يواجه الثوار- عادة- ضغوطًا كبيرةً للغاية، لأن عملهم جهادي، والجهاد ميدان لكل التحديات التي ينبغي معرفتها حتى لا تتسبب في إخراج بعض الثوار من الصف الثوري.

 

ومن أهم هذه التحديات:

 

أولاً: قوة الخصم:

- الثورة معركة صفرية، ولا تقوم الثورات ضد الأنظمة الاستبدادية إلا لانفراد هذه الأنظمة بالسلطة والثروة، واستحواذها على مقدرات الوطن، ولم تكن هناك ثورة أقوى ماديًّا من النظام الذي ثارت ضده، لذا فالأنظمة تعاند وتقتل وتعتقل بكل ما أوتيت من قوة دفاعًا عن صولجانها، وفي النهاية تنتصر الثورات.

 

- وتنجح الثورة إذا نهجت أساليب صحيحة لإسقاط الانقلابات مهما كانت التضحيات، أما إذا كانت الحسابات مُنصَبَّةً فقط على تقليل التضحيات فهذه بداية اندحار الثورات.

 

- وعمومًا، فالثورة ليست انتحارًا، ولكنها ليست نزهةً أو منافسة سياسية، إنها عمل يفتح أفقًا جديدًا، تُهدم فيه معادلات الحكم ويُمكَّنُ بعدها للشعب.

 

- ولكن الغريب أن يتصور أحد أن مناورة سياسية أو حلاً وسطًا يمكن أن يصل بالثورة لغايتها، أو أن يقتصد من تضحيات الثوار، أو أن يتراجع بسبب فارق القوة.

 

ثانيًا: التآمر الدولي:

- مما يفت أحيانًا في عضد الثوار إحساسهم بالغربة، وبإحاطة المتآمرين الإقليميين والدوليين عليهم، وما اشتعلت ثورة إلا كانت دولة أو أكثر تلعب ضدها، فالعالم صغير والمصالح متشابكة، وبلد كمصر لا يكاد يفيق من التآمر الإقليمي والدولي عليه لأسباب معلومة للجميع، ولكن على الثوار أن يتذكروا أن هذا التآمر مبعثه الخوف من أن تحكم الثورة بلادها.

 

-  بالتالي  فالأنظمة المتآمرة مرتعدة مهما كانت قوتها، فأمريكا ضعيفة في الشرق الأوسط طالما كانت مصر قوية، والعكس صحيح، والأنظمة الخليجية المتآمرة أضعف ما تكون إذا نشأت أنظمة عربية مستقلة بجوارها، والصهاينة مهددون إذا استفاقت دول الطوق.

 

- فإذا علمنا قدر التأثير الإيجابى على المنظومة العربية والإقليمية حين تنجح ثورتنا فعلينا أن نتوازن ونتماسك، فالنظر إلى التآمر فقط مُحبط، والنظر إلى نتيجة النجاح فقط مبهج، والثائر يعلم الوجهين، ولا يستسلم للتآمر فقط فييأس، ولا للأمل فقط فيعبث.

 

ثالثًا: سلبية الشعب:

- مع طول مدة  الحراك الثوري، وأثر ذلك على حالة الأمن والاقتصاد بالبلاد، تبرز مشاعر سلبية من كتل كبيرة من الشعب ضد الثوار، أو ضد الجميع، أو ضد الزمن، ويتصور الثوار أن هؤلاء الناس ضد الثورة بالذات رغم تضحيات الثوار الغالية من أجلهم.

 

- الغريب أن هذا موقف (كل) الشعوب من الثورات !!

 

 - فكثيرون يتصورون أن الفرنسيين كانوا على قلب رجل واحد في الثورة، أو كان الإيرانيون كذلك أو السود بأمريكا، أو غيرهم.

 

- وباستقصاء الثورات سترى أن الكتلة الصلبة التى تقوم عليها الثورات (من 1-5%) من الشعب، يكفيك أن تعلم أن أكثر من ثلث السود في أمريكا كانوا يرفضون التحرُّر، وأن  الكتلة العظمى من الإيرانيين كانت مع استقرار الأوضاع !، وأن طبقة الفلاحين والبسطاء فقط كانت عماد الثورة الفرنسية، وأن عمال المناجم في "بولندا" و"شيلي" كانوا نواة ثورة الثمانينيات، وأن منظمة "أوتبور" الشبابية كانت نواة إسقاط الديكتاتور "ميلوسيفتش" بصربيا عام 2000 ، وأن الجماهير التى انضمت لكل هؤلاء  لا تتجاوز النسب المذكورة، وأنه لم تكن هناك حالة إجماع على الثورة دائما، بل قد تتعجب أن دولا محتلة كانت شعوبها تفضل الاحتلال لانتظام الحياة وعدم المخاطرة بمواجهة المحتل، ومنها اليابان التى تعد دولة محتلة إلى الأبد لأن حمايتها منوطة بالجيش الأمريكي، وأن ميزانية جيشها في حدود 1% من الميزانية العامة، ولما أراد رئيس وزرائها الناجح "ناكاسونى" زيادة الميزانية العسكرية إلى (3%) أسقطه الشعب !

 

الأمثلة كثيرة ...

