الحمدُ للهِ العَدْلِ في قَضَائِهِ، الحكيمِ في فِعَالِهِ، القائِمِ بيْنَ خلْقِهِ بالقِسْطِ، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ وبارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا ونَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، شَاهِدِ الصِّدْقِ لِدِينِ الحَق، ودَلِيْلِ العِبادِ إلى سَبيلِ الرشادِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الطَّيِّبينَ العُدُولِ الثِّقَاتِ.
وبعدُ؛ فإنَّ أولَ ما يقعُ عليْه بَصَرُك إذا نظرتَ إلى منصَّة القضاءِ العِبارةُ القرآنيةُ الكريمةُ ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء 58).


ومنْ رَوائعِ أَديبِ العربيَّةِ الكبيرِ مُصطفَى صادِق الرَّافِعي رحمه اللهُ قَوْلُه: «مَا فَائِدَةُ الْعَدْل فِيمَا يُسَمَّى القَانُونُ، إِذَا نَحْنُ لَمْ نَأْمَن الْمَيْلَ الشَّخْصِيَّ فِيمَنْ يُسَمَّى القَاضِي».


ورَوَى ابنُ الجَوْزيِّ في (المنتظم) وفي (صِفَة الصَّفْوَة) عن عَامِرِ بنِ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيِّ: أنَّ ابْناً للقَاضِي العَادِلِ شُرَيْحِ بنِ الحارِثِ النَّخَعِيِّ قَالَ لأبيه: إِنَّ بَيْنِي وبَيْنَ قَوْمٍ خُصُومَةً، فَانْظُرْ فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لِي خَاصَمْتُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِي الحقُّ لَمْ أُخَاصِمْهم. فقَصَّ قِصَّتَه عَلَيْه، فقَالَ: «انْطَلِقْ فخَاصِمْهُم». فانْطَلَقَ إِلَيْهِم، فَتَخاصَمُوا إِلَيْه (أي أنَّهم أَصَرُّوا أنْ يكونَ شُرَيْحٌ هو القَاضِيَ في الخُصُومَة مع أنَّ ابنَه طَرَفٌ فيها)، فقَضَى عَلَى ابنِه، فقَالَ له ابنُه لَمَّا رَجَعَ إلى أهْلِه: وَاللهِ لَوْ لَمْ أَتَقَدَّمْ إلَيْك لَمْ ألُمْكَ، فَضَحْتَني! فقال: «يا بُنَيَّ، واللهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَهُم، ولكِنَّ اللهَ هو أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْكَ، خَشِيتُ أنْ أُخْبِرَك أنَّ القَضَاءَ عَلَيْكَ، فَتُصَالِحَهُم، فَتَذْهَبَ بِبَعْضِ حَقِّهِم».


لقد طلبَ الولدُ مشورةَ أبيه القاضي؛ حتى لا يُقْدِمَ على خُصومةٍ خاسرةٍ، وخَشِي الرَّجلُ العادلُ أنْ يُخْبِرَ ابنَه أنَّ الحقَّ مع خصُومِه، فيذهبَ ابنُه فيَتَصالَحَ معهم على أنْ يُعْطِيَهم جزءًا من حُقُوقِهم مُقابلَ التَّوقُّف عنِ الخصُومة، فأَرادَ أن تُرْفَعَ القَضِيَّةُ، حتَّى يَسْتَوْفِيَ لهم الحقَّ كاملا.


العَدْلُ أساسُ الملك:
هذا هو العَدْلُ الذي به قامتْ السَّماواتُ والأرضُ، وبه أَمَر رَبُّ العزَّةِ جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِياًّ أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (النساء 135).


هذا الإِنْصافُ يقولُ فيه النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فيما أخرجَه مُسْلم: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا».


وهذا هو العَدْلُ الذي يُحَلِّقُ بصاحِبِه في آفاقِ الجِنانِ بإذنِ الله، فقد أخرج البَيْهَقِيُّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ، ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ».


وأخرج أيضا أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال: «إِذَا جَلَسَ الْقَاضِي فِي مَكَانِهِ هَبَطَ عَلَيْهِ مَلَكَانِ يُسَدِّدَانِهِ وَيُوفِّقَانِهِ وَيُرْشِدَانِهِ مَا لَمْ يَجُرْ، فَإِذَا جَارَ عَرَجَا وَتَرَكَاهُ».


