تهل علينا في هذه الأيام الثورية المجيدة، ذكريات صمود وعزة وإباء مختلطة بمشاهد حرق ودماء ونازية، حيث يمر على البلاد والعباد ذكرى مرور 100 يوم على مجزرتي فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة "14 أغسطس"، ومذبحة رمسيس الثانية "16 أغسطس"، ومحرقة سجن أبو زعبل "19 أغسطس"، لتمد الثوار الأحرار بمداد التحدي والإصرار لانطلاقة ثورية ثالثة بعد انطلاقة اعتصام 28 يونيو وموجة غضب ما بعد الفض، نكتب بها نهاية الانقلاب وبدء القصاص بالتوزاي مع تحقيق مطالب الشهداء في البعد الديمقراطي والسياسي.
لقد كان صمود المعتصمين في رابعة العدوية- وكنت شاهدًا عليه- باهرًا وملهمًا، للأحرار في العالم، وكانت تضحياتهم نموذجًا إنسانيًّا ووطنيًّا شريفًا، ستظل تهلج بتمجيده الألسنة لآخر الزمان، وكان الصمود كذلك في النهضة ومصطفى محمود ونصر الدين في الجيزة، كما روى شهود العيان، وتواصل في رمسيس الثانية، ليسطر ملحمة بشرية قلما تجدها في التاريخ، وتبشر بمرحلة جديدة للوطن الذي تشربت تربته غرس هؤلاء الأحرار.
وفي ذات الوقت، فإن هذه المجازر المروعة التي ارتقى فيها ما يقرب من 6 آلاف شهيد وشهيدة، واعتقل أكثر من 11 ألف معتقل سياسي بينهم نساء وفتيات، وانتهكت فيها حرمات المساجد وحرقت المصاحف وجثث الشهداء والأحياء، شكَّلت مأساة صارخة، وبكائية تجاوزت كل البكائيات الإنسانية في التاريخ الإنساني الحديث.
ولذلك لا عجبَ أن تشهد ثورة الشرعية والكرامة، عقب كل هذه المجازر، انطلاقة ثورية واسعة، استقطبت قطاعات مصرية جديدة، بانتشار أفقي ورأسي، انحازت للإنسان، وبصَّرت الحقائق التي شوهت، وقررت بحسم تحقيق مطالب الشهداء، غير مبالية بالتضحيات التي تواصلت على مدار الحراك الثوري بعد الفض حتى الآن.
ولقد كان ظهور، شارة رابعة الصمود، بعد الفض مباشرةً، في الفعاليات الثورية، دلالة بالغة التأثير على خلود هذه الأيام في التاريخ والنصر القريب لها، دلالة توحد العالم الحر الغاضب، وتوجز الكلمات في إشارة 4 أصابع، وتنطق بالحقيقة وتذكر القاتل بالجريمة؛ ولذلك كانت وما زالت موجعة تغيظ القاتل والذي صمت معه على القتل، وتصيبه بالوجع والألم والجنون.
إن هذه الدماء الطاهرة التي أريقت في مجازر الانقلاب، ستظل تلاحق ضمير أشباه الثوار، الذين باعوهم في كل المشاهد، لإرضاء حساباتهم السياسية الضيقة، التي جاءت على حساب الثورة المتصاعدة ضد غدر العسكر والفلول، وحساب الإنسانية المجردة، لتكون هذه التضحيات شاهدةً على من باع ومَن خان ومن ترك أخيه الإنسان يواجه بمفرده نازية الطغيان.
كما أن هذه الدماء ستظل تطارد قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي وكل الذين شاركوه الخيانة والعدوان، فمن ظلم سيرى نتاج ظلمه سواء في محاكم الدنيا، أوفي محكمة العدل الإلهية، يوم لا يفلت ظالم من العقاب، ولا يحسبن قاتل أنه سيهرب، فعين السماء لا تغفل ولا تنام، والدماء لعنات، لم يصمد أمامها متجبر في أي زمان، والثوار في الميادين ينتظرون الحسم لتعليق الطغاة على أعواد المشانق.
إن هذه الدماء كذلك تحتاج، من جميع الثوار، أن يدركوا أن السياسة يجب أن تكون في خدمة الثورة، فالثورات تنتج سياسة جديدة وساسة جدد، وأن الحسم الثوري، هو الطريق لحل سياسي واقعي ينصف الشهداء والأحياء، وليس العكس فأنصاف الحلول أكفان الشعوب، والمناخ مهيأ في مصر للحسم بفضل الله، وهو حسم مفاجئ، في رأينا، سيربك كل الحسابات.
إن تجديد مطالب الشهداء، على مدار أسبوع إحياء ذكرى مرور 100 يوم على المحارق السيسية، يحتاج إلى انطلاقة ثورية ثالثة، بتجديد ميداني، مبني على تطوير للفعاليات الثورية في ضوء السلمية المبصرة، التي لا تجنح للعنف ولا تتراجع أمام العنف، والتي تواجه القمع بصدورٍ عارية وأدوات مدنية جديدة، ولا ترجع للوراء بظهور مكشوفة ودون تحقيق إنجاز ثوري.
إن هذه الانطلاقة نراهن فيها على استمرار خلق قيادات ثورية ميدانية، تستفيد من تجارب قهر الطغيان في الثورات المماثلة، وتبدع في فرض واقع نوعي جديد، يحسم على الأرض، مستغلاًّ غباء الانقلابيين، وظهور خطره على جميع المستويات والمؤسسات، وتسرب الضجر والخوف بين صفوف القوة الغاشمة التي يستند إليها.
إننا كما نادينا بالنفس الطويل في الحراك الثوري، ننادي الآن في هذه الانطلاقة الجديدة التي نرقبها وندعو إليها، إلى النفس الطويل في الفعاليات الثورية ذاتها، وإعطاء الفعالية حقها لتحقيق أهدافها وقهر القمع بوسائلها السلمية المدنية المبدعة، مع التضامن مع كل القطاعات المتضررة من الانقلاب والتي تتقاطع مطالبها مع بعض مطالب ثورة الشرعية والكرامة، مع الاستمرار في تطوير شعارات الجدران، وهتافات الثورة.
إن الانقلابيين القابعين بالزور والبطلان في مقرات الشعب، يطبخون السم للوطن، ويستنفدون مقدراته وينهكون قدراته ويبيعون أبناءه، ويقمعون القضاء والقانون والحريات ومحاولات نشر الحقيقة، مرتعدون من الحراك الثوري المتصاعد واكتسابه يوميًّا لأرض جديدة، وعلى الجميع إدارك اللحظة الفارقة!.
ثوروا تسعدوا، وأبدعوا تحسموا، واصمدوا تنتصروا.