بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.. تحيةً من عند الله طيبةً مباركةً، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، ثم أما بعد!!
رغم مسافات تفصل الأبدان والوجوه تبقى الفكرة الإسلامية روحًا ترفرف، تقرب القاصي والداني، وتُعلي رايةً ربانيةَ الأصل، ترديدها ﴿.. لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِيْ الأَرْضِ جَمِيْعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوْبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ (الأنفال: 63)، وهذه وربي نعمةٌ لا تفضلها نعمةٌ، ومنَّةٌ لا تعدلها منة؛ حيث يرتبط البدن الإسلامي برباط الإخاء الذي جسَّده المصطفى صلواتُ ربنا وسلامه عليه بقوله "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل البدن الواحد إذا اشتكى منه عضوًا تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى".
فاعلموا أيها الإخوة أنَّ جمْعَكم اليوم ميلادٌ جديدٌ يؤكد على معانٍ للقوة كامنة في هذه الأمة، التي تملك القدرة على تضميد جراحها، والسير قُدمًا نحو غد فجره الإسلام وصبحه الحق وشمسه الحقيقة ﴿وَُنِريْدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِيْنَ اسْتُضْعِفُوا فِيْ الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِيْنَ﴾ (القصص: 4) فيا ضيوفَ الجمعية الأفغانية للإصلاح والتنمية الاجتماعية في مؤتمرها التربوي.. اعلموا أن واجبكم ثقيل، وتبعتكم عظيمة، وأمانتكم نأَتْ عن حملها الجبال ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ﴾ (الأحزاب: 72).
فكونوا الأحرص على وحدة الصف، فما وهنت جماعة لقلة عددها وإنما لكثرة الثغرات في جدار وحدتها، فعالجوا ثغرات الواقع بـ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُوْنَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَََوَيْكُمْ﴾ (الحجرات: 10)، ولتكن مِشكاتُكم التي تسيرون على هديها "وكونوا عباد الله إخوانًا" ويوم تتحقق وحدتكم لن يعجزكم طغيانٌ فاسد أو مستبد ﴿إِِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيْفًا﴾ (النساء: 76) والصحوة في المجتمع- أي مجتمع- لا تقوم إلا على أساسٍ من الشفافية والطُّهر والنزاهة؛ لأن الحقيقة الثابتة مفادها ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِيْنَ﴾ (يونس: 81)، فليكن عدوكم الأول هو الفساد.. ذلك السوس الذي ينخر في عظام الأمة فيتاجر بآلامها ويبيع في سوق النخاسة أحلامَها.
ولئن كانت خطواتكم مرجعيتها "صحيح العقيدة" فلا تصح عقيدةٌ بركون لعدو أو ولاء لغير صاحب شرع ومبدأ.. أما قال الحق: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّيْ وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُوْنَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ﴾ (الممتحنة: من الآية 1) فزيِّنوا حركتَكم بعزة الالتجاء إلى الله والانتصار بسموِّ الرسالة الإسلامية، فلقد قال فاروق الإسلام عمر: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.
أيها الجمع الكريم..
جاءت رسالة المصطفى صلوات الله عليه وآله وسلم أول ما جاءت لتحمي حِمى المجتمع وتذود عن قيمه وعن أعرافه الفاضلة وتقاليده الأصيلة، فانطِلقوا مما انطلقت منه أولى خطوات قائد المسيرة وقدوتها صلوات ربي عليه؛ عملاً على أن تسود كل قيمة لحق، وأن يرتبط الناس بمكارم الأخلاق؛ ليعلم المجتمع كيف يبني ذاته وكيف يداوي علله، وساعتها يستطيع أن يلفظ خبثه؛ ولذا سمع الأعرابي أكثم بن صيفي قول الحق في كتابه ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيْتَاءِ ذِيْ القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 90) فقال لأبنائه: "إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن مساوئها، فكونوا في هذا الأمر رؤسًا ولا تكونوا فيه أذنابًا".
فاعملوا وكونوا الأحرص على البناء واجعلوا قيم النخيل شيمتكم "يرميها الناس بالحجر فترميهم بأطيب الثمر" ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا﴾ (المائدة: 8) ولتكن الإيجابية على كل صعيد أصل حركتكم ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِيْنَ﴾ (آل عمران: 139) ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكنَّ أكثرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).
محمد مهدي عاكف
المرشد العام للإخوان المسلمين