كان للمناسبات الإسلامية وأحداث السيرة النبوية مكانة سامية لدى شعراء الإخوان المسلمين، أطالوا فيها النفس، وأفردوا لها الصفحات الطوال، وامتلأت بها دواوين أشعارهم، كما حفلت بها صحف الإخوان ومجلاتهم، ساعد على ذلك اهتمام الإخوان بالاحتفالات المستمرة بهذه المناسبات الإسلامية، وحرصهم على إحيائها، والتذكير بها، وبما حوته من معانٍ وعبرٍ وعظاتٍ، فكانت حفلاتُ الإخوان فرصةً طيبةً للشعراء يدلون فيها بدلوهم، وتتفجَّر فيها ملكاتهم وطاقاتهم الشعرية.

 

ومن شعراء الإخوان الذين شاركوا بقوة في تلك المناسبات الشاعر الأستاذ محمد رشاد عبد العزيز شاعر الدعوة  بالإسكندرية، وأحد حداتها المبدعين، ونعرض له هنا قصيدتين بمناسبة الهجرة النبوية الشريفة.

في ذكرى الهجرة1

من العابر البيداءَ وهي دياجر

أهذا الذي يدعو إلى الله قومَه

وما ضرَّهم أن يتركوه وما دعا

ولكنه الطغيان يأبى معاندًا

وهل يقبل السادات دينًا أساسُهُ

تفرد ما من مُشرك في قضائه

إذن فرقيق الأرض حرٌّ كربِّها

وعِرضها بأس المترفين وجاههم

فلا بد من حربٍ يُصلي أوارَها

أيوصف بالكذاب أم ذاك منطقٌ؟

وصدق رسول الله من قبل بعثه

فخيرٌ لهم وصف الجنون فربما

وأطلقت الأبواق من بطن مكة

وقيل لحُجاج المُقام لقد أتى

وقيل أساطير الأولين يقصها

ولم يكن الإرجاف للحق عائقًا

ومن ذا الذي يصغى لقول محمد

فليس سوى التنكيل ينفع والأذى

فيا لهف ذي القلب الرحيم على الأولى

ألا فاشهدي بطحاءَ مكةَ أنهم

أهذا فتى البيت العتيق المهاجر؟

فينكر ما يدعو إليه الأكابرُ؟

إلى الناس والقول المزور باتر

على الحق أن يحيا، وذو الحق باهر

هو الله رب الكون ناهٍ وآمر

وسائر خلق الله في البعث حاضر

وربهما الديان للكل قاهر

إلى حالةٍ تهتز فيها المصاير

من اتبع الداعي ومن هو ناصر

فوجهته بالإفك لا شك خاسر

له خبر بين الورى متواتر

يجنّ التقى لم تبد منه بوادر

وجنّد للتشهير وغد وفاجر

إليكم نبيٌّ زائغ العقل ثائر

وقيل يعاني الشعر بل قيل ساحر

ففي الناس أحلام وفيهم بصائر

ويرجع لم تملك عليه المشاعر؟

ومن لم يخف بالكي فالسيف باتر

أقيمت لهم في الله أمس المجازر

رجال على جيد الزمان جواهر

لقد صدقوا عهد الرسول فلم يهن

وطار صواب القوم وارتاع بالهم

وأحمد بالتنزيل يغزو صحابه

وزاد بلاء الشرك من أن يثربًا

فهل تُحسم الحربُ التي طال أمرها

وجاءت قريش صيدها وغلاظها

فمن قائل يُنفى من الأرض أحمد

ولكن شيطان المناكيد دلهم

لهذا يفر المؤمنون بدينهم

ويُعبد فيه الله من غير فتنة

وتجتمع الأشباح من بعد فرقة

فلا خير في أرض يسام بها الفتى

وإن كانت الحرب الغشوم كبيرةً

تتابعت الأعوام من غير هدنةٍ

وأحمد موصول الفؤاد بربه

إلى أن تجلى الله بالفتح فانبرى

وفاجأ أهل الشرك في عقر دارهم

وحطَّم أصنامًا أضلوا بها الورى

وصاح بلال بالآذان مدويًّا

فسبحان مَن يملي لذي الظلم ماكرا

جنان لهم أو تُستفز سرائر

وأرَّقهم هذا الثبات المثابر

فيصبح شهدًا في الشفاه المرائر

تبايع سرًّا في الدجى وتؤازر

برأي وبعض الرأي للجيش كاسر

