(باريس/ برلين/ لندن/ واشنطن/ ملبورن/ طوكيو)
طالعتنا بعض الصحف المصرية مؤخرًا بفكرة وردت على لسان قائد الانقلاب في حديثه عن دور المصريين في الخارج في دعم الوطن باعتباره أحد مفاتيح حل الأزمة الاقتصادية، قام على إثرها ما يسمى "الاتحاد العام للمصريين في الخارج" بتقديم مقترح لسلطة الانقلاب طلب فيه فرض ضرائب على المغتربين وقسمها لعدة شرائح. تبع ذلك إعلان رئيس مصلحه الضرائب عن إمكانية ذلك الأمر، مما أثار جدلاً في وسائل الإعلام وأوساط المغتربين على مدار الأيام الماضية، وهو ما استدعى الائتلاف العالمي للمصريين في الخارج للإدلاء بتصريحات صحفية متعددة والمشاركة في حوارات ذات صلة بالأمر وأيضًا إصدار بيان يعبّر به عن موقفه ويشارك فيه أبناء الوطن في المهجر تفاعلهم حول هذه القضية بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
ويهمنا بداية تأكيد عدة نقاط أساسية :لا توجد هيئة ولا جهة ما يمكنها ادعاء تمثيل المصريين في الخارج أو التعبير عنهم والحديث باسمهم، وهذا الوضع نتيجة طبيعية لغياب المؤسسية التي اتسمت به حقبة نظام مبارك، وإهماله التام لتلك الشريحة المهمة من أبناء الوطن رغم ما يقدمونه من دعم كبير لوطنهم الأم، وبالتالي فما صدر عن هذا الكيان المسمى الاتحاد العام للمصريين في الخارج لا يمثل إلا نفسه، ولا يلزم المصريين في الخارج بشيء.
بعد مشاورات متعددة وحوارات ميدانية جرت على مستوى مؤسسات الائتلاف الأعضاء، حول هذه القضية كما هو المتبع في كل القضايا المهمة طالب الأعضاء بصدور بيان تفصيلي يعبر فيه الائتلاف عن موقفه من تلك القضية، إضافة لدعمه أبناء مصر في الخارج ومشاركة آلامهم والتفاعل مع قضاياهم حيثما كانوا باعتبارها الجزء الأصيل في اهتمامات الائتلاف وبرامجه.
لم يتأخر المصريون في الخارج يومًا عن خدمة وطنهم والتضحية من أجله، وخير دليل علي ذلك هو الأرقام غير المسبوقة في تحويلات المغتربين منذ يوليو 2012، والتي أثبتت حجم حبهم وتفاعلهم طواعية مع نداء الواجب حين عاشوا حلم الحرية وبناء مستقبل أفضل لأبنائهم، حتى أنه عاد كثير منهم بعد الثورة للإسهام في نهضة مصر.
من الناحية القانونية صدر حكم سابق في هذه القضية من المحكمة الدستورية العليا في 2 يناير سنة 1999؛ حيث قضى بعدم دستورية المواد، من الأولى حتى الخامسة من قانون رقم 202 لسنة 1994 ، الخاص بفرض ضريبة على أجور ومرتبات العاملين من المصريين في الخارج، لانعدام أساس قانوني لمطالبتهم بالضريبة.
تناسى قائد الانقلاب العسكري الدموي تمامًا ومن سار على منواله البعد الإنساني للمهاجرين وما يواجهون من صعوبات الغربة ومعاناة أسرهم في الداخل، فضلاً عن دوافع الهجرة بالأساس، فما اضطرهم للخروج من بلدهم إلا بطالة أو محسوبية وفساد استشرى حتى ضاقت بهم سبل الحياة فهربوا من ضيقها بحثًا عن مخرج، حتى لجأ بعض الشباب للمجازفة بحياته في قوارب الموت، وهي ظاهرة لم تكن معروفة من قبل في المجتمع المصر، لكن خلقتها الظروف الاقتصادية الخانقة التي جعلتهم يفضلون موتًا مع احتمال النجاة عن موت بطيء وغربة داخل الوطن.
الجميع يدرك أن من ينادون بالتقشف وفرض الضرائب والإتاوات على الشعب الصابر وشريحة الكادحين في الخارج، هم أول المحتكرين لخيرات هذا البلد، والناهبين لمقدرات الشعب وثرواته، إضافة إلى رواتبهم الخيالية، وميزانياتهم غير المعلنة، وكان الأولى بهم تطبيق الحد الأقصى للأجور، وإعلان تنازلهم عن رواتبهم، وهو ما لا يشجع أحدًا على مساعدة حكومة تنهب الشعب وتهد أرض الوطن بالمجان، في عودة فاضحة لزمن الإقطاع البشع.