أحبتي وأحبائي الأعزاء سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وأدعو الله -دعاء من أعماق قلبي في خلوتي هذه- أن تكونوا على خير ما يحب ربنا ويرضى، وأن يزيدنا ويزيدكم من فضله علما وعملا.
أحبتي الغاليين، أتمنى من الله في رسالتي هذه أن يرزقني الله الإخلاص والصدق، وأن يخرج الكلام من قلبي، وليس فقط من لساني وقلمي، حتى أصدق الله فيكم، وتصدقوا الله دائما في كل من تحدثونه، ليفتح الله لكم وبكم.
وأحب أن أقوم بواجبي نحوكم في النصيحة التي هي لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، بل هي لكل إنسان حولكم للتذكير وتصحيح بعض المفاهيم وبعض السلوكيات؛ لنزداد جميعا قربا من الله.
وأول هذه على الإطلاق يا أعزائي وعزيزاتي هي الحرية، قد تسألون : لماذا؟ أقول لكم: لا يعرف طعم النعمة إلا من حرم منها، وهي كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن المولود يولد حرا قبل أن يكلف، لأنه عندما يبلغ يكلف، ولا يكلف إلا بالعقل، فلا بد أن يكون حرا ليختار بحرية، ويتحمل مسؤولية اختياره، لذلك هي من أجلِّ نعم الله علينا، بل هي فريضة من فرائض الإسلام كالصلاة والصيام تماما بتمام، لذلك تستحق أن يضحى في سبيل الحصول عليها إذا سلبت منا بكل غال وثمين، بما فيها الروح.
وقد رأيتم الشيوخ والشباب والنساء والفتيات بل والصبية الصغار، عندما ذاقوا حلاوة الحرية اختاروا بحرية لم يسبق لها مثيل، ولما وجدوا ما يهدد حريتهم وحرية بلادهم ضحوا بحياتهم كي تعيش بلادهم حرة، وتعيشوا أنتم بعدهم أحرارا، وهم في هذا قد اختاروا الجنة وهي أسمى الأماني، واختاروها أيضا بحرية، ونسأل الله أن يتقبلهم في الشهداء؛ لأنهم يشهدون على من خلفهم أننا ضحينا بحياتنا لننال الجنة، ولتنالوا أنتم وبلادنا من بعدنا الحرية، فلا تفرطوا فيها ، ولا تقبلوا الذل والهوان بعد الآن، لأنه قد ورد: «من أعطى الذلة من نفسه طائعا غير مكره فليس منا»، ومن فعل ذلك يدعو عليه النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في صحيح البخاري: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ» يعني اللهم إذا دخلت في جسمه شوكة لا يجد من يخرجها له.
وكما كنا نقول دائما (اعتقد وأتعهد) فإننا نذكر السلوكيات التي تترتب على هذا الفهم:
وأول ما أوصيكم به أن تظلوا حريصين على حريتكم وحرية بلادكم، ولن يضيع حق وراءه مطالب، وإن من أهم مجاهدات النفس: تحريرها من كل عبودية سوى العبودية لله، فالتخلص من أي صفة رذيلة تحرر، ومحاسبة النفس على أخطائها تحرر، وإلزامها بالطاعات تحرر.
الجأوا إلى العمل الصالح، وأكرهوا عليه الأنفس.
واعلموا أن الحرية مسئولية، فعندما تشعر بالحرية، وتقول: أنا حر، يجب أن تكون كما يقولون بالعامية (أد الكلمة)، هكذا يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعْمَلْ مَا شِئْتَ»، أنت حر، ولكن «فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ» »، و«كُنْ كَمَا شِئت» أنت حر ، ولكن«كَمَا تَدِينُ تُدَانُ»، ما رأيك في هذه الضوابط النبوية التربوية الراقية المؤثرة في النفْسَ، فهل نحاسب أنفسنا على أساسها قبل أن يحاسبنا المولى عز وجل؟.
وقبل أن أودعكم أذكركم بأن (الله أكبر) شعار إسلامي للتحرر من كل خوف ممن سوى الله ومما سوى الله، وأن الشق الأول من شهادة التوحيد (لا إله) هو إلغاء لكل الآلهة التي عبدت وتعبد من دون الله، من أول الهوى، إلى كل المعبودات الباطلة، ثم يأتي الإقرار بالوحدانية لله (إلا الله)، فتكتمل الشهادة ويكتمل التحرر، فهل نذوق حلاوة التخلية ثم التحلية ونعض عليها بالنواجذ؟ ونصلح أنفسنا وندعو غيرنا، كما وصانا مرشدنا الأول الإمام البنا عليه رحمة الله، الذي لقي ربه برصاص الغدر في عمر الحادي والأربعين، ولكن –ولا نزكيه على الله- ترك كل هذا الأثر الطيب في مصر وفي العالم أجمع، ببركة صدقه وإخلاصه وتحرره من كل عبودية سوى العبودية لله، وسعيه لتحرير بلاده وأمته، وكان هتافه من قلبه (والموت في سبيل الله أسمى أمانينا).
ندعو الله ألا يفتننا بعده، وألا يحرمنا أجره، وأن يغفر لنا وله، وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه (لأنه محض رزق وفضل وتوفيق من الله)، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه.
فهذا أمر مهم جدا في هذه السنين الخداعات، التي اختلت فيها الموازين، ولكن الكريم بفضله يهدي إليه من أناب، ففروا إلى الله إن خفتم من أحد أو من شيء، وفروا إلى الله إن خفتم من الله وحسابه وعقابه، فهو أرحم بنا من أمهاتنا اللائي ولدننا، ويأجرنا بأجر خمسين صحابيا عندما لا نجد على الخير أعوانا.
هيا تعاونوا مع كل المخلصين على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، ومدوا أيديكم حتى لمن تعثرت قدماه؛ لينهض من جديد، فما كان لله دام واتصل، وأستودعكم الله الذي لا تضيع لديه الودائع.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.