تتغنى حكومة الانقلاب بارتفاع مؤشر أسعار البورصة المصرية خلال النصف الثاني من العام الماضي بنسبة 43%؛ حيث اعتبرت ذلك مؤشرًا إيجابيًّا لأدائها الاقتصادي، ولتحسن الأوضاع الاقتصادية خلال فترة توليها .
والمعروف في أبجديات الاقتصاد أن البورصة الكفأة هي مرآة للاقتصاد، تتأثر بكافة المتغيرات الاقتصادية سلبًا أو إيجابيًا، ومن هنا يصاب الاقتصاديون بالدهشة التي تصل إلى حد السخرية، عندما يشاهدون بورصة ترتفع مؤشراتها في بلد به انقلاب عسكري واضطراب للأوضاع السياسية والأمنية.
حيث حفلت الشهور الستة الأولى من عمر الانقلاب بالعديد من الاعتداءات والمصادمات الدامية، تجاه المظاهرات الشعبية والطلابية، والتي تشير الى وجود حالة من عدم الاستقرار كان من الطبيعي أن تنعكس سلبًا على مؤشرات البورصة، في إطار تعدد حالات القمح الأمني التي أسفرت عن سقوط آلاف الضحايا وإصابة الآلاف، واعتقال الآلاف ومطاردة أعداد أخري فى ضوء اتساع رقع المناوئين للحكومة .
- وتزداد الدهشة مع ارتفاع مؤشرات أسعار بورصة، فى بلد يتم فيه إعلان حالة الطوارئ وتتعطل فيه حركة القطارات لأكثر من مائة يوم للمرة الأولى منذ إنشاء السكك الحديدية، مما أثر سلبًا على اقتصاديات الشركات سواء المقيدة بالبورصة أو غير المقيدة بها .
كذلك لا يستقيم ارتفاع مؤشرات بورصة، فى بلد يتم فيه التحفظ على أموال رجال أعمال وشركاتهم، وهو إجراء مخالف للدستور ولقانون الاستثمار ولحرية الاستثمار وحرية السوق، وفي بلد به نقص للعملة وشكاوى من صعوبات للمستثمرين الأجانب فى تحويل أموالهم للخارج .
الأغرب من ذلك أن الأداء المالى للشركات المقيدة بالبورصة لا يتسق مع تلك الارتفاعات، حيث أسفرت النتائج المالية للعديد منها عن تحقيق خسائر، واستمرت تلك الخسائر للعام الثانى على التوالى فى بعض تلك الشركات، كما انخفضت أرباح العديد من الشركات بالمقارنة للعام السابق .
ومن الشركات التى استمرت فى الخسارة للعام الثانى الحديد والصلب لتصل الخسارة الى حوالى 868 مليون جنيه بنتائج العام المالى الأخير المعلن لها، وكابو بخسارة 5ر48 مليون جنيه بالعام الأخير، والقاهرة للزيوت والصابون 40 مليون، وراكتا 6ر22 مليون جنيه .
وخسارة وادى كوم امبو لاستصلاح الأراضى حوالى 22 مليون، والعامة لاستصلاح الأراضى 5ر19 مليون، والنيل لحليج الأقطان 18 مليون، ومصر للفنادق 6ر16 مليون، والنصر لتصنيع الحاصلات الزراعية 5ر14 مليون، وجراند انفستمنت 5ر2 مليون جنيه خسارة .
كذلك تحولت عدة شركات مقيدة بالبورصة من الربح الى الخسارة، منها الاسكندرية للغزل والنسيج 21 مليون جنيه خسائر، والعامة للصوامع بحوالى 8 مليون جنيه خسائر، ومصر للزيوت والصابون 6ر4 مليون خسارة ونفس الأمر للمصرية للدواجن .
أيضا هناك العديد من الشركات المقيدة بالبورصة التى انخفضت أرباحها بالعام الخير بالمقارنة للعام السابق، منها مصر للألومينويم بتراجع 99 % لصافى الربح، والعربية للأدوية بتراجع 92 %، والمهندس للتأمين بتراجع 40 % للربح، والزيوت المستخلصة بنسبة تراجع 37 % للربح .
والقومية للأسمنت بتراجع 29 % للربح مابين العامين، والدولية للمحاصيل الزراعية بتراجع 13 %، والنيل للأدوية بتراجع 12 %، ومصر للأسواق الحرة بتراجع 9 % كما انخفضت أرباح شركة باكين للبويات .
- وقد يقول أن البعض القوائم المالية تعبر عن فترات سابقة انتهت، وأن شراء الأسهم يرتبط بالثقة فى مستقبل تلك الشركات ومستقبل المجتمع الاقتصادى التى تعمل به .
ونسأل هؤلاء وهل هناك وضوح للرؤية يشير الى معرفة المستقبل القريب للبلاد ؟ فى ظل استمرار حالة الصراع بين سلطة الانقلاب والجماهير الرافضة له، والمستمرة فى احتجاجاتها رغم ما لحق بها من قتل واصابات واعتقلات ومطاردات.
