تحديان كبيران يواجهان ثورتنا، أحدهما يستلزم التضحيات المادية والآخر يتطلب إرادة فكرية، وكلاهما قد خطونا فيه خطوات إيجابية بسبب الانقلاب!.
التحدي الأول: مواجهة إستراتيجية "تمكين العسكر":
بنى العسكر إستراتيجية تمكين (داخلية- إقليمية- دولية) وكانت الدولية بقيادة أمريكا لتتولى فتح الآفاق لعلاقات دولية مستقرة مع دولة الانقلاب، والإقليمية بقيادة السعودية لضمان تمويل الانقلاب ومساندة الفترة الانتقالية، أما الداخلية، فهى تعتمد على (الصدمة- الرعب- الأمر الواقع).
وقد بدأت الصدمة بقرارات 3/7، ثم أعملت آلة القتل لنشر الرعب وإنهاء الوجود الإخواني، ونذكر الثوار بحقيقة المواجهات التي غالبوها وانتصروا عليها :
1- 3يوليو: مذبحتا سيدي بشر وسيدي جابر بالإسكندرية (22شهيدًا)
2- 8 يوليو: مذبحة الحرس الجمهوري (أكثر من مائة شهيد)
3- 19يوليو: مذبحة المنصورة (4شهيدات)
4- 22يوليو: مذبحة مسجد الفتح الأولى (15شهيدًا)
5-- 26يوليو: أ-مذبحة المنصة (حوالي 140 شهيدًا)
ب- مذبحة الإسكندرية القائد إبراهيم (25شهيدًا)
6- 14 أغسطس: مذبحتا رابعة والنهضة (4000 شهيد)
7 - 16 أغسطس: أ- مذبحة مسجد الفتح الثانية (180شهيدًا)
ب-مذبحة مسجد علي بن أبى طالب إسكندرية (25شهيدًا)
8- 18أغسطس: مذبحة عربة الترحيلات (37 شهيدًا)
9- 6أكتوير: مذبحة مسجد الفتح الثالثة ومناطق أخرى (58 شهيدًا)
10- حوالى 1000شهيد فى المظاهرات اليومية وصلت أحيانًا إلى 20 شهيدًا في يوم واحد.
11- عدد هائل من الجرحى قدرناه بـ25 ألفًا وحوالي 13000 معتقل وحوالي 100 ألف مطارد وحوالي 5000 ضبط وإحضار على ذمم قضايا.
قصدت أن أطيل عليك بالإحصاءات لتتعجب كما يتعجب المراقبون الدوليون من مواجهة الثوار لكل هذه الصدمات واستطاعوا امتصاصها وتجاوزها،واستكمال المسير، لـتأكيد أن شعار (مكملين) ليس أغنية للسمر ولكنه أرجوزة للجهاد.
هذه المجازر جعلت احتقار السلطة نهجا ثوريا يستعصى على الخضوع لسياسة الأمر الواقع: والتى حاول بها الانقلاب فرض هيبته لتصدير اليأس للثوار بخلق واقع يتجاوزهم، وأهم هذه القرارات كانت :
1- الانقلاب .
2- تعيين رئيس جمهورية وحكومة وإعلان دستورى.
3- المضى فى كتابة دستور والاستفتاء عليه .
4- قرارات بحظر الجماعة ثم بقانون تظاهر استعمارى، ثم بإعلان الإخوان جماعة إرهابية .
هذه القرارات السياسية واجهها الثوار بسياسة (الرفض والاحتقار والتصعيد)، ويتصاعد رفضهم كلما كان القرار متوعدا وعنيفا، لذا رأينا أن المليونيات الأكبر في الشهور السبعة الماضية هي التي أعقبت القرارات السياسية الأكثر عجرفة وتهديدًا ،وتدبر هذا في :
-مليونية 5/7 للرد على قرار الانقلاب .
--ومليونية 16/8، 30/8 ردًّا على مذابح رابعة والنهضة، ثم رمسيس وعربة الترحيلات ومليونية 6 أكتوير ردًّا على حظر الجماعة.