 

- لكن على الثوار أن يعلموا أن معركتهم موجهة (ضد النظام)، وهي ليست منافسة على الأصوات، وعليهم أن يدركوا الخوف الفطرى للعامة من الأحداث الجسيمة، وما دام الثوار  يمتلكون كتلة صلبة للحركة فعليهم أن يتعهدوها بحسن التوظيف، ومحاولة استمالة أعداد أخرى من الجماهير، وعليهم أن يعلموا أن صمود (الكتلة الصلبة) الدائم كرافضين للنظام يشل حركته ويتوجه بالبلاد إلى عصيان مدني سلبي، كما أن على الثوار أن يتحملوا غسيل المخ الذي يتعرض له الشعب وأن يواجهوه بإيجابية، وألا ينقموا عليه، فلقد ثاروا لاسترداد حقوقه.

 

ومهما كانت مواقفه فينبغي عدم التأثر السلبي منه أو ضده، و هذا الموقف  لن يظل إلى الأبد،  فالخداع لا يستمر طويلاً مادام هنالك من يقاومه.

 

رابعًا: تحدى الزمن:

- مع طول الزمن واشتداد الآلام، تدب تساؤلات عن التخطيط، وكفاءة القيادة، وجدوى الاستمرار في العمل الثوري، والدافع لهذا دائما هو التضحيات اليومية والدماء التي تُزهَق، ومعركة الزمن هي أهم معارك المستبدين، فهم يستخدمون إستراتيجية (الصدمة والرعب) لتكثيف الخسائر في أقل وقت في صفوف الثوار، وإذا نجح الثوار في امتصاص الضربات  وتطويل زمن المعركة فهذا انتصار حقيقي،واستنزافٌ لطاقة وهيبة الطغاة، لذا فالصمود الثورى يعنى الفشل الاستبدادى حتما.

 

- كذلك فإن على الثوار أن يُفكِّروا في كل تفاصيل خططهم وكفاءة قياداتهم، شريطة أن تكون ردود أفعالهم دائما اقتراحات ومشاورات وتغييرات موضوعية، وأن يحذروا السخط على أنفسهم، فقرارهم بأيديهم، ما يرونه صحيحا فليعملوه، وما يرونه خطئا فليغيروه، بحيث يكون التغيير بقرارات عاقلة رشيدة ؛ لا بسبب  ضغوط الطغاة، حتى تستمر الثورة (فاعلاً) لا (مفعولاً به).

 

- وعلى الجميع أن يدرك أن للحراك الثوري اجتهاداته الكثيرة، والحكمة في اختيار الأنسب، ولكن ليس معنى طول فترة المقاومة السلمية أن يكون الحل في حمل السلاح، أو أن يكون الحل في إيقاف التظاهر لحساب الخسائر والمكاسب.

 

- فالعمل الثوري له قِيَمُهُ، وقيمة السلمية أساس في ثورتنا.

 

والعمل الثوري له شروط نجاح، ومن شروطه الاستمرار، والتطوير أثناء الكفاح، لا بإيقاف العمل.

 

- كذلك فإن الانغماس الطويل بالعمل الثوري يؤجج العواطف، ولون الدماء يشعلها، وتغييب الأحباب يكويها.. وكثيرًا  ما تخرج الآراء خليطًا من العواطف والأحلام، وليست صوتًا للعقل والتدبير، فإذا علم الثوار ذلك فعليههم أن يتعايشوا مع عواطفهم، انطلاقًا وضبطًا، لكن عليهم أيضًا ألا يُحكِّموها أبدًا في قراراتهم، وأن يتعلموا كيف يديرون معركة مع خصوم تفكر لهم دول.

 

- وقد يتلقى الثوار بعض الهزائم السياسية أو الشعبية أو الإجهاضية، فهذه أيضا مواضع ينبغى أن يجيد الثوار التعامل معها، وحتى لو تعالوا عليها إعلاميا  وإظهروا عدم التأثر فعليهم أن يتعاملوا معها داخليًّا بواقعية، لقياس تأثيرها السلبي ومحاولة تجاوزه وعدم الاستسلام لآثاره مهما كانت.

 

- أخيرًا.. هل يتصور ثوار مصر أن الشعب الفيتنامي كان يواجه في الستينيات استعمارًا أمريكيًّا مسلحًا في الجنوب، ويواجه سلطة استبدادية في العاصمة الشمالية "سايجون"، وانتهج في الجنوب نهجًا عسكريًّا، ونهج في الشمال نهجًا سلميًّا مقاومًا وعنيدًا، وحافظ تمامًا على الفصل بين الثورة العسكرية على الأمريكان، والمقاومة السلمية ضد النظام رغم أن جنود السلطة كانت تلتحق بالجيش الأمريكي وتساعده في تدمير قرى الجنوب؟!.. عمل عبقري أليس كذلك؟

 

معاناة طويلة علمتهم الصبر والتمييز، والتغلب على ضعف الإمكانيات، والنهاية كانت هزيمة الأمريكان بعقدة أبدية، وسقوط المستبد ودخول فيتنام في سباق النمور الآسيوية.

 

لسنا أقل من فيتنام ولا إيران ولا جنوب إفريقيا.

 

ضغوطنا كانت ضغوطهم

وتحدياتنا كانت تحدياتهم

صمدوا وسنصمد

نجحوا وسننجح ... بمشيئة الله

مكملين...

لا رجوع...

--------

* Mohamedkamal62@ymail.com