ليس جرمًا أن نكون ثوارًا أحرارًا ولكن أدعياء المدنية المزيفة والعلمانية المجرمة أبت إلا أن تعتبر نفسها الوكيل الحصري للديمقراطية المفصلة، ومن ثَمَّ- والكلام للأستاذ/ فهمي هويدي- "أعطت نفسها الحق في تصنيف الآخرين بإجازتهم أو إقصائهم، وبات هدف الاشتباك الراهن ليس هو الدفاع عن مدنية الدولة بالمفهوم المتعارف عليه ولكنه إقصاء أو إضعاف التيار الإسلامي الذي يحاول أن يثبت حضورًا ويكتسب شرعية في الوضع السياسي المستجد" (أ.ه).

وفي المقابل فإن رجال المشروع الإسلامي قاموا بما يمليه عليهم الواجب والواقع؛ ذلك بأنهم لا يحملون نظريات مجردة إلى أناس قبلوها أم رفضوها، وإنما يعيشون هذه الأفكار معهم ويترجمونها على أرض الواقع أفعالاً وأخلاقًا وممارسات.

وقدر الله أن يفرض المشروع الإسلامي وجوده على أرض الواقع، بعدما بذلت كل المحاولات خلال بضعة وثمانين عامًا الماضية للقضاء عليه أو إقصائه عن ساحة التأثير.

فهل بعد هذا نترك الساحة خوفًا ورهبًا؛ بعدما رأينا نصر الله على الطغاة؟ وهل ترتعش أيدينا خوفًا من سباب أو رصاص؟، فلا نامت أعين الجبناء!!!

فنحن الجسورُ و جيلُ النصرِ يعبرنا ***  يا داعي الله بلغ أمـة العربِ

أنَّا لعزتها قامت فوارســـنا كي  ***  ترفع الرأس بالإخوان للسحبِ

إذ كنا نقدم للسيوف صدورنا والأرض من حولنا تقذف نارًا؛ كما فعل قتيبة الباهلي عندما توغل في آخر الشرق وأبى إلا أن يدخل الصين؛ فقال له أحد أصحابه محذرًا مشفقًا: (لقد أوغلت في بلاد الترك يا قتيبة والحوادث من أجنحة الدهر تقبل وتدبر)، فأجابه قتيبة والإيمان قد بلغ منه كل مبلغ: (بثقتي بنصر الله توغلت وإذا انقضت المدة لم تنفع العدة)، فلما رأى المحذر عزمه وتصميمه على المضي لإعلاء كلمة الله قال له: (اسلك سبيلك حيث شئت يا قتيبة فهذا عزم لا يفله إلا الله).. (ذلك كي لا يكون النصر رخيصًا فتكون الدعوات هزلاً؛ إذ لو كان النصر رخيصًا لقام في كل يوم دعيٌّ بدعوة لا تكلفه شيئًا أو تكلفه قليلاً).

وإن الدعوة إلى الله ليست تجارة قصيرة الأجل؛ إما أن تربح ربحًا معينًا محددًا في هذه الأرض وإما أن يتخلى عنها أصحابها إلى تجارة أخرى أقرب ربحًا وأيسر حصيلةّ.

فالذي ينهض بالدعوة إلى الله في المجتمعات يجب أن يوطن نفسه على أنه لا يقوم برحلة مريحة ولا يقوم بتجارة مادية قريبة الأجل! إنما ينبغي له أن يستيقن أنه يواجه طواغيت يملكون القوة والمال ويملكون استخفاف الجماهير حتى ترى الأسود أبيض والأبيض أسود! ويملكون تأليب هذه الجماهير ذاتها على أصحاب الدعوة إلى الله؛ باستثارة شهواتها وتهديدها بأن أصحاب الدعوة إلى الله يريدون حرمانها من هذه الشهوات!.

ويجب أن يستيقنوا أن الدعوة إلى الله كثيرة التكاليف، وأن الانضمام إليها كثير التكاليف أيضًا، وأنه من ثم لا تنضم إليها- في أول الأمر- الجماهير المستضعفة, إنما تنضم إليها الصفوة المختارة في الجيل كله, التي تؤثر حقيقة هذا الدين على الراحة والسلامة وعلى كل متاع هذه الحياة الدنيا وأن عدد هذه الصفوة يكون دائمًا قليلاً جدًّا.

ولكن الله يفتح بينهم وبين قومهم بالحق, بعد جهاد يطول أو يقصر وعندئذ فقط تدخل الجماهير في دين الله أفواجًا). (الظلال/ يوسف).