-- ومليونية الحرائر ردًّا على الحكم بحبسهن 11 سنة.
-- ومليونية قانون التظاهر استهزاء بتهديداته .
ثم مليونية 27 ديسمبر ردًّا على التهديد بالإعدام والحبس للمتظاهرين بعد إعلان الجماعة (إرهابية).
وكان الثوار يرون في كل مليونية من هؤلاء أنها الأكبر في تاريخهم ثم تأتي التي تليها أكبر منها.
-- وأضف إلى ذلك :المواجهة العبقرية بالمقاطعة الإيجابية للاستفتاء والذي بسببها استعاد مؤيدو الشرعية (امتلاك الصوت الانتخابي) حين وضعوا أنفسهم فى اختبار كبير ضد كل مكونات الانقلاب لتزييف الواقع، وعزف الناس فعلاً عن التصويت فوضعوا ظهر الانقلاب للحائط إذ لم يتبق إلا خوض السيسى انتخابات الرئاسة، والتي كان مفترضا أن يعلن عن موعدها عدلي منصور في خطاب الأحد الماضي، لكنه لم يذكر شيئًا مما يؤكد تمامًا حالة الارتباك بعد فشل الاستفتاء دوليًّا.
-- لم يتبق للسيسى (لفرض نفسه) إلا الخضوع لتوازنات (عربية- إسرائيلية- أمريكية).
* أما العرب فقد شاركوا في انقلاب ظنوه سهلاً ليمنعوا به قدوم ثورات (الربيع ) على ديارهم، فإذا صمود الثوار يجعلهم رهن تهديدات محتملة من شعوبهم بعد أن كانوا بمنأى عنها، ولأن مشاركتهم في دعم الانقلاب هي التي أسخطت عليهم مجتمعاتهم وجعلت التهديدات حول أسوار قصورهم محتملة.
ومن هنا كان تردد الإمارات في ترشيح السيسي، وإيقاف نزيف الكراهية من شعب كبير إلى دولة صغيرة .
والسعودية تدعم وهى منشغلة بمصائبها الداخلية (من مرض مثلث الحكم الملك عبد الله وولى عهده سلمان ووزير داخليته سعود الفيصل وانقسام القصر داخليا بين مؤيد ومعارض للانقلاب بمصر، خاصة بعد موت بندر أمير المؤامرات وقتل اثنين من أولياء العهد وانهيار الوضع الأمنى بالجنوب والشرق).
* أما أمريكا فتتمنى الجيش حاكما، وودت لو أن سياسة فرض الواقع قد أتت بنتيجة لكن خابت آمالها بعد الاستفتاء، لذا فرمانة الميزان هي "الصهاينة"، التي تلعب بكل قوتها لتمكين الجيش من الحكم، وزياراتها المكوكية للإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي، يستهدف الحفاظ على مستوى تأييد الانقلاب فى أعلى درجة .
والآن ينتظر السيسى نتائج التضاغطات، ويقف كالتلميذ البليد، قَدَرُه بيد غيره، بينما يحفر الثوار خريطة وجودهم بأظافرهم، ويقفون كسد منيع أمام فرض واقع قهري يُمكِّن للعسكر.
والحقيقة أن المعركة كان يمكن حسمها مبكرا إذا تحركت قوى شعبية خليجية ضد انحراف أنظمة الحكم عندها، ونتصور أن سياسة تصدير الثورة سيكون لها شأن قريبا، وسنشرح هذا لاحقًا، إن شاء الله.
التحدي الثاني: الإحياء الثالث للحركة الإسلامية (التمكين للهوية الإسلامية)
نهتم بهذا التحدي؛ لأن الحركة الإسلامية هي النواة الصلبة للموجة الثورية الحالية، ورشدها نجني ثماره رشدًا للحراك الثوري.
