حالة تجدد الدماء المستمرة في الثورة، مثيرة للغاية، ويسهل عليك أن ترى مواقف عديدة وقد تبدلت، والسبب هو تلك الحيوية والدماء المتدفقة في شرايين الثورة .
وكل ذلك في مواجهة طغيان عسكري تقليدي، يتحرك بأدواته القمعية .
وقد نجح الشباب في تحويل إستراتيجية المعركة إلى (معركة طويلة اﻷمد)، متغلبين بذلك على إستراتيجية(الصدمة والرعب) العسكرية قصيرة الأجل كثيفة الخسائر، رغم أن عنصر الزمن كان ضاغطاً على الثوار في البداية.
فما أثر انتقال القيادة الميدانية للشباب في إدارة الثورة ضد العسكر؟
أولاً :ولوج مناطق الخطر :
لا شك أن القيادة الإسلامية تضع في اعتبارها التضحية للوصول إلى الغايات مع حرصها على سلامة صفها .
لكن دخول الشباب كقيادات ميدانية، بدل النظرة؛ واستهان بالمخاطر، فوجدنا الاعتصام في الأماكن المغلقة كالمترو ووسائل المواصلات المختلفة، بالإضافة للتظاهر داخل أسوار الجامعة والمدن الجامعية، ناهيك عن إصرارهم على دخول ميادين الثورة كالتحرير ورابعة والنهضة رغم ترسانة العسكر الرابضة، والتفكير الجاد في مواجهة الإعلام الفاسد في عقر داره بمدينة الإنتاج الإعلامي، هذا باﻹضافة إلى التلاعب بالعسكر عبر المناورة بتبديل أماكن التظاهر وتكثير عددها ومرات حدوثها عبر اليوم، ونجاحهم اليومي رغم تضحياتهم يدفع للاستمرار والتجويد، ويحبط الانقلابيين ويلجئهم للقوانين المضحكة(كالتحصين والتظاهر) والخلاصة أن الرسالة هي(لا نبالي بالخطر ولا سقف للتضحيات . ..) ويستحيل هزيمة هذه الإستراتيجية .
ثانيًا :تفجير المواهب :
بدأت الإبداعات في الشعارات التي تركت العبارات المحافظة وتسللت تخاطب البسطاء والشباب وكان شعار رابعة نفسه أحد إبداعات الشباب، ثم شاهدنا معركة ملصقات، ثم توثيق للأحداث ونشرها، ثم الإبداعات الفنية، التي بدأت بالبمبوطية ثم الصعيدية ثم الفولكلورية ثم الراب، بل و"المهرجانات"! ، وبجوار هذا كانت البرامج الساخرة مثل "جوتيوب ومحمد باكوس"، بجوار الفيديوهات السياسية التثقيفية المبسطة مثل "ألش خانة"، ناهيك عن الأغاني التي تصل إلى معدل أغنية أسبوعيًّا وكلها مخدومة فنيًّا من حيث الكلمة المعبرة واللحن، والأداء الاحترافي.
أما اللغة المستخدمة فهي مختلفة أيضًا، ومشهود لها بالنجاح، وقد كنا نتمنى أن يخرج "حمزة نمرة" أو "باسم يوسف" بأعمال ضد الانقلاب، لكن الشباب عوضونا عنهم وأضافوا وهجًا لحركة الثوار.
ثالثًا :إسقاط رموز الانقلاب وإعلاء رموز الثورة :
أيضًا فإن نهج التجريح في اﻷشخاص والهيئات ترفضه قيادات العمل الإسلامي، واستثناءاته قليلة، لكن الشباب دخل المعركة وهو يعلم أن إهانة رموزنا شجع العامة على الاستهانة بهم.
