- السلطة الفلسطينية الجديدة قادرة على ضبط سلاحها
- العقوبات الاقتصادية أو العسكرية لن تُجدي مع إيران
- الغرب مرعوب من امتلاك المسلمين السلاح النووي
حوار- رضا عبد الودود
اللواء د. محمود خلف

تمر القضية الفلسطينية بتحولات جذرية وإستراتيجية على كافة المستويات بعد الصعود السياسي الأخير لحماس وفوزها بالانتخابات التشريعية بما هزَّ الأوساط السياسية وتقديرات المراقبين، وأفرز حالةً من ردود الأفعال الأمريكية والصهيونية المتباينة.. وللتعرف على نتائج فوز حماس والتحديات التي تواجهها بعدما تحوَّلت من حركةٍ فاعلةٍ لها حدود كبيرة من الفعلِ والحركة إلى حكومة دولة لا بد من دخول في حسابات جديدة وخطاب جديد، التقينا اللواء د. محمود خلف الخبير الإستراتيجي والمستشار العسكري بأكاديمية ناصر العسكرية.. إلى الحوار:
* بدايةً كيف تُقيِّم نجاح حماس السياسي في الشارع الفلسطيني؟
** حقيقةً أنا سعيد جدًّا بفوز حماس مثل بقية الشارع السياسي والخبراء الإستراتيجيين الذين لديهم تفاؤل كبير بقيادة حماس للقضية الفلسطينية خلال المرحلة المقبلة؛ لما تمتلكه حماس من مشروعٍ سياسي واضح ومتدرج وقدرة فائقة على ضبطِ سلاحها في إطارِ مشروعها السياسي، وقدرتها على التحاور بشفافية مع كافة الأطراف الداخلية والخارجية.
ولعلَّ البعد الإستراتيجي الذي يحكم نجاح حركة حماس مستقبلاً، ومما يبعث على الاطمئنان في قيادتها للقضية وللشعب الفلسطيني في المرحلةِ المقبلة أنها لم تأتِ بالبراشوت أو في حماية قوات أجنبية؛ بل جاءت شرعيةً، ولم تكتسب هذه الشرعية بين ليلةٍ وضحاها؛ بل دفعت- في سبيل ذلك- ثمنًا باهظًا عبر سنين طويلة من دماء الشعب الفلسطيني، شيوخه وأطفاله ونسائه وشبابه، ومن قُوْته الضروري ومن أمانه وسلامه.
لقد تمرَّسوا على التعاملِ مع سياسة الصهاينة الملتوية والعدوانية؛ حيث لم يغيبوا يومًا عن مواجهتهم بأدواتهم المتاحة، وبأحجارهم وسواعد أطفالهم النحيلة، بصدورهم العارية، بأرواحهم، وكذلك بسِجَالاتهم السياسية، حتى باتوا يعرفون سياستهم، ويقرأون أفكارهم ومخططاتهم الماكرة.. وهذا أدعى إلى الاطمئنان إلى سير القضية بقيادة حماس.
![]() |
|
أ. خالد مشعل |
ولعل ما قاله خالد مشعل- رئيس المكتب السياسي لحركة حماس- في مؤتمره الصحفي يوم السبت الماضي التي جاءت كلها متوازنة وموضوعية وواقعية، وأنَّ الحركة قابلةٌ لتغيير مواقفها طبقًا لمصلحة القضية والشعب الفلسطيني، تغييرًا في الشكل والفروع وليس في المنهج والأصول، وأنها- الحركة- حريصة كل الحرص على المشاركة الوطنية لكل القوى الفلسطينية ليتحمل الجميع مسئولية المرحلة.
فساد فتح
* في رأيكم ما أسباب نجاح حماس الذي يُرجعه البعض لفساد حركة فتح؟
** ما تعبر عنه نتائج الانتخابات التشريعية في فلسطين هو تمسك الشعب الفلسطيني بمشروع حماس السياسي القائم على خيار المقاومة بكافة صورها، حيث يعلم الشعب الفلسطيني ثمن اختياره حماس، فهو اختار المقاومة كنهج لحياته في سبيل الحصول على حقوقه، وقد قدَّمت حماس القدوةَ للشعب الفلسطيني من تضحيات وشهداء.
