لم تحظَ اجتهادات الصحابة- رضي الله عنهم- بدراسة عميقة من الباحثين في علمِ الأصول، واستشهاد المتقدمين من الأصوليين بفتاوى الصحابة واجتهاداتهم قليلٌ جدًا لا يتناسب مع قيمةِ هذه الاجتهادات في الاستنباط، وعُمق طريقتهم في التعاملِ مع النصوص، ولعلَّ السببَ الرئيسي في ذلك يرجع إلى أنَّ بعضَ المقدماتِ والمباحث الأصولية قد استفيد من علمِ المنطقِ الأرسطي، وبعضها استفيد من علمِ الكلام، وبعضها عبارة عن أحكامٍ كليةٍ للغاتِ بلورها الأصوليون واستمدوها من المباحثِ اللغوية.

 

والفقهاء والمجتهدون في عصرنا في حاجةٍ إلى مراجعةِ فقه الصحابة والتابعين مراجعةً شاملةً دقيقةً، والنظرُ بعمقٍ في مآخذهم ومستنداتهم، لنعرفَ بوضوح: ما الأصول التي كانوا يعتمدون في فقههم واجتهادهم عليها، ويستندون إليها؟ وهم خير القرون الذين بهم يقتدى فيهتدى.

 

وتأتي دراسة (اجتهادات عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- دراسة أصولية- التي تقدَّم بها الباحث/ خالد محمد عبد الواحد حنفي المدرس المساعد بكلية الشريعة جامعة الأزهر لنيل درجة الدكتوراة في أصولِ الفقه لتحقق هذا الهدف؛ ذلك أنَّ سيدنا عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-، كان ذا عقليةٍ كليةٍ وحسٍّ عامٍّ، سُرعان ما يربط الجزئياتِ بالكلياتِ؛ يردُّ الفروعَ إلى الأصول والضوابط العامة، كان هذا شأنه في عهد الرسولِ- صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ في عهدِ خليفته من بعده، ولم يخرج عن ذلك حين آل الأمر إليه.

 

والدارسُ لاجتهاداتِهِ يجد فيها طُرق استنباط واضحة، فإنَّ المتتبعَ لفتاواه لا يُعجزه أن يجدَ التعليلَ بالمصلحةِ، والأخذ بسدِ الذرائع، ودفع المفاسد، والسياسة الشرعية، وإيقاف العمل ببعضِ الأحكام لزوالِ عللها، أو لفقدان بعض شرائط تطبيقها.

 

وتتجلى أهمية هذه الدراسة في الفهمِ الأصولي الصحيح لطريقة عمر- رضي الله عنه- في التعاملِ مع النص، والتي أُسيء فهمها في أحايين كثيرة من بعضِ المسلمين، ومن دُعاةِ التغريب والتبعية؛ الأمرُ الذي يخشى معه أن تُهدَم الأحكامُ الشرعية بدعوى فتح باب الاجتهاد، ومحاكاة عمر- رضي الله عنه- الذي كانَ له منزلة خاصة بين المجتهدين من الصحابة، فلم يكن عمر- رضي الله عنه- عالمًا بالكتابِ والسنةِ فحسب بل تركَ لنا فقهًا متميزًا، وثروة فقهية هائلة، فعن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: "لو أنَّ عِلم عُمر وُضِعَ في كفةٍ ووُضِع علمُ أحياء الأرض في كفةٍ أُخرى لرجحَ علمُ عمر بعلمهم"، والكلام عن علمِ عمر، ليس في حصيلته وكميته، وإنما هو نوعه ومنهجه وكيفيته، فربما كان في الصحابةِ- رضي الله عنهم- مَن هو أكثر حصيلةً في العلمِ من عمر، ولقد كان فيهم فعلاً مَن هو أكثر روايةً عن رسولِ الله- صلى الله عليه وسلم- منه، وربما كان فيهم مَن هو أدرى بالأحكامِ، وأعرفُ بالأسرارِ وأقضى في النوازلِ كعلي بن أبي طالب الذي قال فيه عمر نفسه: "لا أبقاني الله لقضية، ليسَ لها أبو الحسن"، ولكنَّ عمر إنما تميَّز بلونٍ من العبقريةِ في التفكيرِ كان يهتدي به إلى معرفةِ الحق وسداد الرأي.

 

وكان أكثر ما تتجلى فيه شخصية عمر وفؤاده العبقري ما يكون من الأمور جديدًا لا عهد للناس به من قبل، أو ذهل الناسُ عنه فلم يلتفتوا فيه إلى سُنَّة مروية، أو رويت فيه سنة أخذت بظاهرها دون روحها وفقهها، إلى غير ذلك مما يحتاج إلى رؤية مستبصرة، إلى جانب بداهة حاضرة، كما يحتاج إلى عقلية تمتاز بالجرأة إلى جانب التوثيق والتأكد والتثبت.

 

وفي السُنَّة النبوية ما يشهد لفضل عمر وعلمه، ففي الصحيح عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: "لو كان بعدي نبي لكان عمر".