فدخل الشباب مباشرة إلى إسقاط رمزية "السيسي"، وكان التحالف منشغلاً بالشق الموضوعي، وهذا جميل، ولكن المعركة شاملة، وخصومنا في الأغلب غشاشون وكذابون ومنافقون وقائد الانقلاب جبان وخائن، فماذا صنع الشباب؟
ببساطة تعاملوا مع الأمور كما هي، فالقاتل وصفوه بالقاتل، والمنافق بالمنافق، والطرطور بالطرطور، والضابط أبو 50بالمائة ذكَّروه بفشله. . . وهكذا حتى امتلأت شوارع مصر وحوائطها بأوصاف معبرة عن حقيقة قيادات الانقلاب وأذنابه، ورأينا أثر ذلك على إعلام الانقلاب، الذي نقل هذه الأوصاف ليرد عليها فزادها تثبيتًا، ورأيناهم لا يتركون(بنطلون) السيسي ولا "أحمد" جاذب النساء، وأظهروا الفارق بين كلام اﻹعلاميين ضد "د.مرسى"، ثم مع الانقلابيين في ذات القضايا.
والخلاصة أن الشباب تعامل مع طبيعة الشعب ، ويمكنك أن ترى ببساطة كيف تجري أوصافهم على ألسنة الناس رويدًا رويدًا .
وخاض الشباب -ومازال- معركة إعادة الاعتبار لرموز الثورة، فرأينا رئيسنا "مانديلا العرب"، و "البلتاجي" كزعيم للثورة و"صلاح سلطان" كنفير للثورة، و"حازم صلاح" كوتد للثورة و"صفوت حجازي" كأب روحي للثوار، و"عصام سلطان" كمحام للثورة و"أبو العلا ماضي" كرجل المبادئ الأول و"عصام العريان" كملهم للثوار … وهكذا لا يتركون اسماً إلا ويبرزون أفضل ما فيه ويلحون في تقديمه، رغم مآخذهم السابقة على كل واحد من هذه القيادات المحترمة، لكنهم يعلمون أن (الرمزية) معركة مفصلية.
وغياب شهرة اﻵن الشباب رغم تضحياتهم الجسيمة، يؤكد أن النداء القديم بدفع الشباب للقيادة نابع من الاستعداد للإبداع والتضحية وليس حب الزعامة.
رابعًا :حسم المواقف تجاه الجميع :
القيادات الإسلامية توافقية بطبعها، وتتنازل بسبب ذلك عن مصالح معتبرة لها . ولكن الشباب حسموا المواقف مبكرًا، فرغم أنهم كانوا يعاتبون "الجماعة" على أنها لم تحتضن شباب الثورة بما فيه الكفاية، فإن الشباب الآن لا يبالي بهذه الرموز الثورية، فالمواقف لدى الشباب أبيض وأسود، لا تقل لهم "باعونا في محمد محمود"، ولا مرسي عمل أو لم يعمل، ولا تقل ولا تقل … أنت تعلم أننا في حالة انقلاب عسكري، وضِّح لي أنت مع العسكر أم الوطن؟
هل مبادئك الثورية تتجزأ بسبب خصومتك السياسية مع اﻹسلاميين؟
هل أنت موافق على القتل والاعتقال ومواجهة التظاهر السلمي بالرصاص؟
أم أنك مع التداول السلمي للسلطة؟
هل أنت مع الدستور السري وبيع الفقراء لرجال أعمال مبارك؟
أسئلة بسيطة مباشرة، وإجاباتها معلنة، والشباب حسم الموقف وعرف من باع، ومن استفاد، ومن صمد؟
وهم لا يضيعون أوقاتهم، وكلمتهم واحدة، ويعلنونها (في الميدان متسع للجميع على أرضية رفض الانقلاب العسكري)، وإلا فلا تحدثني عن أمجادك الثورية الزائفة... ومات الكلام!
خامسًا :قطع الطريق على أي تفاوض يتجاوز الشرعية :
أي تصريح من قادة التحالف، يشم الشباب منه-ولو خطأ- إمكانية الحلول الوسط، فسترى ثورة شبابية لا تهدأ إلا بتصريحات مؤكدة أنه لا تَوافُق إلا على قاعدة الشرعية، والغريب أن من هؤلاء الشباب من كان له رأي سلبي في أداء "الرئيس" أو "الجماعة" إلا أنهم يدركون جيدًا أن المعركة اﻵن ليست ضد أداء الرئيس، ولكنها خطف للوطن، والأغرب أنهم يعتبرون أن عودة "الرئيس" -الذي انتقدوه سابقًا- من ثوابت الشرعية، رغم أن التحالف كان يؤكد أن القضية ليست في(شخص) الرئيس ولكن في صيانة الشرعية وإرادة الشعب، أما الشباب فيعتبر أن التحدي هو إعادة الرئيس والمؤسسات المنتخبة... هكذا خبط لزق.