* بعد فوز حماس اتَّخذ الغرب وواشنطن مواقفَ عقابيةً لذلك الاختيار لمعاقبة الشعب الفلسطيني على خياره للمقاومة وحماس.. كيف ترى الأمر في ضوء الواقع الفلسطيني؟
** بدايةً أحذِّر العالمَ أجمع من وقف الغرب والولايات المتحدة لدعمهم المادي للسلطة الفلسطينية بعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الأخيرة وتشكيلها الحكومة الفلسطينية الجديدة، لما يحمله من مخاطرَ إذا توقَّف الدعم الذي سيوسع من حجمِ ومساحة الحرب والتوتر في الشرق الأوسط وعلى الساحة الفلسطينية؛ حيث سيكون البديل أمام الفلسطينيين هو التوسع في تلقي الدعم من قوى إقليمية كإيران أو سوريا التي ستحاول الضغط على الكيان الصهيوني بورقة حماس.
ولعلَّ السيناريو الأخطر في حالةِ وقفِ الدعم سيكون على صعيد الداخل الفلسطيني؛ حيث ستزداد حالات الفلتان الأمني داخل فلسطين والتي ستقوم به حركة فتح خاصة، والتي اعتمدت كثيرًا على المعونات الخارجية خاصةً الغربية، مما يُهدد باستخدام ورقة فتح ضد حماس لتقويض نجاحها وخلق حالة من الاستياء لدى الشارع والمواطن الفلسطيني لمعاقبته على تصويته لحركة حماس ومشروعها المقاوم بما يخلقه من حرب أهلية ستفرض على حماس خوض غمارها مرغمة.
أموال العرب والمسلمين
* وما البديل المالي لتغطية احتياجات الشعب الفلسطيني المعرضة حياته للانهيار؟
** البديل المالي في حالة تعنت الغرب عن دفع معوناته المقدرة بـ500 مليون يورو سنويًّا كانت تُدفع للسلطة الفلسطينية هو أموال العرب والمسلمين التي يمكن أن تغطِّي حاجات الشعب الفلسطيني بصورةٍ كبيرة، وأطالب دول الخليج النفطية أن تلعب دورًا أكثر دعمًا للقضية الفلسطينية عبَّر تقديم الدعم المباشر أو التفاهم بورقة النفط مع أمريكا والغرب.
* ماذا عن الموقف المصري من فوز حماس؟
** موقف مصر دائمًا هو دعم الفلسطينيين ونحن مع وحدة القيادة السياسية، فمصر رسميًّا توافق على ما يُوافق عليه الشعب الفلسطيني وتقدم النصح للفلسطينيين، وتعتبر أن كل ما ينتزعه الفلسطينيون من الصهاينة هو مكسب للأمن القومي العربي كله، وقد ساندت مصر حماس بعد فوزها من خلال ضغطها وتفاهمها مع الحكومة الصهيونية التي تغيَّر خطابها في الأيام الأخيرة معلنةً أنها لن تقبل بحكم حماس، حيث صرَّح أولمرت مؤخرًا أنَّ إسرائيل ستنتظر ما تُسفر عنه تفاهمات وتفاعلات الشارع الفلسطيني نفسه.
التحديات
* في رأيكم ما التحديات الملحة التي تواجه حماس بعد فوزها؟
** حماس مطالبة- أكثر من أي وقتٍ مضى- بضبط خطابها السياسي بعدما أصبحت في السلطة، فهي الآن تمثل الحكومة، والعالم الخارجي له لغته التي يفهمها ويتحرك على إثرها، وعليها أيضًا أن توحِّد البيت الفلسطيني وترتبه ترتيبًا سياسيًّا محكمًا؛ حتى تستطيع أن تقاوم المخططات الخارجية للمنطقة العربية التي تعتبر فلسطين مدخلاً أساسيًّا في التحركات العدوانية ضدها.
* وكيف ستتعامل الإدارة الصهيونية مع حماس في ضوء الأوضاع الإقليمية الحالية؟
** أرى مستقبل التفاعل السياسي بين حماس والكيان الصهيوني يُوجب على حماس أولاً بقبول هدنة طويلة نسبيًّا ومشروطة مع الصهاينة، مع التمسك بحقهم في إقامة دولة مستقلة على أراضيهم، مع احترام الاتفاقات التي أبرمتها السلطة الفلسطينية سابقًا مع الكيانِ الصهيوني، مع عدم التفريط في سلاحها الذي يُطالب الغرب بنزعه؛ بل هي مطالبة بضبطه في إطار المشروع السياسي المقاوم لها.