ونتصور أن الشهور السبعة قرَّبت من الإحياء الثالث للحركة الإسلامية بعد خبرات وتجارب طويلة لكل فصائلها
ومحاور الإحياء الأساسية هي:
1- توحيد صيغة مواجهة الطغاة في مصر:
وقد كانت هذه هي نقطة الاختلاف الكبرى بين الجماعات الإسلامية، فمنهم من رأى المواجهة المسلحة، وانحاز بعضهم إلى العلم طريقًا للتغيير، وآخرون توسعوا في المشروعات الاجتماعية مع تصحيح العبادات، ورأى آخرون الدعوة مع الانتشار السياسي، وهكذا اختلفوا،فتعامل معهم الطغاة فصيلاً تلو الآخر، لكن الآن توحَّد الجميع على (المقاومة السلمية لإسقاط الطغاة)، وأصبحت الخلافات يسيرة للغاية، وتدخل في إطار التنوع النافع، والأهم هو اجتماع القلوب وشعور الجميع بإخلاص الجميع.
- فمن كان يتصور أن يكون لمشايخ أنصار السنة والجمعية الشرعية غضبة سياسية وانحياز قلبي للثوار؟
- ومن كان يتصور أن الجماعة الإسلامية هي الأشد انحيازًا للمقاومة السلمية والتحذير من عسكرة الثورة؟
- ومن كان يظن أن الإخوان يجاهرون بإسقاط النظام واحتقار كل مكوناته؟
إنها الفرصة التاريخية –لاشك- لانصهار التيار الإسلامى وفق رؤية متجانسة.
2- توجيه بوصلة المجتمع إلى هويته:
كانت فترة الضغوط الأمنية الشديدة أيام مبارك قد منعت من الوصول لكتل بشرية كثيرة، أما الآن فالشعب كله قد وصلته فكرة (وجود) تيار إسلامى، ويختلف (الموقف) من هذا التيار، سلبا وإيجابيا، وهذه أرضية مهمة ليعيد التيار الإسلامى عرض نفسه على (الناس) بشكل مباشر ودون تضييع أوقات، بحيث لا ينشغل التيار بالتجنيد فى صفوفه بقدر انشغاله فى ضبط بوصلة المجتمع كله على هويته الحقيقية، بعد أن تكشف حجم العوار والتشويه فى أساسيات هذه االهوية.
- وتحدى الالتحام بالشعب وتنويره أصبح يدق على الأبواب بشدة، وأتصور أن العواصف الفكرية التى واجهت أبناء الدعوة قد أعدتهم لمواجهة هذا التحدى بنجاح وثقة ، وتبقى مسئولية تطوير الخطاب الإسلامى كإحدى لزوميات المرحلة.
3 - تجربة الحكم :
- انتقال التيار الإسلامي من مرحلة (الدعوة) إلى مرحلة (الحكم) بشكل سريع أسفر عن ضغوط بالغة، وواجهته قلة الخبرة، ومواريث الفساد، وترتيبات الصهاينة والأمريكان للأوضاع في مصر، فتصدى الإسلاميون ما استطاعوا، ولم تكن بأيديهم مجاديف الإبحار القوية لتجاوز عواصف الفوضى التي أعدها العسكر لإغراق البلد، أما الآن فقد استوعب الإسلاميون كثيرًا من الدروس، وخوضهم للتجربة منحهم فرصة (المعرقة الحقيقية) و(الاستعداد)، وإذا أضفت (صلابة الثوار) في مواجهة الانقلاب، فمن المتصور أن يشعر الشعب بقوة هؤلاء الذين واجهوا الموت من أجله، ومن شأن هذا تحصين الشعب من مؤامرات جديدة، وكأن الانقلاب كان فرصة (لخطوة تنظيم) تستهدف الانتقال نحو (احتراف الحكم) وامتلاك أدواته، بعد دخوله (كهواة).
هذه ليست ثورة على الانقلاب فقط، ولكنها ثورة تغيير شاملة، على الطغاة وعلى أخطائنا.
مكملين.
لا رجوع.
-----------
Mohamedkamal62@ymail.com