ولا شك أن تأثير ذلك مدمر نفسيًّا على الانقلابيين، الذين تصوروا أنهم سيفرضون شروط التفاوض فإذا بالشباب يرفض التفاوض أصلاً، وكان الرهان على أن ينخفض سقف المطالبات مع مرور الوقت وكثرة التضحيات، لكن الشباب فرض على الجميع أعلى سقف مطالب، وتحول قادة التحالف من(مديرين) للصراع إلى(متحدثين) بما يمليه عليهم الثوار.... وهذا إنجاز الشباب.
سادسًا :توسيع دوائر المؤيدين :
بروز الشباب كقيادات ميدانية استدعى قيمًا متداولة بين عنصرهم الشبابي، مثل ألا أسمح باعتقال زميلي بسبب رأيه، وأسعى للقصاص إذا قُتل زملائي.
أما اقتحام الجامعة والمدن الجامعية فهو يستنفر طاقات الغضب ويحول الجميع إلى رافضين للانقلاب، حتى ولو كانوا ضد "الرئيس"، أضف إلى ذلك أن تحقق الشباب من صدق زملائهم الإسلاميين الذين يتظاهرون أمامهم بسلمية كاملة يحولهم إلى طاقة متفجرة في وجه من خدعهم، ويضاعف شعورهم بالخطر على مستقبل يقوده هؤلاء الكاذبون.
كما استطاع شبابنا أن يشكلوا حركة "إعادة تشكيل الوعي" أثناء تظاهرهم اليومي في الشوارع مما لوحظ معه توقف الحماسة لدي مؤيدي "السيسي" (راجع استطلاعات الرأي) مع تجليات الوعي الجديدة مثل(لسنا إرهابيين ولكنا جيرانكم، لا نحارب الجيش ولكن نرفض قيادته الانقلابية، ومرسي كان ناجحًا وتآمروا عليه، لسنا شعبين …إلخ)، ويكفي أن تنظر إلى تجاوب كبار السن معهم في "اسكتش البطاطس" بالمترو والقطارات، والذي ينتهي دائمًا بهتاف الركاب مع الشرعية.
سابعًا :تجاوز منظومة الإعلام وهزيمتها :
يتحول الإعلام الانقلابي مع الوقت إلى إعلام دفاعي ينافح عن الشرطة والجيش وإنجازات الحكومة والدفاع عن أخطائهم ويلتمس الأعذار لعدم قدرتهم على مواجهة المصائب .
لكن إستراتيجية تطويل زمن المعركة، جعل الإعلام ماسخًا، وأظهر عداءهم لثورة يناير بعدما تصوروا نجاح انقلابهم، ومع الوقت تحولوا إلى نقد الحكومة، ثم الهجوم عليها ثم الاستغاثة بالسيسي لتغييرها، وقريبًا سيأكل الإعلاميون بعضهم كما فعل "اﻷهرام" مع "لميس" ، وكما فعلوا مع "باسم"، ولا مانع من محاولة استعادة وجوه مقبولة مثل "يسري فودة"، والمحافظة على "عمرو أديب" كمهاجم للحكومة، ومغازلة "حمدي قنديل".
لكن يدمر هذا كله أن تخرج مظاهرة ساخرة تحمل الأنابيب وتفضح فشلهم !!
كذلك فقد استفاد الشباب من القنوات المؤيدة للشرعية وأمدوها بالمواد اﻹعلامية الطازجة رغم تعرضهم للبطش بسبب ذلك.
إجمالاً، فإن الشباب يعيدون صياغة الثورة، ويستهدفون(الحسم)، ويقدمون الثمن من دمائهم.
يستوي في التضحية الشباب والبنات.
لايتطلب النصر أكثر من(وضوح الغاية، وأن تكون نبيلة، وأن تُبذل دونها التضحيات).
وشبابنا يقدم أروع اﻷمثلة على ذلك.
نترقب النصر.
مكملين.
لا رجوع.