حين يَعْدِلُ القاضي، وحين تكونُ هَيْئَةُ المحكمةِ التي تَنْظرُ القضيةَ هيئةً عادلةً؛ لا يَيْأَسُ الضَّعيفُ من الوُصولِ إلى حقِّه، ولا يطْمَعُ المتسلِّطُ أو الماكرُ المخادعُ في سلْبِ حقوقِ الناس، ولهذا كانتْ نزاهةُ هيئةِ العدالةِ والقضاءِ أهمَّ عند كُلِّ العقلاءِ في أَنْحاءِ الدُّنْيَا من نَزَاهَةِ هيئةِ التَّشْريعِ أو التَّنْفيذ، وكان حِرْصُ أُممِ الدنيا على توفير كُلِّ الضَّماناتِ للقُضَاةِ؛ ليحكُمُوا بالحقِّ دُونَ أنْ يَخْشَوْا في اللهِ لَوْمَةَ لائِم، ودونَ أنْ يُضطَرُّوا للرُّضوخِ لأيِّ ضغطٍ منْ ذِي قوةٍ أو سلطانٍ أيًّا كانَ. وهذا ما جعلَ الأممَ الحُرَّةَ تنصُّ في دساتيرِها على اعتبارِ القضاءِ سلطةً مستقِلَّةً مع سُلطَتْي التشريعِ والتَّنْفيذ.


وهذا هو الضمانُ الحقيقيُّ لاستمرارِ الدَّوْلةِ وبقاءِ الأُمةِ، وكان سلفُنا الصالحُ يقولون: «إنَّ اللهَ يَنْصُرُ الدولةَ العادِلةَ وإنْ كانتْ كافرةً، ولا يَنْصُرُ الدولةَ الظالمةَ وإن كانتْ مُسْلِمةً».


هَلْ نتعلَّمُ من تشرشل:
مِنْ أشهرِ مَنْ يُضْرَبُ به المثَلُ في احترامِ القضاءِ وأحكامِه في العصرِ الحديثِ ونستون تشرشل رئيسُ وزراء بريطانيا الَّذي قادَها للانتصارِ في الحربِ العالميةِ الثانية، الذي نُقِلَ عنه قَوْلُه: «لا أقْبَلُ أن يُقالَ: إنَّه فى عهد تشرشل تَمَّ وَقْفُ تنفيذِ حكمٍ لأحدِ القُضاة، خَيْرٌ لَنَا أَنْ تَخْسَرَ بِريطانيا الحربَ ولا أُوقِفُ تَنْفِيذَ حُكْمٍ قضَائي»، وذلك تعليقًا على حكمٍ لإحدى المحاكم البريطانية بنَقْلِ مطارٍ حربيٍّ إلي مكانٍ بعيدٍ عن العُمران، مما أحرج السلطاتِ البريطانيةَ الحربيةَ، وبذلوا جهدًا لإيقافِ هذا الحكم، ولكن دون جدوي.


وعندما تقدَّم إليه أحدُ المستشارين وأخبره أنَّ الرِّشْوَةَ تفشَّتْ في المملكة كان سؤالُه: «هَلْ وصلَتْ الرِّشْوَةُ إلي القَضَاء؟» قال: لا، فكان ردُّه: «إِذَنْ البلدُ في أمانٍ وبخير».


العدْلُ يبدأُ في النَّفْسِ أوَّلًا:  
الَّذي يُمْعِنُ النَّظرَ في المنهجِ الإِسْلاميِّ يُدْرِكُ بوضوحٍ أنْ ليسَ العدلُ على منصَّةِ القضاءِ فَحَسْبُ، ولا عَدْلاً في تطبيقِ نصوصِ القانونِ العادلِ بينَ الناسِ فقط، وإنْ كان هذا أهمَّ وأوضحَ مظاهرِ العَدْلِ، لكنَّ العَدْلَ يبدأُ أوَّلاً في نفسِ القاضي قبلَ أنْ يكونَ في نَصِّ القانون، ويدفعُ القاضيَ للإِنْصافِ من نفسِه قبلَ الإِنصافِ منَ الآخَرين، فهذا القاضي العادلُ شُرَيْحٌ لَوْلَا أنَّ في قلبِه الإنصافَ -حتى لو كان هو أو أحَدَ أَعَزِّ الناسِ عليه طَرَفًا في الخصُومة- ما وقَع بهذا الموقعِ الجليلِ من الإسلامِ ومن الأمانةِ ومن العدالةِ التي عُرِف بها.

