أسلفنا القول إن العسكر أضطر للهبوط إلى (سيناريو الكارثة) بعد فشل (سيناريو النصر) ثم (سيناريو التفاوض)، وذلك بسبب صمود الثوار، ثم نجاح إستراتيجية التحالف الرباعية (المقاومة الشعبية- الدبلوماسية الشعبية- الملاحقة الجنائية الدولية- لم شمل الثوار).

وتوصيفًا لحال الفريقين (الثوار والعسكر) في اللحظة الراهنة نقول:

أولاً: الثوار :

يواجه الثوار عدة عوائق وهي (الوحشية العسكرية) مع (تحدي تطوير الثورة) ثم (تحدي الزمن).


1-أما (الوحشية العسكرية) فقد تمثلت في محورين :

الأول: هو المواجهة بالرصاص الحي على الأرض.

والثاني: هو القرارات والقوانين الصادمة.

ففيما يتعلق بمحور مواجهة الموت فقد واجهه الثوار بإباء، واستعادوا روح الاستشهاد مع ذيوع التواصي بسلامة الاعتقاد واليقين بالحق، ورغم تغييب هذه المعتقدات أزمنة طويلة، لكن عبقرية الفطرة وتوحش الانقلابيين أعاد العقيدة الصافية الملهمة، لاسيما مع تنامي الشعور بأن الانقلاب ليس مجرد صراع على السلطة، وإنما هو هجمة على الهوية الإسلامية لصالح العلمنة، وتمزيق لاستقلال الوطن لصالح الصهيونية.

أما فيما يتعلق بالقرارات الصادمة فلقد رصدنا ردودًا ثورية (مستعلية) ترد على القرارات (المتجبرة)، خذ أمثلة:بعد انقلاب 3/7 بيومين كانت أقوى مليونية تعلن رفض الانقلاب بحسم وغضب، وهي التي شهدت أول مجزرة بالإسكندرية.

- وبعد قرار (فض رابعة والنهضة14/8) بيومين عرفت مصر (مليونيات المحافظات)، والتي أفصحت بأن القتل لن يوقفنا وأن ملايين الشهداء عازمون على استكمال المسيرة.


-ولما صعَّدت الحكومة بقرار حظر "الجماعة"، كان الرد في مليونيات عديدة منها مليونيات6/أكتوبر التي كسرت غرور النخبة العلمانية فنادت (بخطاب المصالحة) بديلاً عن (خطاب اﻹبادة).

- وحين أراد الانقلاب أن يظهر (الردع بلا سقف) فحكم عل الفتيات بـ 11 سنة، كانت أكبر مليونيات الثورة حتى تاريخه، وكان الاحتشاد النسائي هو اﻷكبر تاريخيًا، ليرد الصفعة للعسكر ويسقط أداته القضائية الموحولة.

-وحين أصدروا "قانون التظاهر المرعب" احتضن الميدان شرائح ثورية يئست من الصبر وأدركت عمق الخديعة، ليرسل الجميع رسالة احتقار لقوانين السلطة المغتصبة .

-وبعد إدراج الجماعة في سجل الإرهاب وتهديد الداخلية بالإعدام والمؤبد للمتظاهرين، شهدنا يومًا فاصلاً فى27/12 مع أكبر تنوع واحتشاد يعلن استعداده للشهادة عبر المشنقة! 
-ولن أحدثك عن ثوار الجامعة الذين يتزايد تماسكهم وحشودهم مع كل تهديد ودم.

فهذا رصد لحالة التحدي التي نزع بها الثوار أنياب الوحشية العسكرية ليضعوه في خندق الدفاع وطمأنة أنصاره بالكلام العسكري الفخم...اﻷجوف.


2- وأما تحدي (تطوير الثورة)، فقد فصلناه في مقالنا (شباب الثورة في مواجهة عجائز العسكر) لكن لدينا إضافة شديدة الأهمية، وهو استلهام روح (المقاومة) بديلاً عن (المعارضة)، وهي التي تعني أن الثوار قد اتخذوا قرارًا بأن دولة الانقلاب لا تمثل الشعب، ومن هنا رأينا هذه الإشارات:


- ففي المنيا قرر الثوار اعتبار الشرطة "جماعة إرهابية" غير مرغوب فيها، وفي حلوان حذر الثوار جيش البلطجية وأمرهم بلزوم منازلهم، وفي عزبة "المهاجرين بالعوايد-إسكندرية" تصدى اﻷهالي لحملة اعتقال بقيادة سفاح الثغر "ناصر العبد"، ومثلها كان في قرية" النجيلة كوم حمادة- البحيرة"، أما بورسعيد وقنا وعفاريت ضد الانقلاب فقد أصدروا بيانات تهدد بالتصعيد ضد نساء الشرطة إذا لم يتوقفوا عن ممارساتهم الوحشية ضد الحرائر، ثم كانت واقعة تحرير المختطفات (بمحرم بك- الإسكندرية) بعد تهديد التحالف بحصار قسم الشرطة، وفي عدة محافظات قابل الثوار الرصاص الحي بشل فاعلية سيارات الشرطة وإجبار ركابها على الهروب وإعطابها، ومهم جداً فهم هذا الحدث، فالثوار اعتبروا أن هذه أموال (الشعب)، وأنها تُنفق في قتل (الشعب )، ومن هنا فقد قرروا باسم (الشعب) شل فاعلية هذه الأدوات لحماية (الشعب)، ولا يشغلنا الاستغلال اﻹعلامي لها، فأنت متهم في كل اﻷحوال، وننتظر أن تسفر هذه المواجهات عن انهيار كامل في أدوات القمع، ومن هنا فإن شل فاعلية أي أداة أو مركبة توجه للإضرار بالمتظاهرين هو عمل سلمي وشرعي.


