الزمان: فبراير.
المكان: منطقة منزرعة على شاطئ النيل تبتلع منضدةً تطل على النهر المنساب في هدوء.
الجو: أمشيريٌّ عاصف.. الغيوم تلبِّد السماء، والهلالُ نورُه يصارع السحبَ لينفذ من خلالها إلى الأرض، على المنضدة كتاب يأبى أن يَسكن أمامَ عصف الريح به، وتعلو غلافَهُ صورةٌ ترسم ملامحَ تحمل صاحبَها من ثنايا نصف قرن مضى على فراقه إلى واقع يبحث عنه.. ابتسامة صاحب الصورة ثابتة.. لحيته الملتحمة وشاربه يقطُران وضاءةً، ونظراتُه تسبق واقعَها إلى غدٍ برؤى مِلؤها اليقين في مجيئه، وسريعًا تتصفَّح الريحُ صفحاتِ الكتاب لتنثر من حول منضدته رسائلَه مكوِّنةً مجسّمًا لصاحبه (دعوتنا روحه.. إلى الشباب جسده.. نحو النور بصره.. التعاليم فكره.. الجهاد أطرافه.. العقائد فؤاده.. مشكلاتنا همُّه.. الحكم والاقتصاد شغله.. تحت راية القرآن وقفتُه.. وفي طور جديد..) أصبح صاحبُ الصورةِ (حسن) الطلعة يقف، عدَّل من هندامه، أصلحَ وضعَ طربوشه، ووضع يده اليسرى في جيبه، وتحرك واليد اليمنى تمسح دمًا متساقطًا من جرح فوق قلبه.
النيل يواجهه، والقاهرة تحوطه، نظر إليها والابتسامةُ لا تفارق وجهَه، تنهيداتُه خرجت من أعماقه تحمل ذكرياتِ سَيْرِه بها، فكم ضمَّته ورفاقَه ومؤتمراتِه.. القاهرة.. ترابُ شوارعها وحواريها وأزقَّتها عالقٌ بروحه، حبُّها يَجري في دمائه، تذكر قوله عنها: "نعيش في أخصب بقاع الأرض، وأعذبها ماءً، وأعدلها هواءً، وأيسرها رزقًا، وأكثرها خيرًا، وأوسطها دارًا، وأقدمها مدنيةً وحضارةً وعلمًا ومعرفةً، وأحفلها بآثار العمران الروحي والمادي والعلمي والفني".
لم يكن يشعر ببائعة الورد العجوز إلا حين ارتفع أنينُها خنجرًا يمزِّق رداءَ الليل الصامت، ثوبُها الأسود ووشاحُها الأبيض يبلعان جسدَها، رمقتْها نظراته في حنوٍّ، وقدماه تهدفانها، سُتْرتُه وضعَها على كتفي العجوز، وارتفع وجهُها إليه فزعًا لم يلبث أن تحوَّل إلى ذهول ثم فرحة غامرة، قالت:
- عدت؟!
- لم أغِب.
- كنت أنتظرك.
- وكنتُ حولكِ ومعكِ.
- تعذبتُ بعدكَ.
- ليس عذابًا.. وإنما سنةُ الله في خلقه.
- احتضنَتْه.. كان قلبُها تعلو خفقاتُه، وكان قلبُه ينزف قالت:
- تآمروا عليك؟!
- فأجاب في يقين (كنت أنتظر تآمرهم)
- وذهبت إلى التهلكة بقدميك؟!
- عرفت كيف أُحسن صناعة الموت لأحيا.
- أي حياة؟!
- حياتان: الأولى في حواصل طيورٍ خضرٍ هناك عند العرش، والأخرى مع بنيك.
- لا أراهم (قالتها في يأس).
