

 

• ليس من القناعة على الإطلاق الرضا بالباطل، أو الرضا بالواقع السيء، أو الرضا بالواقع المر، بل هذا من السلبية التي نهانا الله تبارك وتعالى عنها، بل هي ما يسمى باللامبالاة؛ فحين ترى المنكرَ وترى الباطلَ وترى أهلَه، وترى الحق ينكمش والباطل يتمدَّد وترى أسبابَ الفساد، ثم تقعد وترى أنك قانع بما أنت فيه، فهذا ليس من القناعة.

 

القناعة إذن هي معنى نفسي يعني الرضا بعطاء الله، ويعني عدم التذمر أو السخط على ما أعطاك الله تبارك وتعالى، لكنه لا يعني أبدًا أن تقعد عن تحصيل الرزق الحلالِ أو أن تقعدَ عن إصلاح الفساد وتقويم العوج.

 

لا يعني أن ترى بابًا من الرزقِ الحلالِ فتقعد عنه بزعم القناعة، ولا تعني القناعة بأي حال من الأحوال أن تقعد عن تغيير المنكر وإنكاره، وتغيير الباطل وإزهاقه، بل هذا من السلبية وهذا من عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا مما يفقد الأمة خيريتها.

 

هذا هو المعنى الصحيح للقناعة أيها الأحبة، أسأل الله العلي العظيم أن يقنعنا بما آتانا وأن يبارك لنا فيما رزقنا، وألا يفتننا بما زوى عنا، وأن يوفقنا أن نكون من أهل الخير.. إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.