قال الأستاذُ الإمامُ حسنُ البنا رحمه الله: «يَقُولونَ: إنَّ العَدْلَ ليسَ في نصِّ القانونِ، ولكنَّه في نفسِ القاضي, وقدْ تَأْتِي بالقانونِ الكاملِ العادلِ إلى القاضي ذِي الْهَوَى والغايةِ، فيُطَبِّقُه تطبيقًا جائرًا لا عَدْلَ معه, وقدْ تَأْتِي بالقَانونِ النَّاقِصِ والجائِرِ إلى القاضِي الفاضلِ العادلِ البعيدِ عن الأَهْواءِ والغاياتِ، فيُطَبِّقُه تطبيقًا فاضلًا عادلًا فيه كلُّ الخيرِ والبرِّ والرحمةِ والإنصاف. ومن هنا كانت النفسُ الإنسانيةُ محلَّ عنايةٍ كبرى في كتاب الله, وكانت النفوسُ الأولى التي صاغها هذا الإسلامُ مثالَ الكمالِ الإنساني».


إنَّ الإنصافَ وتحقيقَ العدلِ حالةٌ نفسيَّةٌ وخُلُقٌ إسلاميٌّ، يُعَوِّدُ الإنسانَ أنْ يُعْطِيَ الحقَّ من نفسِه، وإنْ كان الحقُّ عليه يَرْجِعُ إليهِ صاغِرًا ذليلًا، يقْبَلُ الحقَّ ولا يُكابِرُ في الباطل، ويَعْدِلُ ولا يَتَّبِعُ هَواه، ولذلكَ كانَ السَّلفُ الصالحُ من القضاةِ يستمعونَ لأهلِ العِلْمِ، ولا يتردَّدونَ في الرُّجوعِ إلى الحقِّ إذَا بَدَا لهم أنَّهم أخْطؤُوا في الحُكْم. قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: «كُنْتُ عِنْدَ الشَّعْبِيِّ، فَقَضَى بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَبَصَّرْتُهُ بَعْدُ, فَرَجَعَ إِلَى قَوْلِي».


ومنْ هُنا أُخِذت فكرةُ الدرجاتِ في أحكامِ القضاءِ، بحيثُ يُطْعَنَ في الحكمِ أمامَ محكمةٍ أعلى للتأكُّدِ من عدالةِ الحكمِ الصادرِ وموافقتِه التامةِ والدقيقةِ لصحيحِ القانونِ ولأصولِ العدالة.


وقد دعا اللهُ تعالى إلى الإنصافِ حتَّى مع مَنْ نَبْغَضُهم، فقال سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة 8).


أيُّها القضاةُ انتبهوا:
لا بُدَّ من الإنصافِ من النَّفْسِ، وعدمِ المجاملةِ عندما تتعرَّضُ أيُّها القاضي للحُكمِ أو الفصلِ في قضيةٍ أنتَ أوْ حبيبٌ لك طَرَفٌ فيها؛ لأنَّ اللهَ أعزُّ من الناسِ جميعًا، ولأنَّ الحقَّ أحقُّ أن يُتّبَع، وهذا ما كان النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يفعلُه، لا يُجامِلُ في الحقِّ قريبًا ولا يَمْنَعُ منه بعيدًا، ولا يقبلُ فيه ضغوطًا من أحدٍ كائنًا منْ كان، أخرج الشيخان عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمُ الْمَرْأَةُ الْمَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلاَّ أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟ فَكَلَّمَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟!». ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا».


نَعَمْ، فحياةُ الأُممِ وبقاؤُها ونماؤُها مرهونٌ باستقرارِ العدالةِ فيها، والقضيَّةُ ليست ادعاءً، إنما القضيَّةُ أن يتعوَّدَ القلبُ ألَّا يخافَ إلا اللهَ، وألَّا يَرْجُوَ إلا الله، وأن يتذكَّرَ القاضي في كلِّ موقفٍ يتَّخِذُه أنه سيقِفُ بين يَدَي الله، وسيُسْألُ عن كلِّ القضايا التي حَكَمَ فيها، وسيُقالُ له إنْ هو جادَلَ عن الباطلِ أو جامَلَ بغيرِ حق: ﴿هَا أَنتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ (النساء 109).