- هم حولك، والصورة لن تكون أبدًا قاتمةً؛ لأن النور لا تمنعه حواجز، وحتمًا سيثقب جدارَ الظلامِ شعاعُ الضوء (قالها وهو يرفع رأسه إلى السماء؛ حيث نجمٌ تسلَّل من بين الغيوم وتبعته بعينيها، بينما أردف (ألم أقل لك..؟!).
قامت واقفةً فتناثرت ورداتها الذابلات من على ردائها، وسريعًا التقطها وسارا معًا.. كانت حركاتُها متهاكلةً ويداها مرتعشتَين وعيناها لا ترتفعان عن موضع سيرِها، هتف بها:
- لا تيأسي فما عهدتكِ كذلك..
- (لم تُجب).
- وتابع: "لا زالت عناصرُ السلامة قويةً وعظيمةً في نفوس بنيك، وعليكِ وعليهم أن تواجهوا وأن تَدَعوا اليأْسَ والمسكِّنَات، فالطريق طويل وسيبقى معك مَن صدق".
وتركها ليغترف من ماء النيل بيده ويمسح وجهها مرةً ومرةً ومرات، حتى لاحت روح الصبية من وجهها ضمَّها إلى صدره وراح يتذكر.. كم جالَ معها الربوع والقرى والكفور؟ وكم جمعتْه بالقاصي والداني؟ وكم مرة سَهِر يناجي طَيفَها يوم عُرسها ويتخيَّلها أميرةً ترفل في رداء العفة والجلال!!
كانت صورةُ غدِها تطالعه مع كل آية كان يحفظها في صغره من كتاب الله أيام مدرسة الرشاد، لم تمنعه أحلامُ الطفولة وأمنياتُ الصبا من أن يرسم لها بكلماته صُبحًا مقبلاً، وتحرك وقلبه متعلق برسمه، يمناه تحمل وحي السماء، ويُسراه تلوح بهَدي البشير، وبينهما خَطْو الأولين، ملكت عليه لبَّه فراح يسعى لصلة رحمها ويربط القاصي بالداني من صويحباتها.
فارسٌ حارب الرقَّ.. لكنَّ تجَّار النخاسة كُثُر، وأميرتُه ثمنها في سوقهم غالٍ.. فكَّروا ودبَّروا ثم عزلوه عمن حوله وطلبوه للصلح وتحرك إليهم فارسًا.. الشارع صامت.. ساكن.. خالٍ.. أنوارُه كانت حمراء قانيةً، تحاول الهرب من قناديلها، ورصاصات الغدر تصارع زنادها، ولكنَّ الطيور الخضر تنتظر، والحور ترفرف، وأبواب السماء طاقاتُ نورٍ تَتُوق للعَبَق الصاعد، وما طاشت رصاصات الغدر، ولا ضاعَ أمل الطيور الخضر ولا الحور ولا أبواب السماء سُدى.
وأفاق من ذكريات ماضِيْه الحية على فزع العجوز وهي ترفع أذنها من على صدره وتصرخُ (قلبك لا ينبض)، وبغير أن تفارق الابتسامة ثغرَه ربَتَ على ظهرها قائلاً:
قلبي نبضه موزَّع في صدور بنيك.. أصحابي، أسمعيه فيهم، وشاهديه في تحركاتهم، وثِقِي بهم، واعلمي أنهم لكِ لا لغيركِ، ولن يكونوا عليكِ يومًا من الأيام.
وهَمَّ ليغسل دماءَ جرحه النازف من على وشاحِها فرفضت بشدة.. أرادتها تاجًا على رأسها.. ناولَها زهورَها وقد استحالت نديَّةَ المنشأ مِسكيَّةَ الأريج، حملتْها وأحزانَها وتوارت.
في حين سكَّن هو رسائلَه من جديد على منضدة القراءة، وراحت طيور الفجر تغرِّد والشمس تعلو أشعتُها مبشرةً بميلاد يوم جديد.. آتٍ لا محالة.
-------------
* رئيس تحرير موقع الإخوان المسلمين.