لا نبالغ إذا قلنا إن مصر صارت بعد الانقلاب الدموي أقرب إلى الفوضى والخراب، نشاهد أثر ذلك على ألسنة الناس وفي واقعهم المعاش، فذلك البلد الذي كان يُضرب به المثل في الأمن والسلام الاجتماعي وبروز الصفات الإنسانية الرائعة مثل النخوة والكرم، صار الشرفاء فيه يشعرون بالغربة، ويودون لو هاجروا إلى بلد آخر هروبًا مما يلاقونه من تهديدات، وما يطوقون به من إحباطات.
ثورة 25 يناير المجيدة، زرعت فينا الأمل في النهوض ببلدنا، وانتزاعه من عصابة العسكر بعد ستين عامًا مُلئت بالتخلف والفساد، وقد خطونا خطوات ثابتة واثقة في مجال الديمقراطية والحريات، اختار الشعب على إثرها برلمانه ورئيسه، وقد انفتحت بعدها طاقات النور والأمل نحو مستقبل عادل كريم، تسترد فيه الحقوق، وتفك القيود، وتزال الفوارق بين الناس، فيكون هذا وذاك دافعًا نحو الخروج من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن أجواء الكبت والاستبداد إلى رحابة النزاهة والحريات.. لكن يأبى المنافقون الذين لا يعرفون شيئًا عن الوطن والمواطنة إلا أن يفسدوا هذا العرس، ولم يكتفوا بذلك بل باعوا البلد لأعدائنا، ورهنوها من أجل نزواتهم وأطماعهم.
لم تعد هناك دولة، بل لم يعد هناك شعب سوى النفس، وإذا كان الانفلات الآن يعم المستويات كافة والجيش ما زال في الميادين، ومجلس حرب الانقلابين دائم الانعقاد، وتأتيهم الأموال من كل فج عميق، ويساندهم القريب والبعيد، دولا ومنظمات معادية للمسلمين- فما بالك لو عادت آليات الجيش إلى وحداتها- إن عادت- ولو انفض مجلس حربهم- وحتمًا سينفض- ولو انقطع الدعمان المادي والمعنوي- وقد ظهرت بوادر انقطاعهما بعد صمود أنصار الشرعية.. لا شك ستكون مصر- إن لم يحفظها المولى بحفظه- ساحة للقتال الأهلي، وبركة دماء لا تجف، وسيضيع جيشها وشعبها، وعندئذ نبحث عن الأمن فلا نجده، ونبحث عن الاستقرار فنراه سرابًا خادعًا.
افتقد المصريون- بالفعل- السلام الاجتماعي منذ أن وطئ العسكر ميادين البلد في يناير 2011، فصار كل يوم أسوأ مما سبقه، ورخصت الدماء، وانتهكت الأعراض، وصودرت الأموال، وغاب القانون، حتى تجرأ السوقة الدهماء على الأشراف الأطهار.وماذا عن وضع مصر في المجال الخارجي؟! وماذا عن أمنها القومي وأوضاع حدودها ومواردها؟!.. إنه العار الذي لحق بهذا البلد الذي كان ينظر عليه باعتباره (أم الدنيا!!) وقاطرة العرب والمسلمين.. وأمامنا قضية بسيطة هي قضية السد الأثيوبي على مجرى النيل، وكيف فشل الانقلابيون في حلها، ونحن في انتظار الشح المائي قريبًا والجفاف الذي سوف يطال كل حي يدب على أرض مصر.. وماذا فعل الأشاوس بحدودنا من الجهات الأربع: الغاز سرقته إسرائيل وقبرص في مياه المتوسط، والحدود الغربية مخترقة تمارس فيها جميع أشكال التهريب، بدءًا من السلاح وانتهاءً بالمخدرات، وسيناء قطعة لهب، وحدودنا مع إسرائيل أزيلت فصرنا وهم جمهورية واحدة، وفى الجنوب: حلايب وشلاتين، وتهريب، وأصابع صهيونية تداعب حدودنا المصونة.
قد أكون أثقلت على القارئ الكريم، وأظلمت الصورة جميعًا، لكنه الواقع الذي لا مفر منه، ووصف لحال السفينة التي لحقها الخرق، فإن لم نتكاتف جميعًا لإنقاذها وكل يعمل على شاكلته، فلن ينجو أحد، وسيقال عنا: هؤلاء أحمق الغرقى، نُصحوا فلم ينتصحوا، وقيل لهم إن الانقلاب كفر بالوطن فقالوا بل هو الأمان والضمان.. فكان عاقبتهم كعاقبة من وثق في إبليس اللعين.