لا تستطيع إلا أن تقف إجلالاً وأنت تتحدث عنهم فأنت أمام صرح عظيم وقمة أنتجتها الأحداث. الموقف عصيب عندما أفكر في أن أتحدث عن بناه مصر الحقيقيين أو أتناول الحديث عن تضحيات ودماء تراق على أرصفه الشوارع لا لمطامع أو أجندات. عليك أن تواجه حالة التعب التي تمتلكك عندما تحاول أن تبحث عن وصف في اللغة لتضحياتهم وصمودهم أمام غياب قوى الشعب وأحزابه ومدعي الوطنية والشرف من صدعوا رؤوسنا بهرائهم وسقوطهم.. شعور من الإحباط عندما تحاول أن تضع هذا الجيل في مواجهة من يطلقون على أنفسهم النخبة أو قاده العمل السياسي الذين سقطوا في أول اختبار لهم في التضحية الحقيقية من أجل الأوطان يوم سرق العسكر شرف الوطن.. عليك أن تضع حدًا لتصوراتك ماذا سيكتب التاريخ عنهم وفي أي أبوابه سوف يتحدث. فالحرية لا تنتزع إلا بالدماء. أن تختار إن شئت فهم امتداد لرجال صلاح الدين أو سيف الدين قطز أو هم رجال وقفوا على الجبهة في الانتصار العظيم وعادوا للتو ليحموا الأوطان من رده الجنرالات.
لا يمتلكون أجندات سياسية فليس لهم مرشحون للرئاسة.. ولا يخططون للدخول في قوائم انتخابات برلمانية . صدور عارية . أقسموا أن يعيشوا أحرارًا وأن يعيدوا المجد لأوطانهم. هم الإباه اقسموا أن يركعوا حفنة الجنرالات بصلابة الميادين. يقهرون الظلم والبطش والفساد بصدور عارية ناشدين حرية أوطانهم. لا يعرفون التفاوض أو الجلوس على المائدة المستديرة. جيل من الأطهار في عمر مصر لا تحاولوا مخادعتهم هم أشرف وأنبل من يسير على تراب الوطن الآن فلا تلتفوا حول حراكهم. أقسموا أن يبنوا شراعًا لسفينة الوطن بأرواحهم. نفوس لم تلوثها السياسة.. لا تحاول أن تضع تصورًا لبيوت تربي فيها هؤلاء من العزة والشرف والأخلاق وحب الوطن والتضحية. هم نخبة الوطن من أبنائه ولا فخر تقف كثيرًا لتبحث الدافع الذي يقود هؤلاء لأن يخرجوا بصدور عارية وهم لم يتجاوزوا العشرين أمام مصفحات وآليات وقلوب سوداء وعقول مجردة من فهم الحقائق. وأشباه رجال يحتمون في سلاحهم.. استطاعوا أن يقدموا نموذجًا في توحد الاتجاه والتحرك ضد الانقلاب والظلم على اختلاف أيديولوجياتهم.. أعادوا تجميع الكتلة الصلبة داخل المجتمع لمواجهة الانقلاب وكسر القيد.. لا تضع تصورًا لحجم الأحكام القضائية التي يتعرض لها رجال مصر وأحرارها من الطلاب.. وكم من الغل والحقد يمتلك هؤلاء من جيل مضي وتوقف عنده الزمن مع رمزية عبد الناصر ومبارك ولم يستطع أن يتحرر من عبوديته لأهوائه وملذاته وبات ينظر إلى الحرية في عين هؤلاء الرجال على أنها عبث. ولا تستطيع أن تضع تصورًا لما يتعرض له أبناؤنا وبناتنا في السجون من قمع واضطهاد مع أذان صمت أنفسها على أن تسمع أو تتحرك .. إلا أن الدماء ما تزال تجري.
