لما كان القضاءُ الإداري قد جرى في أحكامِه على أن " الفقهَ والقضاءَ استقرا على أن الأعمالَ التي يباشرُها رئيسُ الجمهوريةِ باعتبارِه سلطةَ حكمٍ وفي نطاقِ وظيفتِه السياسيةِ تُعدُّ من أعمال السيادةِ، ولا تمتدُّ إليها الرقابةُ القضائيةُ تمييزًا لها عن الأعمالِ التي يباشرُها باعتبارِه سلطةَ إدارةٍ والتي تخضع للرقابةِ القضائية. " (الطعن رقم 30454لسنة 63 ق- جلسة 24 / 11 / 2009)، (الطعن رقم 8165لسنـة 63 ق- جلسة 23 / 06 / 2009 ).
فإنه يضحى بذلك قرارُ دعوة الناخبين للاستفتاء على تعديل الدستور خارجًا بذاته عن دائرة أعمال السيادة المحظور على القضاء نظرها، ذلك أن التعريف السالف بيانه وضع ضابطًا لتمييز أعمال السيادة عن غيرها إذ اشترط صدورها من رئيس الجمهورية باعتباره سلطة حكم وفي نطاق وظيفته السياسية، وإذ أن الذي أصدر هذا القرار ليس هو الرئيس الشرعي للبلاد، فلم تأتِ به انتخاباتٌ رئاسية، ولم يكن وجوده وليد إرادةٍ شعبية، بل هو أداةٌ يستخدمها انقلابٌ غاشمٌ مجرم، يخالف دستور البلاد الذي وقع في ظله والذي حظر تدخل العسكر في الشأن العام للدولة بأي شكل من الأشكال، فكان ذلك الانقلاب باطلًا بطلانًا يصل إلى درجة الانعدام، وأضحى كل ما ينتج عنه من آثارٍ باطلًا منعدمًا، وبالتالي فإن مُصدر ذلك القرار لا ينطبق عليه وصف رئيس الجمهورية، بل إن وجوده- أصلًا- ينسحب عليه بطلان وانعدام الانقلاب الذي جاء به.
كما أنه يفتقر إلى سلطة الحكم، لأن الشعب لم يمنحه أي سلطةٍ لمباشرة وظيفة رئيس الجمهورية من الناحية الفعلية أو السياسية أو الرسمية، بل إنه جيء به رغمًا عن الإرادة الشعبية، واستند- لممارسة سلطة رئيس البلاد- إلى انقلابٍ لا يملك سلطةً شرعيةً تخوله إسناد تلك الوظيفة السامية إليه، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فمن أين استمد تلك السلطة التي يدعيها ؟ وأين هذه السلطة أصلًا ؟ والشعب ثائرٌ في الميادين والشوارع ينادي برحيله ويؤثر الموتَ دون عودة الشرعية، من هنا يكون ذلك القرار خارجًا عن دائرة أعمال السيادة .
فإذا خلصنا إلى استمرار الثورة إلى يومنا هذا، وهذا من الأمور المعلومة بالضرورة، فإن السلطة لم تخلص إلى الانقلاب ومُصدر القرار أداةٌ من أدواته، فلا يمكن التذرع- في هذا الصدد- بنظرية الأمر الواقع لأنها تشترط أن تخلص السلطة لمغتصبها دون منازعٍ، لأن حماية حائز الحق تشترط أن تخلص له الحيازة في هدوءٍ واستقرار، والثابت أن أمر حكم البلاد لم يستقر بعد، ومازالت ثورة الشعب مشتعلةً على أشدها في الداخل والخارج، بل إن الانقلاب لم يعترف به أكثر من خمس دولٍ من دول العالم .
ولما كان قضاء النقض قد جرى على أنه " إذا كان القرار الإداري قد صدر مخالفًا للقانون فإن ذلك يجرده من صفته الإدارية ويسقط عنه الحصانة المقررة للقرارات الإدارية، ويكون من حق القضاء العادي أن يتدخل لحماية مصالح الأفراد مما قد يترتب عليه". (الطعنان رقما 149/ 314لسنة56ق- جلسة20/2/1992- س43 -ج1- ص337).
فإنه لما كان القرار المطعون فيه- كما أسلفنا- صادرًا من غير مختصٍ وبالمخالفة للقانون ولا يركن إلى سند من القانون أو الواقع لانعدام ما يوجبه وانتفاء ما يبرره، وقبل ذلك كله، فإن الانقلاب لا يملك السلطة الشرعية للحكم، وبالتالي يفتقر إلى المسوغ الذي يمكنه من إصدار أي قرار إداري، كل هذا ينحدر بهذا القرار إلى مرتبة العدم ويجرده من أي أثر.
ويكون من حقنا إلغاؤه بالطعن عليه مباشرة لدي مجلس الدولة- وفقًا للأسباب السالف سردها- ويصبح الحكم بوقفه لحين الفصل في الدعوى واجبًا لتعذرِ تداركِ آثار تنفيذه، كما أن محاكم القضاء العادي على اختلاف درجاتها تملك التصدي له بحسبان أنه قرار ينحدر به البطلان إلى حد الانعدام، لأنه تجرد عن سمتِ القرار الإداري وبات عملاً ماديًّا تختص به محاكم القضاء العادي؛ لأنه باطل منعدم، سقطت عنه حصانة القرارات الإدارية .
إننا أمام لحظةٍ تاريخيةٍ فارقة في تاريخ الأمة، يضع قضاء مجلس الدولة فيها ملامحَ المستقبل، ويقف على خط التماس بين الدولة واللا دولة، إما أن يثبت أن قضاء الحكم أمضى من سيف الانقلاب، وأن القاضي فوق السلطان، وأن المحكمة هي حارسة الشرعية على هذه الأرض، أو أن نرتد على أعقابنا باحثين عن العدل في قضاءٍ لا يُظلم عنده أحدٌ هو قضاء السماء، إن مصر اليوم والغد، نحن وأبناؤنا وأحفادنا- من بعدنا- ننتظر كلمة العدلِ والحق.
*رئيس محكمة المنصورة وأحد قيادات تيار الاستقلال القضائي في مصر ورئيس حملة الشعب يدافع عن دستوره .