حين تجاوز النفاق مداه مع الرئيس المخلوع حسني مبارك، وكانت كل قرارات المسئولين وإنجازاتهم تصدر بناءً على تعليمات أو بفضل توجيهات "السيد الرئيس" ما كرَّس الانطباع بأن الرئيس هو كل شيء ولولاه ما تحقق شيء كتب المفكر الإسلامي الدكتور محمد عباس حينها في جريدة "الشعب" مقالاً بعنوان "قل هو الرئيس أحد"، واليوم يتبارى المنافقون في تأليه المشير السيسي بصورة فاقت كثيرا حسني مبارك وكأني بهم يرتلون" قل هو المشير أحد".
بلغ النفاق أن إحدى الفنانات تجاهر بأنه لو كان الإله الذي تعبده منتخبًا لانتخبت السيسي لعبادته، وهي الفنانة ذاتها التي ادعت أن "من قال إن سيدنا محمد هو أشرف الخلق كان غلطان لأنه مشفش السيسي".
ربما كانت تلك الفنانة تافهة لا يؤخذ بكلامها، لكن ماذا تقول فيمن ينصبون المشانق ممن يوصفون بالنخبة لأي شخص يتجرأ على نقد عبد الفتاح السيسي، أو يزداد جرأة بإعلان نيته الترشح في مواجهته؟ هل أتاكم نبأ حمدين وسامي عنان وعبد المنعم أبو الفتوح الذين ينظر إليهم البعض باعتبارهم مجرد مرشحين محتملين فتقوم قيامة أنصار المشير، يمتشقون سيوفهم ويسنون أقلامهم، ويدبجون البلاغات الكيدية وينشرون التحقيقات والمقالات النارية ضد هؤلاء الذين تسول لهم أنفسهم منافسة المشير.
هذا الهوس بعبادة الفرد لم يعد موجودًا في عالم اليوم إلا في دول محدودة لا تزال تعيش في القرون الوسطى مثل كوريا الشمالية، وحتى دول إفريقيا التي كانت مضرب الأمثال في الانقلابات العسكرية تخلصت من هذه الفضيحة، وألزمت أنفسها في ميثاق اتحادها (الاتحاد الإفريقي) بعدم الاعتراف بأي نظام انقلابي، وهو ما تم تطبيقه بحسم على مصر رغم كل الضغوط الدولية.
يا فرحة كوريا الشمالية وقادتها الطغاة وهم يجدون لهم رفيقًا اليوم بعد أن كانوا منفردين بتخلفهم!، ويا أسفي على مصر العظيمة التي صنعت واحدة من أعظم الثورات، كانت محلاًّ لإعجاب العالم، وعاش شعبها ثلاثون شهرًا من الحرية والديمقراطية التي حلم بها كثيرًا وضحى من أجلها كثيرًا، لكن هذا الحلم تمزق تحت عجلات المدرعات والدبابات وأزير الطائرات وطلقات الرصاص وقنابل الغاز.
هذا السعار الإعلامي والدعائي المسبح بحمد المشير، والذي يهيم عشقًا فيه بتعبير ذلك الكاهن المسيحي، أو الذي يعتبره أفضل من رسول الله بتعبير تلك الفنانة، جعل مصر أضحوكة بين الأمم بعد أن كانت نموذجًا وقدوة في التحضر والحرية التي بلغت مداها بتوجيه أقسى أنواع النقد للرئيس المنتخب وأسرته وحاشيته دون أن يصيب المنتقدين أي مكروه أو سوء، بل كان نقدهم سبيلاً لترقيهم في مواقعهم ومضاعفة رواتبهم ومكافآتهم!!
الذين يسجدون الآن للسيسي ( وهو ما حدث فعلا من بعض الشباب في ميدان التحرير الذين ظلوا يطوفون حول صورة السيسي ثم يخرون لتقبيلها) لن تشفع لهم هذه العبودية ولن تقربهم إلى السيسي زلفى، فهؤلاء العساكر وعلى راسهم السيسي "زي الفريك مايحبش شريك"، وهؤلاء الشباب أو القادة السياسيون من الأحزاب الليبرالية واليسارية وأولئك الكتاب والمثقفون الذين سبحوا بحمد السيسي والذين مهدوا لحكم العسكر لن يكونوا يومًا بمنأى عن انتقام العسكر وغلظتهم، فهؤلاء العساكر لايطيقون رؤية اي شخص يذكرهم بطريق مباشر او غير مباشر بأنه شريك لهم في الانقلاب، او أنه قدم لهم أية مساعدة لانجاح ذلك الانقلاب، لأنهم يؤمنون في قرارة انفسهم انهم وحدهم من صنع ذلك التغيير، وأنهم وحدهم من يستحقون جني الثمار دون أن ينازعهم في ذلك أحد، أو يمن عليهم بشيء.
لقد بدأ الانقلاب في تصفية شركائه في الجريمة، وكانت البداية ممن يعرفون بشباب ثورة 25 يناير رغم أنهم شاركوا بقوة وهمة عالية في 30 يونيو، وسلط العسكر عليهم أذرعهم الإعلامية والقضائية والأمنية لتخرج من الأدراج ملفات ظلت مطوية، ومعلومات ظلت منسية، ومكالمات ظلت سرية، ولتحبك ضدهم قضايا وبلاغات تبقيهم لسنوات في غياهب السجون، والمؤكد أن هذه الملاحقة لن تقتصر على شباب 25 يناير أو كتابها ومثقفيها بل ستطال أقرب المقربين حاليًّا للعسكر من شباب تمرد، الذين ورغم أنهم مع العسكر كالميت بين يدي مغسله إلا أنهم يشعرون أنهم الظهير الشعبي والسياسي للعسكر الذين- بدورهم- لايشعرون أبدًا أنهم بحاجة إلى ظهير شعبي أو سياسي طالما أنهم يمتلكون الدبابة والبندقية والسجون والمعتقلات.
الذين ينفقون أموالهم بسفه الآن لطباعة صور السيسي وإغراق الشوارع والحارات بها، والذين يتبارون في تنظيم السرادقات والمؤتمرات لدعمه سيندمون يوما على فعلهم، إنهم ينفقون هذه الأموال لتكون عليهم لعنة،وإنهم يدبجون المقالات والبلاغات لتكون عليهم شهادة، فساعة الحساب أتية لاريب فيها بعد زوال الانقلاب، والانقلاب زائل لاشك في ذلك فهذه سنة الله في الذين انقلبوا من قبل، والمحاكمات الناجزة تنتظر كل من شارك وساعد وروج وحبذ ودعم هذا الانقلاب على الشرعية وعلى الدستور وعلى إرادة الشعب المصري وما ذلك على الله بعزيز وما ذلك اليوم ببعيد.