تشاور في نادٍ لها وتحاور

ومن قائل بالحبس فالحبس قابر

على القتل كيما تستقر الخواطر

إلى منزل ترتاح فيه المصائر

بظلم يمس أو عذاب يباكر

وتحتشد للتحرير فيه العساكر

وتخنق فيها الفاصلين المناكر

فإن سلام الغاشمين لبائر

فموتور هذا اليوم بالأمس باتر

على ثقة أن يبلغ النصرَ صابر

على رأس جيش جهزته المقادر

ففروا كما فر الحمام المجاور

فلم يغن عنها مجدها المتناثر

فلم يرتفع صوت بذلك كافر

ويأخذه من حيث كان يحاذر

في ذكرى الهجرة2

هجر الدار وامقًا غير سال

ما مَقام الفتى بأرض إذا ما

واستبدوا فكلما قام يدعو

ما كفاكم تهكم وازدراء

وحصار له السنينَ بشعب

واتهام له كأن لم يكونوا

ووقوف له بكل سبيلٍ

وارتواء الرمال من دمه الحر

واعتراض لصحبه بالبلايا

يقتلون الضعافَ حتى أذاقوا

رحم الله ياسرًا وذويه

ليتهم كذبوا وكانوا كرامًا

بل تعدَّوا وجاوزوا كل حدٍّ

وتنادوا لقتله كل بطن

كي تكف الثؤور عن قاتليه

لم تعد مكة مثابة أمن

فليهاجر محمد لا انخلاعًا

وقف الدهر ذاهلاً ليس يدري

يلمح الدار قد أحاطت قريش

كيف ينجو محمد من سيوف

يفتدي الحق والنهى والمعالي

هجر الحق أهلُها للضلال؟!

للهدى فردًا أمعنوا في النكال

واجتراء على قبيح المقال

بين جوع وغصة واعتلال

قبل يدعونه بخير الخصال

ليصدوا عن السبيل الموالي

بأيدي الأشرار والأطفال

وصنوف الإيذاء والأعضال

مُحصَناتِ النساء وقعَ النباال

وجزى الله ما جرى لبلال

والمروءات من صفات الرجال

من فجور وخسة واغتيال

بكمي مبرز في الصيال

وتضيع الدماء بين الرمال

ولهذا يباح شد الرحال

بل فرارًا بدينه من وبال

أن أنفاسه دبيب الخيال

كل ركن منها وكل منال

صيَّرت بابه كعش الظلال

ما درى الدهر أن ربًّا براه

ورأى القوم صيدهم قد تولى

أين أبصارهم أما أغلقوها

أين آذانهم ألم يُوقروها

حدِّث القلب يا زمان طويلاً

واقصص الصدق إن قومي ضلوا

قد شهدت المهاجرَين فقل لي

كيف أغفى طرفاهما والأعادي

كيف جازا القفار إنَّ ذكاها

كيف كان الصديق في ظلمة الغار

كيف حال الأولى مضَوا وتخلوا

ذاك شأن المجاهدين إذا ما

لا انكباب على التفاوض والنوم

حدِّث العقل يا زمان مليًّا

ما الذي بغَّض الرسول إلى الناس

أتراه افترى وجار عليهم

ما لهذا ولا لذاك ولكن

سيصير العبيد أصحاب رأي

سوف يسمو الفتى بفضل وخلق

أكرم الناس عند رب البرايا

قادرٌ أن يصيبهم بالخبال

ورأوا كيدهم كليل النصال

بشديد الرتاج والأقفال

دون آي من الهدى والجمال

واروِ لي من صحائف الأبطال

عن معاني الجهاد بالأقوال

كيف مثواهما بجوف الليالي

في طراد على الربا والقلال؟

تلهب الروح كاللظى في الذبال؟!

يضحِّي بنفسه لا يبالي؟!

عن ديار وثروة وعيال؟

رفضوا الخسف وانتهوا للنضال

وقتل الشعور بالإذلال

إن قومي عقولهم في اعتقال

وكانوا بمدحه في اشتغال

أم تراه غدا قبيح الخلال!!

سطوة الجاه عرضت للزوال

ويفكون ربقة الأغلال

لا بعلم مجرد أو بمال

من يطيع الإله خوف السؤال

لا فخورًا ولا مدلاًّ بجاه

وتسوَّى الرءوس بعد التعالِ