كتب- سمير سعيد
في تصعيد واضح من قِبَل المؤسسة الصهيونية وأذرعها المختلفة وانتهاكها المتواصل لحرمة المساجد والمقدسات في الداخل الفلسطيني قام حزب "قديما" الصهيوني مؤخرًا بتحويل جزء من مسجد بيبرس الأحمر في مدينة صفد إلى مقر انتخابي للحزب، وألصقت بداخله لافتةً لحزب "قديما" وملصقات انتخابية تحمل صور" أريئيل شارون" و"إيهود أولمرت"، بالإضافة إلى جهاز حاسوب واستعمال رواق، فتحول المسجد إلى مكتب ومقر انتخابي يتواجد فيه موظفة تتابع ترتيب شئونه.
هذا وقد قام وفدٌ من (مؤسسة الأقصى) ظهر الثلاثاء 28/ 2/ 2006م بزيارة المسجد بعد أن أخبرت بالانتهاك الحاصل للمسجد، وقد عَلا الذهول وجوه وفد مؤسسة الأقصى عندما رأى الوفد فتاةً يهوديةً تجلس في جزء من المسجد الأحمر- وهو أحد غرفها الثمانية التابعة للمسجد- على مكتب بجانبه جهاز حاسوب وقد علّق على جدران الغرفة لافتةً كبيرةً تحمل اسم حزب" قديما" ولافتات أخرى تحمل صور "شارون" و"أولمرت"، هذا وخلال الزيارة الميدانية ظَهَر أن القاعة الرئيسة في المسجد تُستعمل كمرقص ليلي وصالة للحفلات الماجنة.
من جانبها عمَّمت مؤسسة الأقصى على الفور بيانًا صحفيًّا استنكرت فيه هذا الانتهاك الصارخ بحق المسجد الأحمر، وطالبت بإخلاء المكان على الفور وإرجاعه إلى وظيفته الأصلية وهو الصلاة والعبادة، وإفساح المجال لمؤسسة الأقصى لتعمير وصيانة المسجد.
وقالت في بيانها: "إننا ندين ونستنكر بشدة تحويل جزء من المسجد الأحمر وأحد أروقته إلى مقر انتخابي لحزب قديما، ونعتبر الأمر انتهاكًا صارخًا لحرمة المسجد نفسه ومسًّا بمشاعر المسلمين، وفي نفس الوقت فإننا نحمِّل المؤسسة الإسرائيلية مسئولية هذا الانتهاك الذي يندرج في المسلسل المتواصل من الاضطهاد الديني من قِبَل المؤسسة الإسرائيلية، ونطالب بإخلاء المكان وجميع أجزاء المسجد وقاعة الصلاة الرئيسة ليتسنَّى لمؤسسة الأقصى والمسلمين في البلاد تعمير المسجد وإرجاعه إلى وظيفته الرئيسة، ألا وهي الصلاة والعبادة".
مسجد الأحمر
وتعتبر مدينة صفد من المدن القديمة التي بُنيت على يد الكنعانيين، وكان اسمها القديم (صفت) أي العطاء أو الوثاق، وهذه المدينة تحتل موقعًا مهمًّا، فهي عاصمة الجليل الأعلى التي تشرف على الطريق بين دمشق وعكا، تبعد عن الحدود الشمالية لفلسطين 29 كم وعن القدس 206 كم.
وتقع المدينة على رقعة جبلية يبلغ ارتفاعها 790-840م فوق سطح البحر، يقع جبل كنعان شمال المدينة، وشمالها الشرقي؛ حيث يزيد ارتفاع هذا الجبل عن 950 مترًا، وغربها جبل زبور والجرمق، وقد برزت مدينة صفد بعد الحروب الصليبية؛ حيث احتلها الصليبيون سنة 536هـ/ 1140م، وحُررت على يد صلاح الدين الأيوبي سنة 586هـ/ 1189م وسقطت مرةً أخرى في أيدي الصليبيين سنة 636هـ/ 1240م، وعاد وحررها الظاهر بيبرس سنة 667هـ/ 1267م.
استسلمت للعثمانيين سنة 623 هـ/ 1517م من دون حرب وتبعتها مدن الجليل، عكا، وصور، وبقيت بيد العثمانيين إلى أن احتلها الإنجليز أثناء الحرب العالمية الأولى سنة 1918م، وتُعتبر مدينة صفد من المدن الكبيرة التي ضم قضاؤها في عهد الانتداب البريطاني أكثر من ستين قرية عربية، فكان من أبنائها العلماء والفقهاء والخطباء والأطباء والأدباء والأئمة الصالحون.
بلغ عدد سكان صفد سنة 1908 حوالي 10.000 نسمة وفي الحرب العالمية الأولى كان بها 4000 بيت وسكانها 12.000 نسمة، وفي سنة 1922 كان عدد سكانها 8.761 نسمة، وسنة 1931 كانوا 9.441 نسمة، يقيمون في 2126 بيتًا، وفي سنة 1945 كان عدد سكانها11.930 نسمة، وفي أواخر الانتداب 13386 نسمة.
كانت معالم رباطهم وافرةً؛ إذ بلغ عدد مساجدها حتى سنة 1948م أربعةَ عشر مسجدًا، ولا يزال أكثرها قائمًا حتى الآن، ومنها ما حوِّل إلى غير هدفه.
ومن المساجد التي ما زالت قائمةً في مدينة صفد المسجد الأحمر ومسجد السوق ومسجد لم يبقَ منه إلا مئذنة، ومسجد بنات حامد الذي حوِّل إلى كنيس، وبعض بواقي في المعالم المُهَدَّمَة.
احتُلت صفد في 12/5 / 1945م، ونتج عن الحرب رحيل معظم سكانها، فبقي منها 2317 نسمةً أواخر عام 1948، وأخذ العدد بالارتفاع بقدوم المستوطنين اليهود، حتى طُردوا جميعًا ولم يبقَ بها عربي، ولا زالت مباني البلدة قائمةً تعطي طابعًا جميلاً، يعود بك إلى تاريخ أولئك الآباء والأجداد من المسلمين.
مسجد بيبرس
ومن المعالم القائمة التي تم ذكرها المسجد الأحمر، الذي كان يحوي على عقد كبير وثمانية غرف دواوين، ومنافع خارجية، وقد أمر الظاهر بيبرس بإنشاء هذا الجامع سنة 674هـ/ 1275م، وكان هذا الجامع دار العلم الأولى في صفد؛ حيث اكتسب هذا الجامع اسمَه نسبةً إلى حجارته الحمراء المصفوفة، وقد تحول هذا الجامع إلى معلم من أهم معالم مدينة صفد المحتلة، ومن أهم المساجد في فلسطين لدوره العلمي، إضافةً إلى قيمته التاريخية.
وفي عهد الاحتلال الصهيوني حوِّل الجامع الأحمر إلى متحف لعرض الصور والفنون وتم محو معالمه الداخلية، وبقيت المعالم الخارجية ظاهرةً للعيان كالمئذنة والقبة، وقد تمت محاصرة المسجد بالأبنية التي أخفت بعض معالمه الخارجية، وما زالت حجارته الحمراء ظاهرةً للعيان مع لونها الساطع، واليوم تستعمل قاعة الصلاة في المسجد لمرقص وملهى ليلي.