القَضَاءُ لا بُدَّ أنْ يكونَ عن علمٍ وبَيِّنَة بعيدًا عن الهوَى الشخصي:
إنَّ علَى القاضي أنْ يجتهدَ عن عِلْمٍ وبيِّنَةٍ، ويُشاوِرَ أهلَ الاختصاصِ والخبراءَ في الشأنِ محلِّ التقاضي، فيما قد يغيبُ عنه، ومنَ المأثورِ عن السَّلفِ الصالحِ من القُضاةِ قَوْلُ أحدِهم: «ثَلَاثٌ إِذَا لَمْ يَكُنَّ فِي الْقَاضِي فَلَيْسَ بِقَاضٍ: يُشَاوِرُ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا، وَلَا يَسْمَعُ شَكِيَّةً مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَمَعَهُ خَصْمُهُ، وَيَقْضِي إِذَا فَهِمَ».


 وعلى القاضي كذلك أن يتحَرَّى تحقيقَ العدلِ فيما يُعْرَضُ عليه، دونَ نظرٍ إلى أطرافِ الخصُومة، فإنْ أصابَ فله أجْران، وإنْ أخطأَ فله أجْرٌ، ولا يُلَامُ إذا بذل جهدَه الصادقَ في تَبَيُّنِ الحقِّ، ولم يحكمْ بجهلٍ، ولم يُقَصِّرْ في طلبِ الحقِّ، أو لم يتعمَّدْ مجانبةَ الحق، وإذا لم يقصِدْ الْمَيْلَ مع الهوى أو المجاملةَ لِذِي قَرَابةٍ أو لِذِي سُلْطانٍ ونحو ذلك، وقد قال النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فيما أخرجه الطبراني: «القُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: فَرَجُلٌ قَضَى فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَرَجُلٌ قَضَى فَاجْتَهَدَ (يعني عن عِلْمٍ وبيِّنةٍ) فَأَخْطَأَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَرَجُلٌ قَضَى بِجَوْرٍ فَفِي النَّارِ».


فإذا مَالَتْ نفسُ القاضي في الحكمِ مع الهوَى، أو رَضَخَ لضغطٍ من أيَّةِ جهةٍ، أو قَبِلَ ترغيبًا من أيٍّ كانَ؛ فالوَيْلُ له، والويلُ للأمةِ من جلوسِه على منصَّةِ القضاءِ، والسقوطُ والانهيارُ حتميٌّ وعاجلٌ للدولةِ التي تسمحُ له بالجلوسِ على تلك المنصَّة، وقد أخرج أصحابُ السنن وصحَّحه الحاكمُ أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال: «الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ: وَاحِدٌ فِى الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِى النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِى فِى الْجَنَّةِ: فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِى الْحُكْمِ فَهُوَ فِى النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِى النَّارِ».


وأخرج ابنُ أبي شَيْبَةَ عن عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: «وَيْلٌ لِدَيَّانِ أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ دَيَّانِ أَهْلِ السَّمَاءِ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ، إِلَّا مَنْ أَمَّ (أي قصد) العَدْلَ وَقَضَى بِالحقِّ، وَلَمْ يَقْضِ لِهَوىً وَلَا قَرَابَةٍ، وَلَا لِرَغْبَةٍ وَلَا لِرَهْبَةٍ، وَجَعَلَ كِتَابَ اللهِ مِرْآةً بَيْنَ عَيْنَيْه».


القاضِي المسْتَقِلُّ النَّزِيهُ لا يَنْتَظِرُ مدْحًا ولا يخشَى ذَمًّا:
كان السَّلفُ الصالحُ من قُضاةِ العدلِ الثِّقاتِ أَشَدَّ الناسِ حِرْصًا على التَّرَفُّعِ عن استشرافِ المدْحِ، أو القلقِ من الذَّمِّ، أو الخوفِ من العَزْل، فعَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: «ثَلَاثٌ إِذَا كُنَّ فِي الْقَاضِي فَلَيْسَ بِقَاضٍ: إِذَا كَرِهَ اللَّوَائِمَ, وَأَحَبَّ الْمَحْمَدَةَ, وَكَرِهَ الْعَزْلَ».