هؤلاء الشباب كانوا أيضًا في الماضي يدافعون عن وطنهم فهم ليسوا نتاج أحداث يمر بها الوطن .. هم أنفسهم خرجوا في السابق عند النكسة وخراب العسكر.. يومها أدرك الطلاب أن هناك احتلالاً لا بد من مواجهته، وفي ذات الوقت هناك غياب للحريات السياسية وتفشٍ لعلامات الشيخوخة في نظام عبد الناصر يجب مواجهتهما.. ما دفع الطلاب إلى أن ينادوا بالديمقراطية وإصلاح أوضاع الداخل ومواجهة العدو واسترداد الأرض والكرامة.. ولعل قضية ضباط سلاح الطيران المتهمين بالإهمال عقب نكسة يوليو بمثابة الشرارة التي أشعلت الغضب المدفون داخل الطلاب .. وأظهرت الاحتجاجات مطالب عاجلة ترمي في الجرائم التي ارتكبها نظام عبد الناصر.. وبدأت مظاهرات الطلاب بعد قمع الشرطة لمظاهرات عمال حلوان وصلت إحدى هذه المظاهرات إلى مجلس الأمة.
العسكر هم ذاتهم بفاشيتهم هم نفسهم اليوم لم يفهموا أن الحياة تتغير وأن لعقولهم التي توقف عندها الزمن من أجل إمبراطوريتهم أن تتفهم.. السادات يومها أقسم للطلاب بشرفه أنهم لن يتعرضوا للاعتقال إثر تسجيل أسمائهم قبل انتهاء الاجتماع وأعطاهم رقم تليفونه الخاص للاتصال به حالة حدوث ذلك .. ولكن تطمينات السادات كانت وهمية، فقد تم اعتقال الطلاب من منازلهم في نفس الليلة..!!!
وفي اليوم التالي قرر طلاب كلية الهندسة- جامعة القاهرة- تنظيم اعتصام برغم أن الحكومة قررت تعطيل الدراسة في 25 فبراير .. وحاصرت الشرطة الكلية حيث ألقى الطلاب الحجارة على قوات مكافحة الشغب مما جعل الشرطة تلجأ إلى الضغط على الطلاب من خلال الأساتذة وأولياء الأمور لفض الاعتصام .. قد تجدون شيئا من الدهشة لو أنني ذكرت لكم مطالب طلاب كلية الهندسة يومها لأدركتم أن العقول التي تحكم مصر الآن لم تتحرك خطوة واحدة في اتجاه التفكير للأمام فقد كان على رأس مطالبهم الإفراج الفوري عن الطلاب– حرية الرأي والصحافة – إبعاد المخابرات والمباحث عن الجامعات– إلغاء القوانين المقيدة للحريات ووقف العمل بها– التحقيق الجدي في حادث العمال في حلوان– التحقيق في انتهاك حرمة الجامعات واعتداء الشرطة على الطلاب.
وجد عبد الناصر أن نظامه مستهدف وأنه يفقد شرعيته يومًا بعد يوم .. ولم يعبأ هؤلاء الرجال يومها بصحافته وعلى رأسها الأستاذ هيكل الذي أخذ يرد أن احتجاجات الطلبة ضد أحكام الطيران فقط ليست إلى عبد الناصر ونظامه ولا حديث عن حريات غائبة وديمقراطية في القبر وشرعية باتت تختفي شيئا فشيئا .. هو نفسه هيكل من يدير لهم معركتهم بعد أكثر من اثنين وأربعين عامًا.
السؤال الآن !!!!
هل تجد مطلبًا من مطالب الطلاب بالأمس تحقق إلى اليوم بعد أكثر من أربعين عامًا من حراكهم في ظل عقليات عقيمة وحفنة من العجائز تحكم مصر!!!! الفارق هو أن الطلاب يومها كانوا ساخطين على الهزيمة من اليهود وعن عدم الرضا عن أسلوب كامل في الحكم.. واليوم هم ساخطون أيضًا على هزيمة القيم ونظرة الشعب لقادة جيشه في الشوارع والميادين.