 

لقد كان- رضي الله عنه- في نظرته للمسائل التشريعية كصيدلاني حكيمٍ يُحاول أن يُركِّب الدواءَ الذي يشفي من الداءِ من غير أيةِ أعراضٍ جانبية.

 

أما النتائج فقد ضمنتا ملامح المنهج الأصولي عند سيدنا عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- الله عنه في فهمِ النصوص ومعرفة الأحكام، وتطبيقها؛ وذلك في النقاطِ الآتية:

 

1- الاجتهاد الجماعي:

حرص سيدنا عمر- رضي الله عنه- على أن يكونَ المنهجُ الجماعي في الاجتهادِ، هو الأسلوب الذي ينبغي أن يسيرَ عليه ولاةُ الأمور في الأقاليمِ فقد كان يُوصِي ولاته باتباع هذا الأسلوب، وقد لُوحِظ في العديدِ من الاجتهاداتِ التي ذُكِرت عن عمر- رضي الله عنه- أنه ما كان ينفرد دومًا برأيه، إنما كان يُحاول أن يُشرك غيره من الصحابةِ معه، ويقبل مراجعتهم له، وقد تجلى هذا واضحًا في تقسيمه الأراضي المفتوحة على الغانمين؛ حيث استشار عشرةً من الأنصارِ، خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج، من كبرائهم وأشرافهم؛ وذلك بعد أن استشار المهاجرين الأولين فاختلفوا.

 

2- الجمع بين فهمِ النصِ ومعرفة الواقع:

ظنَّ بعضُ الدارسين للشريعةِ الإسلامية أنَّ عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- خالفَ نصوصَ الكتابِ والسنة، للمصلحةِ التي رآها، أو لتغير الزمن، وتبعهم بتوسع في ذلك كثيرٌ من العلمانيين، مطالبين بمحاكاةِ عمر، وضرورة الثورة على النصوص وتغييرها لِتُناسب الواقع.

 

والحقيقة التي أكدتها هذه الدراسة هي أنَّ أميرَ المؤمنين عمر لم يُخالف نصًّا ولم ينسخ أو يُعلِّق حُكمًا، وهيهات أن يفعل، واجتهاده لم يكن في معارضةِ النص إنما في فهمه وتطبيقه على صورته الصحيحة، وبقدرٍ ما أحسن عمر التعامُلَ مع النصِّ فهمًا وتفسيرًا، أحسن كذلك فهمَ الواقعِ محل التطبيق، ويُقصد بفهمِ الواقع هنا ما تجري عليه حياةُ الناس في مجالاتها المختلفة، من أنماطٍ في المعيشة، وما تستقر عليه من عاداتٍ وتقاليدٍ وأعراف، وما يستجد فيها من نوازل وأحداث.

 

والأمثلة على هذا عند عمر كثيرة كتطبيقه لسهم المؤلفة قلوبهم، وحد الزنا، وحد السرقة، ومنعه لنكاح الكتابيات.

 

3- الأخذ بالمصلحة:

كانت المصلحةُ أساسًا في اجتهاداتِ عمر فيما لا يُخالف نصًّا، فإذا كان في الواقعة نصٌّ خاصٌّ التزمَ به عمر على نحوٍ يُحقق المصلحة، وقد تميَّز عمل عمر- رضي الله عنه- بالمصلحةِ أنه ضبطها بضوابطها التي لا تصطدم فيها مع النصوصِ أو الأقيسة الصحيحة، كما أعمل بوضوحٍ فقه الموازناتِ بين المصالح، واختيار الأكثر نفعًا فإذا كان لا بد لتحقيقِ المصلحةِ من حدوثِ مفسدة فكان يرتكب المفسدة الأخف ليدفع بها المفسدة الأعظم.

 

4- العمل بسد الذرائع:

كان- رضي الله عنه- خيرَ مَن يعمل بالذرائع سدًّا وفتحًا، وخير مَن ينظر إلى المآلات، فلا هو يهملها غاضًّا النظرَ عمَّا يترتب عليها في المستقبل، ولا هو يُطلق لها العنان في التطبيقِ، مُضيِّقًا بذلك الواسع على المسلمين.

 

5- ريادة الاجتهاد المقاصدي:

الاجتهاد المقاصدي مصطلح معاصر يُقصد به العمل بمقاصدِ الشريعة والالتفات إليها والاعتداد بها في عمليةِ الاجتهاد الفقهي والالتفات إلى المقاصدِ في عصر الصحابة كان أشد وضوحًا من العصر النبوي؛ وذلك لطبيعةِ عصرهم وكثرة الحوادث والمشكلات التي لم تكن في العصرِ النبوي، وإذا كانت السمةُ العامةُ للاجتهادِ في عصر الصحابة هي ملاحظة المقاصد، فإنَّ عمرَ بن الخطابِ- رضي الله عنه- يُعدُّ رائدَ الاجتهادِ المقاصدي بلا منازع، وباب المقاصد في هذه الدراسة هو أوسع باب، والأكثر فروعًا وتطبيقًا بالنظرِ إلى الأدلةِ الأخرى، وهذا يدلُّ بلا شكٍ على أهميةِ المقاصد في الاجتهاد، وأنَّ التركيزَ عليها ومدارستها ليس بدعةً جديدةً معاصرةً تستدعي الهجوم أو الإلغاءِ كما يدعي البعض، غير أنَّ الأخذَ بها وملاحظتها عند الاجتهاد لا بد له من منهجٍ مُنضبط، حتى لا تخرج عن الأحكامِ الشرعية باسم المقاصد.