* نريد التعرف على حقيقة الموقف الصهيوني من صعود حماس وتشكيلها الحكومة بعد شهرين من الآن؟
** يبدو أنه ثمة اتجاه يتشكل في الأوساطِ السياسية الإسرائيلية حاليًا، يقوم على ممارسةِ ضغوط إضافية على السلطة الفلسطينية على خلفيةِ صعود حركة حماس إلى برلمانها وتشكيلها المريح لحكومة فلسطينية، لكن تلك الضغوط تبدو مخفَّفة نسبيًّا بالمقارنة مع الخيارات الأشد وطأةً التي يمكن للجانب الإسرائيلي أن يطرحها على طاولةِ البحث كتقويض السلطة مثلاً أو حتى اغتيال صفوف قيادية منتخَبة من حماس، وهو ما تردَّد بالفعل في هوامش الوسط السياسي الصهيوني خلال الأيام الماضية على ضوء المخاوف الإسرائيلية الحادة؛ حيث تميل "حكومة كديما" إلى تعويق "حكومة حماس" في محاولةٍ لإفشالها مبكرًا، ولكن مع ضبط العواقب ما أمكنها ذلك، ومع إمكانية تصعيد الضغوط عليها بوتيرة شديدة القسوة كلما ارتأت ذلك.
![]() |
|
الحفاظ على سلاح المقاومة من ثوابت حماس |
* وكيف تستطيع الإدارة الصهيونية تحقيق ذلك دون استخدام الآلة العسكرية وتطبيق السيناريوهات القاسية التي تتدارسها الأوساط العسكرية؟
** تعويل تل أبيب الأساسي يتمثِّل- على ما يبدو- في حشدِ مواقف دولية ضاغطة على الجانب الفلسطيني، وتحديدًا على حركة حماس، بهدف محاصرتها ودفعها إلى الخروج من مربع المقاومة والتعاطي أيضًا مع مطالبات الحركة بالتملُّص من مواقفها الجوهرية إزاء الاحتلال والاعتراف بدولته تبعًا لذلك.
فالحملة الإسرائيلية ستتواصل على حماس على قدم وساق؛ فالقائم بأعمال رئيس الوزراء الإسرائيلي- إيهود أولمرت- أدار خلال اليومين الماضيين سلسلةً من الاتصالات المكثفة مع أطراف إقليمية ودولية بخصوص صعود حماس، منها عربيًّا، الرئيس المصري حسني مبارك، والعاهل الأردني عبد الله الثاني، وممن شملته دوليًّا الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، والرئيس الفرنسي جاك شيراك.
فيما سرعت وزيرة الخارجية الإسرائيلية الجديدة- تسيبي لفني- من وتيرة اتصالاتها مع نظرائها حول العالم محرِّضةً على حماس في الاتجاه ذاته، من خلال عدد من الاتصالات الدولية مع نظيرتها الأمريكية كونداليزا رايس، ونظرائها البريطاني جاك سترو، والروسي سيرجي لفاروف، والإيطالي جاك فرانكو فيني، علاوةً على منسق السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي خافيير سولانا.
* هذه مواقف معظمها معلن، فماذا عمَّا يدور أسفل المنضدة أو في الدوائر الخلفية؟
** يبدو أنَّ الصهاينة سيلجأون في حالة فشل ضغوطاتهم المستمرة بشكلٍ دولي على حماس بالواقعية السياسية التي تبدو أنها مطروحة بقوة أيضًا؛ حيث نجد أنَّ أحد المواقف اللافتة للانتباه صدرت عن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز، الثاني في قائمة "كديما" لانتخابات البرلمان الإسرائيلي، حيث صرَّح بيريز من منتدى دافوس الجمعة الماضية بأنَّ على الحكومة الإسرائيلية أن تُدير مفاوضاتٍ مع الحكومة الفلسطينية برئاسة حماس، شريطة ألا تأتي حماس إلى المفاوضات "مع بنادق"، وفْق تعبيره، دون أن يربط بيريز دعوته بالمطلب الكلاسيكي الإسرائيلي المتمثِّل بإلغاء "ميثاق حماس"، أو باعتراف الحركة بالدولة العبرية.
ولعل ما يمكن ملاحظته أنَّ موقف بيريز يكتسب أهميةً خاصةً باعتباره أحدَ السياسيين الإسرائيليين القلائل الذين سمحت لهم الحكومة التي يقودها أولمرت حاليًا بالتحدث إلى وسائل الإعلام بشأن مسألة صعود حماس إلى الواجهة السياسية.