نخرج إلى العالم .. ظل سوهارتو متسلطًا ومستبدًا بحكم إندونيسيا لمدة 32 عامًا متصلة، كان فيها رجل إندونيسيا وحاكمها المطلق .. خرجت مظاهرة طلابية في إحدى الجامعات الإندونيسية بالعاصمة جاكرتا تهتف ضد رئيس الجمهورية كان سوهارتو يومها في زيارة القاهرة لحضور مؤتمر دول الـ15 .. لم يكن يدرك تلك الطاقة الكبيرة التي تحرك الطلاب لنيل حريتهم والتحرر من عبودية الحاكم الأوحد، وانضم إليهم عدد كبير من الشعب، وعاد سوهارتو ليجد البرلمان تحت الحصار، والجيش يستعد للهجوم على الطلاب.. هذه القوى التي أصبحت مليونية لم يكن لها برنامج محدد، لكن هذا لم يمنع أنه كان لهم هدف واحد: هو إسقاط سوهارتو.. في اليوم التالي خرج سوهارتو ليعلن استقالته أمام الجميع ويكلف بحر الدين يوسف بإدارة البلاد أمام صمود طلاب لا يعبئون بحسابات القوى ولا ألاعيب السياسة ولا ما يدور في الغرف المغلقة إلا أن ينادوا بالحرية.
من هنا أقول.. إن الطلاب في فرنسا ليسوا أكثر منا منطقًا وفهمًا للحريات أو بمطالب الشعوب والأحرار وكان للطلاب دور آخر في فرنسا في مايو 1968 في قرار شارل ديجول إجراء استفتاء رغم أن ديجول صاحب تاريخ سياسي طويل ومن رواد وقادة الثورة الفرنسية فهو أول رئيس فرنسي في الجمهورية الخامسة إلا أنه لم يحصل على نسبة تأييد أسقطته عن الحكم.. في وقت كان ديجول فيه أيقونة فرنسا وبطل فرنسا في معركتها تحت الاحتلال في الحرب العالمية الثانية.. يومها قال (بول سارتر)- الذي كان يوزع بيان الطلاب داخل الحي اللاتيني في باريس هؤلاء هم فرنسا القادمة وأن الأمة الفرنسية لن تموت.
أيها الأباة.. أيتها الحرائر الطلاب والطالبات.. بثبات وإقدام تصنعون وجهًا جديدًا لمصر وتفرضون واقعًا آخر غير الذي يعرفه المتنطعون وأنصاف الرجال ممن يؤيدون الانقلاب ولا يتفهمون أن الشرف في رفض الظلم والقهر .. صمودكم رغم العنف والحصار والرصاص الحي إنما هو التاريخ يكتب الآن.. بغير صمودكم لتحول الشعب إلى عبيد عند قاده الانقلاب .. أنتم على ثغر الوطن ولولاكم لما عادت المعادلة إلى الثوار.. لقد كنتم بحق رقمًا صعبًا لم يتوقعه القاصرون من قادة الانقلاب ورعاع السياسة وأرباب الحانات والساقطون على صدور العاهرات ممن يدعموهم ويرضون الذل والعيش تحت أقدامهم.
أفيقوا من سكركم وعهركم .. اخرجوا من تحت الأضواء الحمراء وهوس الفجور وتنهدات الساقطات .. ارتدوا ملابسكم.. فالرجال في الميادين يقذفون بالرصاص.
ينظر العالم الآن لمصر بعين أخرى بعد إصراركم وصمودكم .. لقد سطرتم ومازلتم ملحمة من الرجولة والعزة بصدور عارية وسلمية أمام قنابل مسيلة للدموع ورصاص حي وخرطوش.. الشعب الآن يستمد من عزمكم الصمود والقوة والغلبة في الحق .. شرف لنا عندما ترتقون أنتم المكانة أمامنا لنتعلم منكم الصمود وحياة الأحرار .. يعجز اللسان عن وصف مسيراتكم .. نحن من نعاهدكم أننا على العهد خلف خطاكم نسير .. لن نترك الميادين حتى نحاكم قتلة الشعب ونعود بمصر إلى أبنائها.
حفظكم الله من بطشهم.. اعلموا أنه ليس بعد الحق إلا الضلال وليس بعد البلية إلا المنحة والله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون
(ألا إن نصر الله قريب).
---------------
https://www.facebook.com/pages/Mahmoud-Ibrahim-Sadeeq
MahmoodSadeeq on Twitter