نحن في عصر العلم، ومعركة العصر بين القوي والضعيف، سلاحها العلم، وهدفها سيطرة القوي على موارد الضعيف، ووسيلتها السيطرة على العقول.
وإذا كان الإنسان جسدًا وروحًا وعقلاً، أو مادة وشعورًا وفكرًا.
فإن المجتمعات كذلك.
وإذا تفحصت حال أمتنا لوجدت أن نقطة ضعفنا ليست في المادة (الموارد) ولا في الشعور (شعوب متدينة بطبعها كما يقولون)، ولكن مشكلتنا بشكل أساسي في الفكر.
وإذا كانت المادة يلزمها موارد وعلماء وسواعد، والروح يلزمها أديان وعقائد وقادة روحانيون، فإن العقل والفكر يلزمه نخبة مثقفة تمثل عقل الأمة وشراعها الفكري.
وهذا بالضبط ما قام به علماء النهضة الأوربية، فعلماء من أمثال "فرنسيس بيكون" و"ديكارت" وأمثالهم لم يكونوا من أصحاب الكشوف الجغرافية ولا الاختراعات العلمية، ولكنهم وضعوا مناهج للتفكير العلمي، كانت هي البناء الفكري للنهضة العلمية والصناعية والاجتماعية.
أما في عالمنا العربي فللأسف نخبتنا المثقفة كانت في قطاع كبير منها جزءًا من المشكلة وليس الحل. فنقلتنا من أمة منهجها الفكري الذي أسسه القرآن: "تفكروا"، "تدبروا"، "انظروا"، "تبينوا" والذي قامت عليه نهضة الحضارة الإسلامية، إلى السفسطة والجدل البيزنطي
إلا نفر قليل نحن في أمس الحاجة لاستحضار جهودهم واستكمالها، من أمثال المفكر الجزائري "مالك بن نبي" الذي شخص مرضنا الفكري بمصطلح: "القابلية للاستعمار"، والمفكر الإيراني "علي شريعتي" بمصطلح "النباهة والاستحمار".
كلاهما- كنموذج- ومعهم نفر من المخلصين من المثقفين خاضوا معركة الوعي التي تقف أمام خطة التجهيل والإلهاء التي مارسها الاستعمار ثم ترك مهمته لوكلائه الذين ما زالوا يمارسون نفس الدور.
فمعركة التجهيل والإلهاء ما زالت هي رأس الحربة في السيطرة على عقل الشعب، بهدف السيطرة على موارده، وإجهاض أي محاولة للنهوض.
معركة تدار بأسلوب علمي ويقف وراءها ثلة من علماء النفس والاجتماع والإعلام فضلاً عن أجهزة المخابرات والدعم الدولي.
معركة تدار من خلف الستار، لها بهلوانات في المسرح السياسي وأراجوزات في المجال الإعلامي، يتعدد محتوى خطابهم وطريقة أدائهم لتناسب الشرائح المستهدفة، فطريقة الأداء تتعدد: بهدوء، بسخرية، بتشنج وعصبية، بهبل وعبط.
فمن يدعي أنه من النخبة المثقفة، فهذا مجال جهاده: معركة الوعي، ثم الوعي، ثم الوعي.
هي نقطة الضعف التي منها أُخذنا، وهي نقطة القوة التي منها سنعود.