 

ولا يفوتني أن أُنبِّه إلى أنَّ التقوى والقرب من الله والإخلاص له، والتضرع إليه، والتواضع له، من أهمِ أسباب التوفيق في نجاحِ المجتهد للوصولِ إلى الحكم الشرعي، وهذا ما بدا واضحًا عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.

 

ثانيًا: أهم التوصيات:

1- دراسة اجتهادات جميع الصحابة لا سيما المكثرين منهم، وعرض القواعد الأصولية على هذه الاجتهادات؛ لأنَّ في الجمعِ بين دراسةِ القواعد الأصولية وتطبيقها على اجتهاداتِ الصحابة أكبر الأثر في تكوين الملكة الفقهية، وإمكانية فهم النص ومعرفة الحكم الشرعي.

 

2- ضرورة تغليبِ الاجتهاد الجماعي في القضايا المستحدثة على الاجتهاداتِ الفردي؛ اقتداءً بالصحابةِ الكرام- رضوان الله عليهم أجمعين-، وعملاً على التخلص من فوضى الإفتاء الفردي المعاصر.

 

3- التوسع في دراسةِ الأدلةِ المختلف فيها، كسدِّ الذرائع، والمصالح المرسلة، وغيرها؛ لأنَّ هذه الأدلة هي بوابة المجتهدين إلى تجديدِ الفقه الإسلامي، ومواكبته تطورات العصر ومستجداته، وبها تتحقق مرونة الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان.

 

4- إعادة توزيع منهج أصول الفقه على طلبةِ قسم الشريعة الإسلامية بما يُحقق لهم دراسة الأدلة المختلف فيها؛ إذ من العجيبِ أنَّ طالبَ الشريعةِ الإسلامية في جامعة الأزهر يتخرج منها ولم يدرس شيئًا عن هذه الأدلةِ المختلف فيها، بينما يدرسها من يُفترض أنه أقل حظًا منه في دراسةِ الشريعة، وهو طالب الشريعة والقانون.

 

5- آن الأوان لأن تُوضع مادة مقاصد الشريعة في أولويات مواد الدراسة في جامعة الأزهر، والجامعات المعنية بالدراسات الإسلامية، ففي الوقت الذي تأسس فيه كلية متخصصة في مقاصد الشريعة، لا يزال طلبة كليات الشريعة في جامعة الأزهر لا يدرسونها إلا في الدراساتِ العليا!!

 

6- لتحقيق الاجتهاد المعاصر المنشود لا بد من الجمعِ بين فهم النص ومعرفة الواقع، والإخلال بأحدهما إخلال بالنتيجة، وهو التنكب عن الوصولِ إلى الحكم الشرعي المراد.

 

7- في اجتهاداتِ الصحابة- رضي الله عنهم- ثروة فقهية عظيمة ينبغي أن تُوظَّف في الكتابة الأصولية، التي تأثَّرت كثيرًا بعلمِ الكلامِ والمنطق، فأثَّر هذا في صعوبة تناولها ودراستها، وكذا جعلها مجالاً للتطبيق، على الرغم من أنَّ سبب وضع هذه القواعد في الأصل كان حفظ المجتهد من الوقوع في الخطأ عند الاجتهاد.

 

8- إذا كان علم أصول الفقه قد اكتمل بناؤه، والعبقري هو مَن يستوعب قواعده فهمًا وتطبيقًا، فالباحثون في هذا العلم في أمسِّ الحاجة إلى الدراسات التطبيقية لقواعد هذا العلم الجليل، وذلك بعمل دراساتٍ تطبيقية للقواعد الأصولية على القرآن الكريم، وعلى السنة النبوية، واجتهادات الصحابة، وكذا على اجتهاداتِ المعاصرين.

 

تكونت لجنة المناقشة من الدكتور/ رمضان عيد هتيمي أستاذ أصول الفقه بكليةِ الشريعة والقانون بالقاهرة، والدكتور/ دياب سليم محمد عمر أستاذ ورئيس قسم أصول الفقه بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة، والدكتور/ محمد إبراهي الحفناوي أستاذ أصول الفقه ووكيل كلية الشريعة والقانون بطنطا، والدكتور/ علي حسين علي عبد النبي أستاذ أصول الفقه المساعد بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة.

حصل الباحثُ على درجةِ الدكتوراة في أصول الفقه بمرتبة الشرفِ الأولى.