الفجوة الواسعة بين القول والفعل حالة بشرية عبر عنها "شكسبير" في مشهد من مسرحية "الملك لير" حيث جمع الملك بناته الثلاث، وأراد أن يوزع عليهن ثروته بمقدار حبهن له، فسألهن عن مقدار ما يحملونه له من حب؟ فبادرت الكبرى والوسطى من بناته إلى إنشاء قصائد الحب في والدهن الملك، فأمر لكل واحدة منهن بثلث ثروته، أما الصغرى فعبرت عن حبها بصدق واعتدال وقالت: "أحبك كما تحب أي ابنة مخلصة والدها". فاستصغر الأب منها هذا الكلام وأمر بتوزيع الثلث الباقي على الكبرى والوسطى.

ثم دار الزمن دورته واحتاج الأب خدمة بناته، فتنكرت له الكبرى والوسطى، ولم يقف بجواره إلا ابنته الصغرى.

هكذا الناس يا عزيزي، يتجملون عند الكلام، وينكشفون على حقيقتهم عند التضحية والعمل.

ولو كانت البلاد يبنيها ويرفع مكانتها الغناء والأشعار لصارت بلادنا أرفع البلاد شأناً ومكانةً.

فلا أتصور أن وطنًا في الوجود غنى له أهله أعذب الألحان وأفخم الكلمات مثل مصر.

وكذلك لا أتصور أن وطنًا في الوجود عبث به أهله إهمالاً وتخريبًا مثل مصر.

جرفنا الأرض الزراعية التي ورثناها عن الأجداد، ونحن نغني بحب مصر.

لوثنا مياه النيل بمخلفات المصانع والبشر، ونحن نغني للنيل.

سرقنا آثار الأجداد وملأنا بها منازل الأثرياء، ومتاحف العالم ونحن نغني بأمجاد الأجداد.

تحولت مدننا الكبرى بشوارعها الغنَّاء وتحفها المعمارية إلى غابة عشوائية من الأسمنت المسلح تحالف في تشويهها تاجر يبني مخالفًا ليكسب من حرام، ومهندس الحي يأخذ رشوة سكوته، وأجهزة الدولة التنفيذية تأخذ رشوة عدم تنفيذ الإزالة، وكلهم يهتف "تحيا مصر".

معزوفة شيطانية، يظهر فيها الفجوة الواسعة بين القول والعمل.

بينما تتوارد على ذهني هذه الأفكار إذ وقعت عيني على خبر في جريدة الأهرام في عددها الصادر منذ أيام في 12 مايو 2014 على سبيل التحريض تحت عنوان: "جمعيات الإخوان عادت إلى السكر والزيت في أسيوط"!!!

وفي ذات الوقت وجدت واحدًا من أساطين كتاب الأهرام من أصحاب الرواتب المليونية وصاحب القصائد الهائمة في حب الوطن، كان يصفق لثورة يناير في بدايتها، ولما أتت رياحها بما لا تشتهيه جيوبه، انقلب على عقبيه، وصار عرابًا للديكتاتورية في ثوبها الجديد، وضحى بحبه من أجل جيوبه ولسان حاله يقول: "عَضْ قلبي ولا تعض رغيفي".
نعم:

الناس في الحياة منهم أصوات كأصوات صراصير المستنقعات، تعلو بأزيزها في الهواء دون نفع، يظنهم الناس من علو أصواتهم كثرة، بينما الكثرة تعمل في صمت، وتنتج وتضحي في صمت.

هؤلاء هم من يصنعون الحياة، مهما علت أصوات الصراصير والضفادع.