ومما يُذْكَر للقضاءِ المصريِّ في صفحاتِ الفَخَارِ: ما حُكِي أنَّ وزيرَ العدلِ المصريَّ في أواخر الأربعينيات زارَ محكمةَ استئنافِ أسيوط‏، ولما رأى حُسْنَ سَيْرِ العملِ وانتظامَ الأمورِ بصورةٍ مُرْضِيةٍ كتبَ إلي رئيسِ المحكمةِ شاكرًا هِمَّة مُستشارِيها في إنجاز مهامِّهم،‏ فما كان من رئيسِ المحكمةِ إلَّا أنْ ردَّ خطابَ الشُّكرِ إلي ديوانِ وزارةِ العدلِ،‏ معتذِرًا للوزيرِ بأنَّ مَنْ يَسَعُه المدْحُ في عملِ القُضاةِ اليومَ‏َ؛ يَسَعُه القَدْحُ فيه غدًا‏،‏ ومعالي الوزيرِ لايملكُ هذا‏‏ ولا ذاك‏!.‏
وهذا هو الاستقلالُ الحقيقيُّ للقاضي الذي يكتسِبُه من شخصيَّتِه المستقلَّةِ، ومن خوفِه منَ اللهِ، قبلَ أنْ يُكْتَبَ في نصوصِ الدساتيرِ والقوانين.


وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ:
إنني في خِتامِ هذه الرسالةِ وفي هذهِ الأيامِ العصيبةِ التي تعيشُها مصرُ تحت نِيرِ الانقلابِ الفاشيِّ، وفي ظِلِّ المحاولاتِ الآثِمةِ لِجَرِّ القَضاءِ إلى مُسْتَنْقَعِ التبعيَّة للانقلابِ الغاشمِ، ليكونَ عصَا السلطةِ الانقلابيةِ في قمْعِ الشعبِ المصريِّ؛ بل في قمعِ زملائِهم وأساتذتِهم من القُضاةِ الكرامِ الذين أصرُّوا على قولِ الحقِّ مهما كان مُرًّا في وجه الجَوَرَةِ، لا أجدُ حرجًا أنْ أُذَكِّرَ السادةَ القُضاةَ ورجالَ النِّيابَةِ المحترمين -على اختلافِ درجاتِهم الوظيفية- بأمرِ اللهِ سبحانَه وتعالى في القرآنِ لكلِّ قاضٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (النساء 58).


وأُذَكِّرُ جميعَ أعضاءِ الهيئاتِ القضائيةِ بتوجيهِه وتحذيرِه سُبْحانَه لنَبِيِّه محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (المائدة 42)، ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (المائدة 48) ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (المائدة 49)، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء 105).


وأُذَكِّرُ الجميعَ كذلك بتحذيرِه سبحانه لنَبِيِّه سيدِنا داود عليه السلامُ الَّذِي آتاه اللهُ الْمُلْكَ والُّنُبَّوة ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (ص 26).


كما أُذَكِّرُهم بقولِ الله تعالى ¬¬﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ (الأنبياء 78)، وبحديث أحمد وابن حبان عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا, وَذُكِرَ عِنْدَهَا الْقُضَاةُ، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «يُؤْتَى بِالْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَلْقَى مِنْ شِدَّةِ الْحِسَابِ مَا يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَط»، وفي رواية: «مَا يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي عُمُرِهِ»، فإذا كان هذا حالَ القاضي العادلِ يومَ القيامةِ فكيفَ بغيره؟. نسأل الله السلامة.


وأخلصُ الدَّعواتِ بالتوفيقِ والبركةِ لكلِّ قاضٍ نزيهٍ شريفٍ يراقبُ اللهَ في كلِّ أحوالِه، ويتحرَّى تحقيقَ العدلِ في كلِّ أحكامِه، ونعوذُ باللهِ العظيمِ من شرِّ قُضاةِ السوء.


اللَّهُم إِنَّا نسْألُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الْعَدْلِ وَالْحَقِّ فِي الْغَضبِ وَالرِّضَا، وَنسْألُكَ الْقَصدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَنسْألُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَنسْألُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَنسْألُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَنسْألُكَ الشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةً، وَلا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ.
وصَلَّى اللهُ علَى سيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعلَى آلِهِ وصَحْبِه وسَلَّم.