وفي ما يُظهر حدود التصرف العملي بالنسبة لصانعي القرار الإسرائيلي أنَّ التوصيات الأمنية التي تلقتها حكومة أولمرت من الأجهزة المختصة تقضي بتحويل الدفعات القادمة من الأموال التي تجبيها سلطات الاحتلال عن البضائع التي تصل إلى السلطة الفلسطينية، وتكمن وراء ذلك الخشية من تقوُّض مؤسسات السلطة بالكامل، وهو ما يعني تفجيرَ الموقف وإحداث المزيد من خلط الأوراق، وهو ما سيخدم حماس على الأرجح أيضًا في الأمد المتوسط، ويفتح بابًا لا يسد على الجانب الإسرائيلي آجلاً وعاجلاً.
* وما دور الفعاليات العربية في المرحلة المقبلة لدعم وحدة الشعب الفلسطيني؟
** أولاً أطالب وسائل الإعلام والفضائيات بضبط عملها وتصريحات مَن تستضيفهم على شاشاتها؛ لضمان عدم توتير الأوضاع الداخلية في فلسطين وبما يُؤثر سلبًا على صانعي القرار، وأستشهد في ذلك بتصريحات ومداخلات عددٍ من قادةِ فتح في برلين والخارج على شاشةِ قناة الجزيرة مؤخرًا التي تهجَّموا فيها على مشروع حماس المقاوم، وطالبوا الفتحاويين بالثورة ضد حماس وقتل من يتفاوض أو يشاركه حماس في الحكومة المقبلة، كما أطالب الفعاليات السياسية الرسمية باستغلال ما بأيديهم من أوراق ضغط على الغرب وأمريكا بضبط إيقاعهم السياسي واتِّخاذ مواقف متوازنة تجاه حماس، وإلا فالشعوب هي الأساس في دعم القضايا العربية.
مستقبل المنطقة
* كيف ترى مستقبل القضايا الإقليمية المتوتِّرة الأخرى في المنطقة؟
** إنَّ ما يجري من تفاعلات شديدة الوقع والتأثير على منطقتنا في إيران والعراق وسوريا يمكن فهمه في إطار الإستراتيجية الإمبراطورية الأمريكية التي تسعى لاحتواء الصين ووقف امتداداتها وكذا السيطرة على منطقة آسيا ووقف دور أوربا، وحصره في القارة الأوربية مستخدِمةً ورقة البترول كسلاح سياسي وليس وقودًا بالسيطرة على بترول الخليج، وتحويل منطقة الخليج لمنطقة حمراء، ومد عمل فرق الانتشار السريع في أوربا وكذا في آسيا في الباسفيك وفي تخوم الصين واليابان.
وقد نجحت الإدارة الأمريكية بتحقيق قدرٍ كبيرٍ من إستراتيجياتها عقب أحداث 11 سبتمبر المدبرة بيد يهودية تدفع نحو حرب المسلمين وضمان سيطرة اليهود على اليمين المحافظ في واشنطن، وبدأت المخططات تؤتي ثمارها بعد حرب أفغانستان والذي يمثل بدايةَ الالتفاف الجغرافي حول إيران لعزلها عن التأثير في وسط آسيا وقطع التواصل الإيراني مع الصين.
أما تطورات الملف النووي الإيراني فيبدو أنه لن يتم تصعيد عسكري أو حتى تطبيق عقوبات اقتصادية أساسًا؛ حيث وصلت إيران الآن إلى مرحلة من التوازن النووي مع أمريكا والكيان الصهيوني، حيث تمكَّنت من بناء نحو 123 مبنًى نوويًّا تحت الأنفاق الأرضية منهم 43 مفاعلاً نشطًا وفعالاً وقادرًا على تخصيب اليورانيوم، بالإضافة لتطوير إيران صواريخ شهاب 1 و2 و3 القادرة على حمل رءوس نووية قادرة على الوصول لمسافات إستراتيجية بعيدة تخشى واشنطن من وقوع تلك المواجهة التي قد تُغلق التجارة والحركة في الخليج العربي.. ومن ثَمَّ فإنَّ مستقبل الخلاف الإيراني الغربي الأمريكي إلى تفاهمات وضمانات بعدم التعدي بهدف الحيلولة دون وصول أية دولة مسلمة للقنبلة النووية التي تمثِّل تهديدًا إستراتيجيًّا للغرب أجمع لما يعلمونه عن المسلمين بإمكانية تحمل ضربة نووية أولى وثانية وثالثة، والرد على العدو بما لديهم بسلاح لكون موتهم في تلك الحالة شهداء، مستدلين على ذلك بالعمليات الاستشهادية التي ينفذها المجاهدون الفلسطينيون.