-وهنا يثور السؤال الشهير: هل تذهب مصر إلى الاحتراب أو الاحتراق؟

نقول لهم: بكل ثقة: (لا)... رغم أن هذه هي رغبة العسكر حتى تتوافر لهم ذريعة إنزال الجيش كله لإخماد الثورة.


[لا احتراب]، لأن الثوار انتفضوا ضد عدو محدد وهو (العسكر) الذين خانوا الحكام ثم خدعوا المعارضة، والثورة بالتالي ليست ضد أي فصيل من الشعب، والثوار مدركون أن الخلاف السياسي سيظل باقيًا وليس مبررًا للتقاتل، والانتفاضة أخلاقية في الأصل فشعارها (الشرعية )، ووطنية في الأساس لأنها تستهدف (استعادة حرية وكرامة الشعب )، فهي انتفاضة الشعب ﻷجل الشعب، فمن سيحارب من؟!


- و[لا احتراق]، لأن الثورة لها قيادة موحدة ومتفقة على(استراتيجية المقاومة السلمية)،واﻹدراك الثوري بالميادين أرقى من الوقوع في شراك العسكر المحفوظة عبر التاريخ، كما أن الثوار متأكدون من النصر، ومن المستحيل أن تُخرِّب وطناً توقن أنه سيعود إلى حضنك ومسئوليتك.

- ثانيًا العسكر :

- على العكس تمامًا من حالة النجاح الثوري، يقف العسكر داخل مربع تحديات خانق وأضلاعه هي :


1- قدوم الاستفتاء، مع انهيار الاقتصاد والأمن وصمود مؤيدي الشرعية وحصار دولي وتآكل في الشعبية، وقد وضعوا أنفسهم إعلاميًّا في تحدي 33 مليون مصوت وتصويت75% بنعم!، والمؤشرات تؤكد خرافة هذه اﻷرقام، مما يدفعهم للتزوير، الذي سيسقط مشروعيتهم القانونية إلى الأبد ويضيف انتصارًا جديدًا للثورة وانهيارًا أكبر للعسكر.


ثانيًا: المحاكمات الدولية :

كشف اﻹعلامي (أحمد منصور) عن لجنة لتقصي الحقائق شكلها الانقلاب، وضعوا على رأسها المستشارين الجليلين عمر مروان، وفؤاد عبد المنعم رياض، ثم ثبت أنها وهمية وأن المستشارين لا يعلمان شيئا عنها!!

وتفسير ذلك أن الانقلابيين يحاولون خداع المجتمع الدولي بوجود تحقيقات جادة بخصوص المجازر تدين جهة ما!! تقوم السلطة الانقلابية بمحاكمتها مما يدفع عنها خطر الخضوع للإدانة الدولية، وهذا إجراء سفيه يتعامل مع مسائل ( مكشوفة) أمام العالم بشكل (سري)!، ولا معنى لذلك إلا الخوف الحقيقي من خطورة هذه المحاكمات، وهي– في نظرنا– أحد أسباب اعتبار "الجماعة" إرهابية حتى يدفع عن نفسه تهمة الجرائم ضد الإنسانية، ويحولها إلى (مقاومة الإرهاب!)، ولكن لسوء حظه فليس هنالك أي أحكام قضائية بممارسة فرد أو مجموعة من المنتمين للجماعة بأي عمل يقع تحت طائلة المادة 86، مما يجعل القرار محاولة يائسة للإفلات من مأزق إدانتهم بارتكاب جرائم ضد اﻹنسانية.

ثالثًا 25 يناير :


(الإجابة: تونس) كانت كلمة السر لثورة 2011، أما (25 يناير) فهي كلمة السر الجديدة، وهذا تاريخ عبقري سيشهد التحام القوى الثورية بعد أن تغفر لبعضها أخطاء الموجة الثورية الأولى، كما سيشهد جموعًا تلتئم بسبب فشل حكومة الانقلاب وقرارات تجميد الجمعيات والتلويح برفع الدعم وعودة الشرطة إلى الانتهاكات والرشاوى واﻹتاوات.



ما ترى: لم تعد العصمة بأيديهم، وأصبحت اﻷيام تخبئ لهم ما يجهلون... ويكرهون.

رابعًا: عنصر الزمن، وهو نفس التحدي الذي يواجه الثوار، لكن الثوار يتحملونه (بعقيدة الحق)، وبالتضحيات الغالية التي لا يمكن الرجوع بعدها.

أما الانقلاب فإنه يواجه بشرطة منهكة وبعسكر متورطين، وبسقف من المقاومة لا يعرفون له آخرًا، وإذ قد ساعدهم الإعداد المعنوي في البداية، فقد بدءوا يلمحون زيفه، فهم لا يواجهون إرهابيين مسلحين كما أوهموهم، لكنهم يقتلون العزل ويستبيحون النساء والأطفال، ويصطفون بجوار البلطجية، ومع ذلك فاشلون!


مربع خانق لا شك أشبه بمصيدة الفئران.

ثوار عزل منتصرون… وعسكر مدججون منتحرون
أرأيتم كيف أن السلمية الصامدة أقوى من الرصاص؟

لا رجوع

مكملين.