*** ونأتى للأسباب الحقيقية لارتفاعات الأسعار بالبورصة خلال النصف الثانى من العام الماضى، وهو وجود محافظ أوراق مالية ضخمة تابعة للبنوك الحكومية بالاضافة الى محافظ تابعة للتأمينات الإجتماعية ومحافظ لهيئة البريد، وهذه المحافظ يمكن توجيهها للشراء لدفع الأسعار للارتفاع، كما توجد صناديق استثمار تملكها بنوك حكومية بعضها بالداخل وبعضها بالخارج يمكن توجيهها لنفس الغرض .
وهو أسلوب تتبعه الحكومة منذ سنوات لتحسين صورتها، وكان اتباعه معتادا خلال أيام رحلات الرئيس مبارك للخارج لاعطاء إيحاء بالأثر الايجابى لجولاته .
- ولعل التمعن فى ارتفاع مؤشر أسعار البورصة خلال الأيام الأولى للانقلاب العسكرى يؤكد ذلك، حيث انتهت تعاملات شهر يونيو 2013 بوصول رقم مؤشر الأسعار بالبورصة الى 4709 نقطة، لكن هذا المؤشر يرتفع بتعاملات اليوم الثالث من يوليو الى 4971 نقطة، رغم أجواء الخوف والترقب الشعبى المخيف لما سوف يسفر عنه انذار الجيش.
وبعد اعلان خريطة طريق الانقلاب فى مساء ذلك اليوم، يسفر اليوم التالى مباشرة فى الرابع من يوليو عن استمرار صعود مؤشر الأسعار الى 5335 نقطة، وقد يقول البعض أنه قد هناك رجال أعمال رافضين للاسلاميين قاموا بالشراء فرحا للتخلص من حكمهم .
لكن البديهات تشير الى أن رأس المال فى وقت الأزمات، عادة ما يزيد من الحذر فى اتخاذ أية قرارات استثمارية حتى تتضح الأمور، بل أن المعتاد فى مثل تلك الظروف هو الخروج من السوق، بالبيع للأسهم من جانب كثير من المستثمرين .
لكن ما حدث هو استمرار مؤشر الأسعار فى الصعود الى 5452 نقطة فى الثانى والعشرين من يوليو، ثم الى 5645 نقطة فى الثالث عشر من أغسطس، رغم أجواء التوتر السائدة مجتمعيا وترقب فض اعتصامى رابعة العدوية والنهضة بالقوة فى اطار تهديد رئيس الوزراء ووزير الداخلية بذلك وقتها .
- ويضاف الى عوامل الغرابة أن النتائج المالية للعديد من الشركات عن أعمالها فى عام 2012، كانت قد أشارت لاستمرار تحقيق خسائر بالعديد من الشركات للعام الثانى على التوالى، ومنها بالم هيلز للتعمير والمصرية لصناعة النشا والجلوكوز، والقاهرة الوطنية للاستثمار والأوراق المالية، والحديثة للمواد العازلة وأوراسكوم للفنادق والتنمية، والقلعة للاستشارات المالية وأسيك للتعدين .
والعربية وبوليفارا للغزل والاسماعيلية مصر للدواجن، والخليجية الكندية للاسثمار العقارى وريكاب للاستثمارات المالية، والنعيم القابضة للاستثمارات وشركة التعمير السياحى،والمصرية لخدمات التليفون المحمول وشمال الصعيد للتنمية والانتاج الزراعى، وبنك أبوظبى الاسلامى وأوراسكوم القابضة للتنمية، وفوديكو والمصرية لتطوير صناعة البناء .
بالإضافة الى عدد من الشركات المقيدة التى تحولت الى الخسارة بنتائج عام 2012 بعد أن كانت رابحة عام 2011، وشركات أخرى انخفضت قيمة أرباحها خلال عام 2012 عن العام السابق بلغ عددها 38 شركة، وذلك فى بورصة يبلغ عدد الشركات المقيدة بها 213 شركة فقط .
كما أن انخفاض قيمة التعاملات فى فترة حكومة الانقلاب الى قيم ضئيلة، يكشف عن عدم جاذبية البورصة للاستثمار خلال تلك الفترة كما يدعى البعض .
*** الأمر الأهم أن المجتمع لن يستفيد عمليا من تلك الارتفاعات السعرية بالبورصة، فسوق التداول أو السوق الثانوية لا تضيف للناتج المحلى الاجمالى شيئا، فهى لا تضيف مزيدا من السلع والخدمات ولا تضيف فرصا جديدة للعمل، وانما تذهب أرباحها الى المتعاملين ومعظمهم من الحيتان والكبار، والأجانب بما لديهم من خبرة وقدرة مالية .
وهكذا تزيد تلك الأرباح الأغنياء غنى، وهى الأرباح التى عادة ما تجىء على حساب صغار المستثمرين المصريين قليلى الخبرة، كما يقوم الأجانب بتحويل أرباحهم للخارج، أو يخرجون من السوق بما حصلوا عليها من زيادات بالأسعار، وهو الأمر الذى يحدث على حساب الموارد المحلية من العملات الأجنبية، والتى تعانى من نقص أصلا .
-------------
ELWALI.MAMDOUH@GMAIL.COM